الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( والنية بالقلب ) إجماعا فلا يكفي نطق [ ص: 457 ] بها مع غفلة قلبه عنها ، وهذا جار في سائر الأبواب ، ولا يضره لو نطق بخلاف ما في القلب كأن نوى الظهر وسبق لسانه إلى العصر ( ويندب النطق ) بالمنوي ( قبيل التكبير ) ليساعد اللسان القلب ولأنه أبعد عن الوسواس وللخروج من خلاف من أوجبه ، وتبطل صلاته بتلفظه بالمشيئة فيها أو بنيتها إن قصد التعليق أو أطلق للمنافاة وبنية الخروج والتردد فيه ، بخلاف الصوم والحج والاعتكاف لأن الصلاة أضيق ، وبتعليقه بشيء وإن لم يحصل لما مر ، وفارق من نوى وهو في الأولى مبطلا في الثانية بأنه جازم والمعلق غير جازم والوسواس القهري لا أثر له ، ولو ظن أنه في صلاة أخرى فرض أو نفل فأتم عليه صحت صلاته ، ولا تبطل بشك جالس للتشهد الأول في ظهره فقام لثالثة ثم تذكره ، ولا بالقنوت في سنة الصبح بظن أنها الصبح وإن طال الزمن وأتى بركن فيما يظهر خلافا للقمولي ومن تبعه .

ولا بنية الصلاة ودفع الغريم أو حصول دينار فيما إذا قيل له صل ولك دينار ، بخلاف نية فرض ونفل لا يندرج فيه للتشريك بين عبادتين مقصودتين ، [ ص: 458 ] وبخلاف نية الطواف ودفع الغريم لأنه من جنس ما يدفع فيه عادة بخلاف الصلاة ، ولو قلب المصلي صلاته التي هو فيها صلاة أخرى عالما عامدا بطلت ، أو أتى بمنافي الفرض لا النفل كأن أحرم القادر بالفرض قاعدا ، أو أحرم به قبل وقته عامدا عالما لم تنعقد صلاته لتلاعبه ، فإن كان له عذر كظنه دخول الوقت فأحرم بالفرض أو قلبه نفلا لإدراك جماعة مشروعة وهو منفرد فسلم من ركعتين ليدركها أو ركع مسبوق قبل تمام التكبيرة جاهلا انقلبت نفلا لعذره ، إذ لا يلزم من بطلان الخصوص بطلان العموم ، ولو قلبها نفلا معينا كركعتي الضحى لم تصح لافتقاره إلى تعيين ، ولو لم تشرع في حقه الجماعة وكان في صلاة الظهر مثلا فوجد من يصلي العصر لم يجز له قطعها كما في المجموع ، ولو علم كونه أحرم قبل وقتها في أثنائها لم يتمها لتبين بطلانها ، وإنما وقعت له نفلا لقيام عذره كما لو صلى باجتهاد لغير القبلة ثم تبين له الحال ، فإن كان بعد فراغها وقعت له نفلا أو في أثنائها بطلت كما مر وامتنع عليه الاستمرار فيها ، ولو صلى لقصد ثواب الله تعالى أو الهرب من عقابه صحت صلاته كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى خلافا للفخر الرازي .

ويمكن حمل كلامه على من محض عبادته لذلك وحده ، ولكن يبقى النظر في بقاء إسلامه ، ومما يدل على أن هذا مراد المتكلمين أنه محط نظرهم لمنافاته لاستحقاقه تعالى العبادة من الخلق لذاته .

أما من لم يمحضها فلا شبهة في صحة عبادته كما قررناه ، [ ص: 459 ] إذ طمعه في ذلك وطلبه إياه لا ينافي صحتها .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وسبق لسانه إلى العصر ) وكذا لو تعمده ثم أعرض عنه وقصد ما نواه عند تكبيرة الإحرام ( قوله : وللخروج من خلاف من أوجبه ) أي هنا وفي سائر ما يعتبر فيه النية ( قوله : أو بنيتها إن قصد التعليق ) أي ولو مع التبرك ، بخلاف ما إذا قصد التبرك وحده والمتبادر أن هذا قيد في الثانية ، بخلاف التلفظ بالمشيئة فيها بأن وقع بعد التحرم لأنه كلام أجنبي ( قوله : والتردد فيه ) أي حيث طال التردد بأن تردد بعد قراءة الفاتحة مثلا وقبل الركوع ، أو مضى ركن في حالة تردده ( قوله : بخلاف الصوم ) أي فلا يبطل بنية الخروج ( قوله : وبتعليقه بشيء ظاهره ) ولو بمستحيل عقلا سم على بهجة ، ويوجه بأن التعليق من حيث هو مناف للنية ( قوله وإن لم يحصل ) كأن نوى أنه إن ناداه فلان أجابه ( قوله : لما مر ) أي من أن الصلاة أضيق ، أو من المنافاة وهذا أقرب ( قوله : وهو في الأولى ) أي الركعة الأولى ( قوله فرض أو نفل فأتم عليه ) دخل فيه ما لو كان في سنة الصبح فظنها الصبح مثلا ، وعكسه فيصح في كل منهما ويقع عما نواه باعتبار نفس الأمر ، ثم إن تذكره فذاك ، وإن لم يتذكره أعاد السنة ندبا والصبح وجوبا لأن الأصل بقاء كل منهما ، وخرج بالظن ما لو شك في أن ما نواه ظهر أو عصر مثلا فيضر حيث طال التردد أو مضى ركن ( قوله للتشهد الأول ) أي أهو الأول أو الثاني ( قوله في ظهره ) قضية هذا أنه لو تردد فيما نواه الظهر أو سنته ثم قام مع التردد لم يضر حيث تذكر ما نواه : يعني عن قرب . وقد يتوقف فيه بأنه حيث تردد فالواجب أن لا يقوم حتى يتذكر ، ثم إن تذكر عن قرب استمرت صلاته على الصحة وإلا بطلت ( قوله : ثم تذكره ) أي إنه التشهد الأول ( قوله : وأتى بركن فيما يظهر ) أي لأنه تطويل لركن قصير سهوا ( قوله : لا يندرج فيه ) كسنة الظهر مع فرضه .

أما ما يندرج كتحية المسجد فلا يضر التشريك بينه وبين الفرض ، وكتحية المسجد [ ص: 458 ] ما مر أنه مستثنى من اشتراط التعيين كركعتي الطواف إلخ ، فلا يضر التشريك في نيته بينها وبين صلاة الفرض ولا بينها وبين الراتبة أو نحوها ( قوله : وبخلاف نية الطواف ) أي فلا تنعقد ( قوله : صلاة أخرى عامدا ) يستثنى من ذلك ما لو أحرم بالفرض منفردا ثم رأى الجماعة تقام فإنه يسن له قلبها نفلا والسلام من ركعتين كما سيأتي ( قوله : فسلم من ركعتين ) ظاهره أنه لو قلبها إلى أقل من ركعتين أو أكثر قبل تلبثه بالثالثة لم يصح وهو كذلك ( قوله قبل تمام التكبيرة جاهلا ) أي ولو بين أظهر العلماء لأن هذا من دقائق العلم ( قوله إذ لا يلزم من بطلان الخصوص ) وهو الفرض ، وقوله بطلان العموم هو النفل ( قوله : ولو لم تشرع في حقه جماعة ) أي التي أراد فعلها مع الإمام كما يعلم من تمثيله ( قوله : فوجد من يصلي ) تصوير للمنفي ( قوله : كما لو صلى باجتهاد ) قد يفرق بينهما بأن تبين الخطأ في القبل يمنع صحة النفل وإن كان بعد الفراغ ا هـ سم على حج : أي بخلاف ما هنا سيما وقد قال الشارح : إذ لا يلزم من بطلان الخصوص إلخ ، ومراده بالخصوص كون الصلاة المنوية فرضا ، وبالعموم مطلق الصلاة ، وهو إذا أطلق الصلاة حملت على النفل ( قوله : ويمكن حمل كلامه ) أي الفخر ، وقوله على من محض عبادته قال سم على حج : قوله على من محض إلخ لعل الوجه أن يقال : إن أريد بالتمحيض المذكور أنه لم يفعله إلا لأجل ذلك بحيث إنه لولاه ما فعل مع اعتقاده استحقاق الله ذلك لذاته فالوجه صحة عبادته كما قد يصرح بذلك نصوص الترغيب والترهيب ، إذ غاية الأمر أنه تعمد الإخلال بحق الخدمة مع اعتقاده ثبوته ، ومجرد ذلك لا ينافي الصحة ولا الإيمان ، وإن أريد أنه لم يفعله إلا لأجل ذلك مع عدم اعتقاد الاستحقاق المذكور فالوجه عدم إيمانه وعدم صحة عبادته انتهى ( قوله : ولكن يبقى النظر إلخ ) قد يقال حيث اعتقد استحقاقه تعالى للعبادة فلا وجه إلى إسلامه ، لأن غاية الأمر ارتكاب المخالفة ، وهي مع اعتقاد حق الألوهية لا تقدح في الإسلام فليتأمل سم على حج ( قوله : على أن هذا ) أي من محض [ ص: 459 ] عبادته لذلك وحده .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث