الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح ) بعد إتيانه بالذكر الراتب كما ذكره البغوي ونقله عن النص ، وفي العدة نحوه خلافا لما في الإقليد .

ويمكن حمل الأول على المنفرد [ ص: 503 ] وإمام من مر والثاني على خلافه .

والأصل في ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم { أنه لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا } ولا يجزي القنوت قبل الركوع وإن صح أنه صلى الله عليه وسلم قنت قبله أيضا ، لأن رواة القنوت بعده أكثر وأحفظ فهو أولى ، وعليه درج الخلفاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم وأكثرها ، وشمل كلامه الأداء والقضاء ، وخالفت الصبح غيرها من حيث المعنى لشرفها ، ولأنه يؤذن لها قبل وقتها وبالتثويب وهي أقصر الفرائض فكانت الزيادة أليق { وهو اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره } كذا في المحرر وتتمته كما في الشرح { وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت } قال الرافعي : وزاد العلماء فيه : { ولا يعز من عاديت قبل تباركت وتعاليت } .

قال في الروضة وقد جاءت في رواية للبيهقي وبعده : { فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك } .

زاد في الروضة قال جمهور أصحابنا : لا بأس بهذه الزيادة ، وقال أبو حامد والبندنيجي وآخرون مستحبة [ ص: 504 ] وعبر عنه في تحقيقه بقوله وقيل ( والإمام ) يسن له في قنوته أن يأتي ( بلفظ الجمع ) لما روي عن البيهقي في إحدى روايتيه ، وحمل على الإمام وعلله المصنف في أذكاره بأنه يكره للإمام أن يخص نفسه بالدعاء لخبر { لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم } رواه أبو داود والترمذي وحسنه .

نعم يستثنى من ذلك ما ورد النص به لخبر { أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة : يقول : اللهم نقني اللهم اغسلني } الدعاء المعروف ، وثبت أن دعاءه صلى الله عليه وسلم في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد بلفظ الإفراد ، ولم يذكر الجمهور التفرقة بين الإمام وغيره إلا في القنوت ، فليكن الصحيح اختصاص التفرقة به دون غيره من أدعية الصلاة .

وقال ابن القيم في الهدي : إن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كلها بلفظ الإفراد انتهى ، فقول الغزالي يستحب للإمام أن يدعو في الجلوس بين السجدتين وفي السجود والركوع بصيغة الجمع كما يستحب في القنوت مردود ، وكأن الفرق بين القنوت وغيره أن الجميع مأمورون بالدعاء ، بخلاف القنوت فإن المأموم يؤمن فقط ، ولا تتعين هذه الكلمات للقنوت ، بخلاف التشهد لأنه فرض أو من جنسه ، فلو قنت بالمروي عنعمر كان حسنا لكن الأول أحسن ، ويسن لمنفرد وإمام من مر الجمع بينهما ويؤخره حينئذ عن الأول ، ولو قلت بآية نواه بها وتضمنت دعاء أو نحوه كآخر البقرة أجزأته عنه ، وإن لم تتضمن ذلك كتبت يدا ، أو لم يقصده بها لم يجزه لما مر من كراهة القرآن في الصلاة في غير القيام ، ويشترط في بدله أن يكون دعاء وثناء كما قاله البرهان البيجوري وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى .

وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول كما في المجموع عن البغوي وقضيته عدم البطلان بتطويله به وهو كذلك كما أفاده الشيخ ، ولا يقال : قياس امتناع تطويل الركن القصير عمدا [ ص: 505 ] بطلانها لأنه محمول على غير محل القنوت مما لم يرد الشرع بتطويله ، إذ البغوي نفسه القائل بكراهة الإطالة قائل بأن تطويل الركن القصير يبطل عمده ( والصحيح سن الصلاة ) والسلام كما في الأذكار ( على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره ) للأخبار الصحيحة في ذلك ، وتسن الصلاة على الآل والأصحاب أيضا قياسا على ما تقدم خلافا لمن نفى سنية ذلك ، وقد استشهد الإسنوي لسن الصلاة بالآية والزركشي لسن الآل بخبر { كيف نصلي عليك } ولا ينافي ذكر الصحب هنا إطباقهم على عدم ذكرها في صلاة التشهد ، لأن الفرق بينهما أنهم ثم اقتصروا على الوارد هنا ولم يقتصروا عليه ، بل زادوا ذكر الآل بحثا فقسنا بهم الأصحاب لما علمت ، وكأن الفرق أن مقابلة الآل بآل إبراهيم في أكثر الروايات ثم تقتضي عدم التعرض لغيرهم وهنا لا مقتضى لذلك ، والثاني لا تسن بل لا تجوز حتى تبطل الصلاة بفعلها على وجه لأنه نقل ركنا قوليا إلى غير موضعه ، واحترز بقوله في آخره عن عدم استحبابها فيما عداه وإن قال في العدة لا بأس بها أوله وآخره لورود أثر فيه وما ذكره العجلي في شرحه من استحباب الصلاة عليه لمن قرأ فيها آية متضمنة اسم محمد صلى الله عليه وسلم أفتى المصنف بخلافه .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : خلافا لما في الإقليد ) هو لابن الفركاح فإنه يقول لا يأتي بالذكر ( قوله : حمل الأول ) هو المنقول عن النص [ ص: 503 ] قوله : وإمام من مر ) أي من المحصورين الراضين بالتطويل ( قوله : والثاني ) هو ما في الإقليد ( قوله : ولا يجزي القنوت قبل الركوع ) أي فيقنت بعده ويسجد للسهو إن نوى بالأول القنوت ، وكذا لو قنت في الأولى بنيته أو ابتدأه فيها فقال : اللهم اهدني ثم تذكر عباب ا هـ سم على منهج .

وسيأتي ما يفيده عند قول المصنف في سجود السهو : ولو نقل ركنا قوليا إلخ ( قوله فهو أولى ) أي فالأخذ به أولى ( قوله : فإنك تقضي ) ليست الفاء فيما ذكره المحلي عن الشرح بل فيه ما يقتضي عدم ثبوتها فيه حيث قال فيما رواه عن النسائي في قنوت الوتر وهو ما تقدم : أي في قنوت الصبح مع زيادة فاء في إنك وواو في إنه ا هـ .

ثم رأيت في نسخ متعددة إنك بحذف الفاء وهي توافق ما ذكره المحلي ( قوله : ولا يعز ) هو بكسر العين ونظم ذلك السيوطي مع بقية معاني عز فقال :

عز المضاعف يأتي في مضارعه تثليث عين بفرق جاء مشهورا     فما كقل وضد الذل مع عظم
كذا كرمت علينا جاء مكسورا     وما كعز علينا الحال أي صعبت
فافتح مضارعه إن كنت نحريرا     وهذه الخمسة الأفعال لازمة
واضمم مضارع فعل ليس مقصورا     عززت زيدا بمعنى قد غلبت كذا
أعنته فكلا ذا جاء مأثورا     وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا
يعز يا رب من عاديت مكسورا

وقوله عززت بين به المتعدي الذي تضم عينه ( قوله : وبعده فلك الحمد ) هو شامل للخير والشر ، وعليه فقد يقال : كيف حمد على قضاء الشر وقد طلب رفعه فيما سبق بقوله وقني إلخ ؟ والجواب أن الذي طلب رفعه فيما مضى هو المقضي من المرض وغيره مما تكرهه النفس ، والمحمود عليه هنا هو القضاء الذي هو صفته تعالى وكلها جميلة يطلب الثناء عليها ( قوله : بهذه الزيادة ) هي قوله فلك الحمد إلخ ( قوله : وآخرون مستحبة ) قال حج : بل قال جمع إنها [ ص: 504 ] مستحبة لورودها في رواية البيهقي انتهى .

فساقها مساق الجزم واستدل عليها برواية البيهقي ( قوله : { فإن فعل فقد خانهم } ) أي بتفويته ما طلب لهم فكره له ذلك ، وعليه فلو فعل ذلك في القنوت فهل يطلب من المأمومين التأمين حينئذ أو القنوت ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول لأنه الوارد وإن قصر الإمام بتخصيصه ، ولا مانع من أن الله يثيب المؤمن بما يزيد على ما يصل إليه من دعاء الإمام ( قوله : فليكن الصحيح إلخ ) أي خلافا لحج وعبارته : والذي يتجه ويجمع به كلامهم والخبر أنه حيث اخترع دعوة كره له الإفراد وهذا هو محمل النهي ، وحيث أتى بمأثور اتبع لفظه ( قوله : اختصاص التفرقة به ) أي القنوت ( قوله : فلو قنت بالمروي عن عمر ) أي وهو اللهم إنا نستعينك إلخ ( قوله : إمام من مر الجمع بينهما ) أي في قنوت الصبح والوتر ( قوله : أو لم يقصده ) شامل لحالة الإطلاق ( قوله تكره إطالة القنوت ) التعبير بالإطالة دون قوله تكره الزيادة على القنوت ظاهر في أن المراد بالإطالة الزيادة التي يظهر بها طول في العرف لا مجرد الزيادة وإن قلت .

وعبارة الخطيب : كان الشيخ أبو حامد يقول في قنوت الصبح : اللهم لا تعقنا عن العلم بعائق ولا تمنعنا عنه بمانع انتهى .

وهو صريح فيما قلناه ، وقوله لا تعقنا بفتح التاء وضم العين [ ص: 505 ] من عاق بدليل قوله بعائق إذ لو كان من أعاق لقال بمعيق أو معوق ( قوله فقسنا بهم الأصحاب لما علمت ) لم يتقدم هنا ما يعلم منه سبب قياس الصحب على الآل ، ثم رأيت في حج ما نصه : ويسن أيضا السلام وذكر الآل ، ويظهر أن يقاس بهم الصحب لقولهم يستفاد سن الصلاة عليهم من سنها على الآل ، لأنها إذا سنت عليهم وفيهم من ليسوا أصحابه فعلى الصحابة أولى ثم رأيت شارحا صرح بذلك ( قوله : أفتى المصنف ) ظاهره اعتماد ما أفتى به ، وأنه لا فرق في عدم الاستحباب بين كون الصلاة عليه بالاسم الظاهر أو الضمير ، لكن حمله حج في شرح العباب بعد كلام ذكره على ما إذا كانت الصلاة بالاسم الظاهر دون ما لو كانت بالضمير ، وقوله بخلافه نقل سم على منهج عن الشارح طلبها .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث