الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ونبشه بعد دفنه ) وقبل بلاه عند أهل الخبرة بتلك الأرض ( للنقل ) ولو لنحو مكة ( وغيره ) ولو لصلاة عليه أو تكفينه كما سيأتي ( حرام ) لما فيه من هتك حرمته ( إلا لضرورة بأن دفن بلا غسل ) ولا تيمم بشرطه وهو ممن يجب غسله فيجب نبشه لطهره تداركا للواجب ما لم يتغير أو ينقطع ثم يصلى عليه ( أو ) دفن ( في أرض أو ) في ( ثوب مغصوبين ) وطلبهما مالكهما فينبش حتما وإن تغير ، وحصل هتك حرمته ليصل المالك لحقه ، ويكره له ذلك كما نقل عن النص ، ويسن في حقه الترك ، فإن لم يطلب المالك ذلك حرم النبش كما جزم به ابن الأستاذ .

قال الزركشي : ما لم يكن محجورا عليه أو ممن يحتاط له وهو ظاهر ، ثم محل النبش أيضا في الكفن المغصوب إذا وجد ما يكفن فيه الميت ، وإلا حرم كما اقتضاه كلام الشيخ أبي حامد وغيره بناء على قهر مالكه عليه لو لم يجد غيره وهو الأصح ، ولو كفن في حرير لم يجز نبشه ; لأنه حق الله تعالى وهو مبني على المسامحة ، ودفنه في مسجد كهو في المغصوب فينبش ويخرج مطلقا فيما يظهر ( أو وقع فيه ) أي القبر ( مال ) مما يتمول وإن قل كخاتم فينبش حتما وإن تغير الميت ; لأن تركه فيه إضاعة مال ، وسواء في ذلك طلبه مالكه أو لا ، وقيد في المهذب بطلبه له .

قال في المجموع : ولم يوافقوه عليه ، واعترض بموافقة صاحبي الانتصار والاستقصاء له ، وعلى الإطلاق قد يفارق ما في الابتلاع وفي التكفين والدفن في المغصوب بأن في الأول [ ص: 40 ] بشاعة بشق نحو جوفه ، والأخيرين ضروريان له فاحتيط لهما بالطلب بخلاف هذا .

قال الأذرعي : ولم يبين هل كلامه هنا في وجوب النبش أو جوازه ، ويحتمل حمل كلام المطلقين على الجواز وكلام المهذب على الوجوب عند الطلب فلا يكون مخالفا لإطلاقهم انتهى ، ولو بلع مال غيره وطلبه مالكه ، ولم يضمن بدله أحد من ورثته أو غيرهم كما نقله في الروضة عن صاحب العدة ، وهو المعتمد نبش وشق جوفه وأخرج منه ودفع لمالكه ، فإن ابتلع مال نفسه فلا ينبش ولا يشق لاستهلاكه له حال حياته ( أو دفن لغير القبلة ) وإن كان رجلاه إليها فيما يظهر خلافا للمتولي فينبش حتما ما لم يتغير ويوجه للقبلة ، فإن تغير فلا ( لا للتكفين في الأصح ) لأن غرض التكفين الستر ، وقد حصل بالتراب مع ما في نبشه من هتكه .

والثاني : ينبش قياسا على الغسل بجامع الوجوب ، وينبش أيضا في صور كما لو دفنت امرأة حامل بجنين ترجى حياته بأن يكون له ستة أشهر فأكثر فيشق جوفها ويخرج إذ شقه لازم قبل دفنها أيضا ، فإن لم ترج حياته فلا لكن يترك دفنها إلى موته ، ثم تدفن ، وقول التنبيه ترك عليه شيء حتى يموت ضعيف بل غلط فاحش فليحذر ، أو بشر بمولود فقال إن كان ذكرا فعبدي حر أو أنثى فأمتي حرة ، ودفن المولود قبل العلم بحاله فينبش ليعلم من وجدت صفته ، أو قال : إن ولدت ذكرا فأنت طالق طلقة أو أنثى فطلقتين فولدت ميتا ودفن وجهل حاله فالأصح في الزوائد نبشه ، أو ادعى شخص على ميت بعد دفنه أنه امرأته ، وأن هذا الولد ولده منها ، وطلب إرثه منها وادعت امرأة أنه زوجها ، وأن هذا ولدها منه وطلبت إرثها منه ، وأقام كل بينة فإنه ينبش ، فإن وجد خنثى قدمت بينة الرجل أو لحق الميت سيل أو نداوة فينبش لنقله ، أو قال : إن رزقني الله ولدا ذكرا فلله علي كذا ودفن قبل العلم بحاله فينبش قطعا للنزاع ، أو شهدت بينة على شخصه واشتدت الحاجة ولم تتغير صورته فينبش ليعرف على ما قاله الغزالي ، والأصح خلافه ،

أو اختلف الورثة في أن المدفون ذكر أو أنثى ليعلم كل من الورثة قدر حصته ، وتظهر ثمرة ذلك في المناسخات ، أو زعم الجاني شلل العضو ولو أصبعا فإنه ينبش ليعلم ، ذكره ابن كج ، أو دفن في ثوب مرهون وطلب المرتهن إخراجه ، قال الأذرعي : فالقياس غرم القيمة فإن تعذر [ ص: 41 ] نبش وأخرج ما لم تنقص قيمته بالبلى ، أو تداعيا مولودا فينبش ليلحقه القائف بأحد المتداعيين ، وقيده البغوي بما إذا لم تتغير صورته وهو ظاهر ، أو دفن كافر في الحرم فينبش ، ويخرج على ما سيأتي في الجزية ، ولو كفنه أحد الورثة من التركة وأسرف غرم حصة بقية الورثة .

فلو طلب إخراج الميت لأخذ ذلك لم تلزمهم إجابته ، وليس لهم نبشه لو كان الكفن مرتفع القيمة ، وإن زاد في العدد فلهم النبش وإخراج الزائد ، والظاهر كما قاله الأذرعي أن المراد الزائد على الثلاث .

أما بعد البلى عند من مر فلا يحرم النبش بل تحرم عمارته وتسوية ترابه عليه إذا كان في مقبرة مسبلة لامتناع الناس عن الدفن فيه لظنهم به عدم البلى ، ومحل ذلك كما قاله الموفق بن حمزة في مشكل الوسيط ما لم يكن المدفون صحابيا أو ممن اشتهرت ولايته وإلا امتنع نبشه عند الانمحاق ، وأيده بعض المتأخرين بجواز الوصية بعمارة قبور الأنبياء والصالحين لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك ، إذ قضيته جواز عمارة قبورهم مع الجزم هنا بما مر من حرمة تسوية القبر وعمارته في المسبلة

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وقبل بلاه ) عبارة المختار : بلي الثوب بالكسر بلى بالقصر فإن فتحت باء المصدر مددت ا هـ .

وهي تفيد أن ما هنا يجوز فيه الكسر مع القصر والفتح مع المد ( قوله : ولا تيمم بشرطه ) أفهم أنه إذا يمم قبل الدفن لا يجوز نبشه للغسل وإن كان تيممه في الأصل لفقد الغاسل أو لفقد الماء بمحل يغلب فيه وجوده وهو ظاهر ( قوله : فإن لم يطلب المالك ذلك ) شمل ما لو سكت عن الطلب ، ولم يصرح بالمسامحة فيحرم إخراجه ، وعبارة حج بعد قول المصنف مغصوبين : وإن غرم الورثة مثله أو قيمته ما لم يسامح المالك انتهى .

ومقتضاها وجوب نبشه عند سكوت المالك ، وقد يمنع بأن في إخراج الميت إزراء والمسامحة جارية بمثله ، فالأقرب عدم جواز نبشه ما لم يصرح المالك بالطلب ( قوله : لو لم يجد غيره وهو الأصح ) أي ويعطي قيمته من تركة الميت إن كانت ، وإلا فمن منفقه إن كان ، وإلا فمن بيت المال فمياسير المسلمين إن لم يكن هو منهم ( قوله : مطلقا ) تغير أم لا ( قوله وسواء في ذلك طلبه مالكه أو لا ) المتبادر من عدم الطلب السكوت وهو [ ص: 40 ] يقتضي أنه لو نهي عنه لم ينبش وهو ظاهر ( قوله : والأخيرين ضروريان ) أي وبأن الأخيرين إلخ ( قوله : ولم يضمن بدله ) أي أما لو ضمنه أحد من الورثة أو غيرهم أو يدفع لصاحب المال بدله حرم نبشه وشق جوفه لقيام بدله مقامه وصونا للميت من انتهاك حرمته ( قوله : ودفع لمالكه ) أي وإن تغير ( قوله : لاستهلاكه ) يؤخذ منه أنه لا يشق وإن كان عليه دين لإهلاكه قبل تعلق الغرماء به ، وهو كذلك حيث كان القبر محفورا على ما جرت به العادة ( قوله : وإن كان رجلاه إليها ) ظاهره وإن رفع رأسه ، وتقدم عن الشيخ عميرة وحج التصريح بالحرمة وإن رفع رأسه ( قوله : لكن يترك دفنها إلى موته ) أي ولو تغيرت لئلا يدفن الحمل حيا ( قوله : بل غلط فاحش ) أي ومع ذلك لا ضمان فيه مطلقا بلغ ستة أشهر أو لا لعدم تيقن حياته ( قوله : خنثى قدمت بينة الرجل ) أي لأن بينته تشهد على خروج الولد من فرجها وبينة المرأة تشهد لظنها حصول الولد منه مستندة لمجرد الزوجية ( قوله : أو نداوة ) أي ولو قبلها عند ظن حصولها ظنا قويا ، ولو علم قبل دفنه حصول ذلك له وجب اجتنابه حيث أمكن ولو بمحل بعيد ( قوله : والأصح خلافه ) ولعل الفرق بين هذه ومسألة النذر أن النذر لكونه حقا لله تعالى وإنشاء الناذر التزامه [ ص: 41 ] الغالب عدم تيسر بينة تشهد به ، وإن نذره لمعين ، بخلاف من أقيمت البينة على شخصه فإنه يمكن عادة إقامة غيرها ( قوله : وهو ظاهر ) أي فإن تغيرت تغيرا يمنع معرفة صورته لو أخرج لم ينبش ، وإن كان له مال وتنازعا فيه وحيث لم ينبش وقف إلى الصلح ( قوله : لم تلزمهم إجابته ) أي ويجوز فينبش لإخراجه ( قوله : أما بعد البلى ) محترز قوله وقيل بلاه عند أهل إلخ .

( قوله : عند من مر ) أي من أهل الخبرة ( قوله والصالحين ) أي والعلماء ا هـ .

والمراد بعمارة ذلك بناء محل الميت فقط لا بناء القباب ونحوها

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث