الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان أحكام الوقف وما يتعلق به

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 136 - 138 ] ورجع ، إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس ، وامرأة لو رجلت عصب ، [ ص: 139 ] فإن ضاق : قدم البنات ، [ ص: 140 ] وعلى اثنين ، وبعدهما على الفقراء نصيب من مات لهم [ ص: 141 - 143 ] إلا كعلى عشرة حياتهم ، فيملك بعدهم .

التالي السابق


( ورجع ) الحبس المؤبد ( إن انقطع ) ما حبس عليه ( لأقرب فقراء عصبة المحبس ) يوم الرجوع على المشهور ، ولا يشاركهم أغنياؤهم ، ولو أخذ فقراؤهم منه ما صاروا به أغنياء وفضل فهو لهم . وقيل لغيرهم من الأغنياء ( و ) ل ( امرأة ) فقيرة قريبة للواقف ( لو رجلت ) بضم الراء وكسر الجيم مثقلة ، أي فرضت رجلا ( عصب ) بفتحات مثقلا ، أي كان عاصبا كالبنت والأخت وبنت الأخ والعمة وبنت العم وبنت المعتق لا الخالة وبنت البنت والجدة لأم ، فإن لم يكن له قريب رجع للفقراء . ابن الحاجب إذا لم يتأبد رجع بعد انقطاعه جهته ملكا لمالكه أو وارثه ، وإذا تأبد رجع إلى عصبة المحبس من الفقراء ، ثم للفقراء من سماع ابن القاسم من حبس على معينين ثم على أولادهم من بعد انقراض جميعهم فوجب أن يكون حظ من مات منهم لأولاده لا لإخوته ، بخلاف لو حبس على معينين ثم على غير أولادهم ففيه ثلاثة أقوال في المدونة .

ابن عرفة فيها إن قال حبس عليك وعلى عقبك قال مع ذلك صدقة أم لا ، فإنها ترجع بعد انقراضهم لأولى الناس بالمحبس يوم المرجع من ولد أو عصبة ذكورهم وإناثهم ، سواء يدخلون في ذلك حبسا ، ولو لم تكن إلا ابنة واحدة كانت لها حبسا لا يرجع إلى المحبس ، ، ولو كان حيا وهي لذوي الحاجة من أهل المرجع دون الأغنياء ، فإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بهم من الفقراء .

ونصها عند ابن يونس مالك " رضي الله عنه " من قال هذه الدار حبس على فلان وعقبه أو عليه وعلى ولده وولد ولده ، أو قال على ولدي ، ولم يجعل لها موضعا فهي موقوفة لا تباع ولا [ ص: 139 ] توهب وترجع بعد انقراضهم على أولى الناس بالمحبس يوم المرجع ، وإن كان المحبس حيا قيل لابن المواز من أقرب الناس بالمحبس الذين يرجع إليهم الحبس بعد انقراض من حبس عليهم ، قال قال مالك " رضي الله عنه " : على الأقرب من العصبة ومن النساء من لو كانت رجلا كانت عصبة للمحبس فيكون ذلك عليهم حبسا .

قال مالك " رضي الله عنه " ولا يدخل فيه ولد البنات ذكرا كان أو أنثى ولا بنو الأخوات ولا زوج ولا زوجة . ابن القاسم إنما يدخل من النساء مثل العمات والجدات وبنات الأخ والأخوات أنفسهن شقائق كن أو لأب ، ولا يدخل الإخوة والأخوات لأم . محمد واختلف في الأم فقال ابن القاسم تدخل في مرجع الحبس . قلت : فإن كان ثم من سميت من النساء وثم عصبة معهن والنساء أقرب . ابن القاسم مالك " رضي الله عنه " يدخلون كلهم إلا أن لا يكون سعة فليبدأ بإناث وذكور ولده على العصبة ، ثم الأقرب فالأقرب ممن سميت ، وكذلك العصبة الرجال يبدأ بالأقرب فالأقرب ، وإذا لم يكن إلا النساء كان كله لهن على قدر الحاجة إلا أن يفضل عنهن .

محمد أحسن ما سمعت أن ينظر إلى حبسه أول ما حبس ، فإن كان إنما أراد المسكنة وأهل الحاجة جعل مرجعه لذلك على من يرجع ، فإن كانوا أغنياء فلا يعطون منها ، وإن كان إنما أراد مع ذلك القرابة وأثرتهم رجع عليهم ، وأوثر أهل الحاجة إن كان فيهم أغنياء قاله مالك ( رضي الله عنه ) وإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بهؤلاء الأغنياء إذا كانوا فقراء . محمد فإن لم يكن فيهم فقير ردت إليهم إذا استووا في الغنى ، وكان أولاهم فيها الأقرب فالأقرب والذكر والأنثى سواء في المرجع ، فإن اشترط أن للذكر مثل حظ الأنثيين فلا شرط له ; لأنه لم يتصدق عليهم ألا ترى أنه لو لم يكن أقعد به يوم المرجع إلا أخت أو ابنة لكان لها وحدها ، وكذلك إذا كان معها ذكر كان بينهما شطرين .

( فإن ضاق ) الحبس الراجع لأقرب فقراء عصبة المحبس ولامرأة رجلت عصب عن العصبة والبنات ( قدم ) بضم فكسر مثقلا ( البنات ) على العصبة . محمد فإن كان ثم من [ ص: 140 ] سميت من النساء وهن أقرب . ابن القاسم مالك " رضي الله عنه " يدخلون كلهم إلا أن يكون سعة فليبدأ بإناث ولده على عصبته ثم الأقرب فالأقرب ( و ) إن وقف ( على ) شخصين ( اثنين ) معينين كزيد وعمرو أو هذين ( وبعدهما ) أي الاثنين يكون وقفا ( على الفقراء ) يكون ( نصيب من مات ) من الاثنين ( لهم ) أي الفقراء لا لرفيقه ، هذا اختيار ابن رشد .

ابن الحاجب لو حبس على زيد وعمرو ثم على الفقراء فمات أحدهما فحصته للفقراء إن كانت غلة ، وإن كانت كركوب دابة وشبهه فروايتان . ابن عرفة تؤخذان من قولي مالك فيها من حبس حائطا على قوم معينين فكانوا يلونه ويسقونه ومات أحدهم قبل طيب الثمرة فجميعها لبقية أصحابه ، وإن لم يلوا عملها ، وإنما تقسم الغلة عليهم فنصيب الميت لرب النخل ، ثم رجع مالك رضي الله تعالى عنه إلى رد ذلك لمن بقي ، وبهذا أخذ ابن القاسم .

قلت ففي نقل حظ معين من طبقة بموته لمن بقي فيها أو لمن بعدها القولان بالأول أفتى ابن الحاج ، وبالثاني أفتى ابن رشد وألف كل منهما على صاحبه . تت البساطي هذا اختيار ابن رشد ، وهو الحق ، فإن قوله وبعدهما يحتمل أنه أراد به بعد كل واحد منهما يحتمل أنه أراد به بعدهما معا والأول أرجح من وجهين : أحدهما احتياج الثاني إلى مقدر يتوقف عليه معناه ، أي مجموعهما بخلاف الأول ، والثاني أن بعدية الميت أولا لم تفد شيئا فلا حاجة إلى جمعهما في الضمير وظاهر كلام المصنف كان الحبس مما يتجزأ بالقسمة كغلة الحائط أو لا كركوب دابة وسكنى دار ، وهو كذلك على إحدى الروايتين ، والأخرى أن تجزأ صرفا للفقراء وإن لم يتجزأ فلرفيقه . ابن عبد السلام وقد كثر فيها اضطراب المتقدمين ، وكذا بين فقيهين . ابن رشد وابن الحاج وألف كل منهما على صاحبه . [ ص: 141 ] ابن عرفة من حبس على فلان ثم على عقبه من بعده وعقب عقبه ، ففي دخول [ ص: 142 ] عقب العقب مع العقب لعطفه عليه بالواو وكونه بعده على الترتيب لأجل تقديم العطف يتم فتوى ابن القاسم وأصبغ وابن الحاج مع ابن رشد .

واحترز المصنف عما لو قال هو وقف على فلان وعقبه أو على بني تميم ، فإنه إن بقي واحد منهم فله الجميع . عج يؤخذ من هذا أن قوله تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى ، معناه أن كل أصل يحجب فرعه فقط دون فرع غيره ، ويجري هذا أيضا في الترتيب بين الأصول وفروعهم نحو على أولاد فلان ثم أولاد أولاده ، وهذا حيث لم يجر عرف بخلافه وإلا عمل به ; لأن ألفاظ الواقف تبنى على العرف .

البناني بهذا أفتى ابن رشد ، وخالفه عصريه ابن الحاج وحاصله أنه إذا مات واحد من الطبقة العليا عن أولاد ، فقال ابن رشد يكون حظه لأولاده بناء على أن الترتيب في الوقف باعتبار كل واحد وحده ، أي على فلان ، ثم ولده وعلى فلان ثم ولده وهكذا ، [ ص: 143 ] فكل من مات انتقل حظه لولده ، فكل واحد من الطبقة العليا إنما يجب فرعه دون فرع غيره ، وقال ابن الحاج بل يكون حظ من مات من العليا لبقية إخوته بناء على أن الترتيب باعتبار المجموع ، أي لا ينتقل للطبقة الثانية حتى لا يبقى أحد من الطبقة الأولى و الله أعلم .

واستثنى من قوله ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس فقال ( إلا ) إذا وقف على عدد محصور ، وحد وقفه عليهم بمدة صريحا أو تلويحا ( ك ) وقف ( على ) أشخاص ( عشرة ) مثلا عينهم وسماهم أو قال هؤلاء ( حياتهم ) أو ما عاشوا ، فلا يكون مؤبدا . ويقسم بينهم بالسوية ، ومن مات منهم فنصيبه لباقيهم ، ولو واحدا وإن ماتوا جميعا ( فيملك ) بضم التحتية وسكون الميم وفتح اللام الوقف ، أي يملكه الواقف إن كان حيا أو وارثه إن كان ميتا ( بعدهم ) أي العشرة . اللخمي إن قال حبس على هؤلاء النفر وضرب أجلا أو قال حياتهم رجع ملكا اتفاقا ، واختلف إن لم يسم أجلا ولا حياة . أبو عمر من حبس على رجل بعينه ولم يقل على ولده ولا جعل له مرجعا ، فاختلف فيه عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أصحابه المدنيون بأنه يرجع إلى ربه ملكا والمصريون برجوعه لأقرب فقراء عصبته حبسا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث