الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ولا يمنع الدين وجوبها ) حالا كان أو مؤجلا من جنس المال أم لا لله تعالى كزكاة وكفارة ونذر أو لغيره وإن استغرق دينه النصاب ( في أظهر الأقوال ) لإطلاق الأدلة ولأن ماله لا يتعين صرفه إلى الدين ، والثاني يمنع كما يمنع وجوب الحج ( والثالث يمنع في المال الباطن وهو النقد ) أي الذهب والفضة وإن لم يكن مضروبا والركاز ( والعرض ) وزكاة الفطر وحذفها لأن الكلام في زكاة المال لا البدن ولما تكلموا على ما يشملها وهو أن له أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن ذكروها فلا اعتراض عليه خلافا لما وقع للإسنوي دون الظاهر وهو الزروع والثمار والماشية والمعدن ، ولا ترد هذه على قول النقد ; لأنها لا تسمى إلا بعد التخليص من التراب ونحوه ، والفرق أن الظاهر ينمو بنفسه والباطن إنما ينمو بالتصرف فيه والدين يمنع من ذلك ويحوج إلى صرفه في قضائه ، ومراد من عدها من الباطن أنها ملحقة به ، ومحل الخلاف ما لم يزد المال على الدين ، فإن زاد وكان الزائد نصابا وجبت زكاته قطعا وأما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين فإن كان لم يمنع قطعا عند الجمهور ، والأوجه إلحاق دين الضمان بالإذن بباقي الديون ( فعلى الأول ) الأظهر ( لو حجر عليه لدين فحال الحول في الحجر فكمغصوب ) فتجب زكاته ولا يجب الإخراج إلا عند التمكن لأنه حيل بينه وبين ماله لأن الحجر مانع من التصرف . نعم لو عين القاضي لكل غريم من غرمائه شيئا قدر دينه من جنسه أو ما يخصه بالتقسيط ومكنه من أخذه وحال عليه الحول ولم يأخذه فلا زكاة فيه عليهم لعدم ملكهم ولا على المالك لضعف ملكه وكونهم أحق به ، والأوجه عدم الفرق بين أخذهم له بعد الحول وتركهم ذلك خلافا لبعض المتأخرين ، ولو فرق القاضي ماله بين غرمائه فلا زكاة عليه قطعا لزوال ملكه ، ولو تأخر القبول في الوصية حتى حال الحول بعد الموت لم يلزم أحدا زكاتها لخروجها عن ملك الموصي وضعف ملك الوارث والموصى له لعدم استقرار ملكه ، وإنما لزمت المشتري إذا تم الحول في زمن الخيار وأجيز العقد لأن وضع البيع على اللزوم وتمام الصيغة وجد فيه من ابتداء [ ص: 133 ] الملك بخلاف ما هنا ( و ) على الأول أيضا ( لو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركة ) وضاقت عن وفاء ما عليه ( قدمت ) أي الزكاة ولو زكاة فطر على الدين ، وإن تعلق بالعين قبل الموت كالمرهون تقديما لدين الله تعالى لخبر الصحيحين { فدين الله أحق بالقضاء } ولأن مصرفها أيضا إلى الآدميين فقدمت لاجتماع الأمرين فيها ، والخلاف جاز في اجتماع حق الله تعالى مطلقا مع الدين فيدخل في ذلك الحج وجزاء الصيد والكفارة والنذر . نعم يسوى بين دين الآدمي والجزية على الأصح مع أنها حق الله تعالى لأن المغلب فيها معنى الأجرة ( وفي قول ) يقدم ( الدين ) لبناء حقوق الآدمي على المضايقة لاحتياجه وافتقاره وكما يقدم القصاص على القتل بالردة ، وفرق الأول ببناء الحدود على الدرء ( وفي قول يستويان ) فيوزع المال عليهما ; لأن الحق المالي المضاف إلى الله تعالى يعود إلى الآدمي أيضا وهو المنتفع به وخرج بدين الآدمي دين الله تعالى كحج وزكاة ، والمعتمد أن له إن كان النصاب كله أو بعضه موجودا قدمت أو معدوما واستويا في التعلق بالذمة قسم بينهما عند الإمكان وبالتركة ما إذا اجتمعا على حي وضاق ماله عنهما فإن كان محجورا عليه قدم حق الآدمي وإلا قدمت الزكاة ويجب تقييده بما إذا لم تتعلق الزكاة بالعين وإلا قدمت مطلقا ، ولو ملك نصابا فنذر التصدق به أو بشيء منه أو جعله صدقة أو أضحية قبل وجوب الزكاة فيه وبعد الحيازة وانقضاء القتال .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : ومراد من عدها ) أي وزكاة الفطر .

( قوله : والأوجه إلحاق دين الضمان بالإذن ) إنما قيد بالإذن لقوله الأوجه فإنه حيث لا إذن لا رجوع له بما أداه فالدين الذي ضمنه على غير حكمه حكم ما لزمه من الديون قطعا ( قوله : لعدم استقرار ملكه ) أي كل من الوارث والموصى له ، أما الوارث فلاحتمال قبول الموصى له وأما الموصى له فلاحتمال عدم قبوله .

( قوله : في زمن الخيار ) أي خيار العيب كأن وجد فيه ما يقتضي الرد لكنه لم يرد بل أجاز ، أو أن المراد خيار الشرط وهو الظاهر من عبارته ويكون المعنى أن مدة الخيار محسوبة من الحول ، فيكون ابتداؤه من تمام العقد لكن هذا يشكل على ما مر في قوله حيث مضى عليه حول من وقت دخوله [ ص: 133 ] في ملكه بانقضاء الخيار لا من الشراء إلا أن يخص ذلك بخيار البائع وما هنا بغيره فلا إشكال ثم ولا هنا .

( قوله : ولو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركة قدمت ) أي ولو كان الدين لمحجور عليه .

( قوله : فيدخل في ذلك الحج وجزاء الصيد إلخ ) أي فإذا اجتمعت قدمت كالزكاة إن كان النصاب باقيا إلا قسم على ما يأتي في قوله والمعتمد إلخ ( قوله : قسم بينهما عند الإمكان ) أما إذا لم يمكن التوزيع كأن كان ما يخص الحج قليلا بحيث لا يفي فإنه يصرف للممكن منهما ، فلو كان عليه زكاة وحج ولم يوجد أجير يرضى بما يخص الحج صرف كله للزكاة ، أما لو اجتمعت الزكاة مع غير الحج من حقوق الله تعالى كالنذر والكفارة وجزاء الصيد فيوزع الحاصل بينها ولا تتأتى التفرقة بينها لإمكان التجزئة دائما بخلاف الحج ، وكاجتماع الزكاة مع الحج اجتماع الحج مع بقية الحقوق ، فيوزع الواجب إن أمكن على الحج وغيره وإلا صرف لغير الحج ، ثم ما يخص الكفارة عند التوزيع إذا كانت إعتاقا ولم يف ما يخصها برقبة هل يشتري به بعضها وإن قل ويعتقه أو لا لأن إعتاق البعض لا يقع كفارة ؟ فيه نظر ، فيحتمل وجوب ذلك لأن الميسور لا يسقط بالمعسور ، ويحتمل وهو الظاهر الثاني وينتقل إلى الصوم فيخرج عن كل يوم مد .

( قوله : وإلا قدمت ) أي على دين الآدمي ولو اجتمعت الزكاة وحقوق الله تعالى وضاق المال عنها قسطت إن أمكن . كما فعل به فيما لو اجتمعت في التركة كما تقدم .

( قوله : إذا لم تتعلق الزكاة بالعين ) أي بأن كان النصاب أو بعضه باقيا .

( قوله : وإلا قدمت مطلقا ) أي حجر عليه أم لا

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث