الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فوائد مصرف الوقف إلى الجهة المعينة له

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الرابعة : لو تنازع ناظران في نصب إمامة نصب أحدهما زيدا والآخر عمرا إن لم يستقلا : لم تنعقد الولاية . لانتفاء شرطها . وإن استقلا وتعاقبا : انعقدت للأسبق . وإن اتحدا واستوى المنصوبان : قدم أحدهما بالقرعة [ ص: 60 ]

الخامسة : يشتمل على أحكام جمة من أحكام الناظر . إذا عزل الواقف من شرط النظر له : لم ينعزل ، إلا أن يشرط لنفسه ولاية العزل . قطع به الحارثي ، وصاحب الفروع . ولو مات هذا الناظر في حياة الواقف : لم يملك الواقف نصب ناظر بدون شرط . وانتقل الأمر إلى الحاكم . وإن مات بعد وفاة الواقف : فكذلك بلا نزاع . وإن شرط الواقف النظر لنفسه . ثم جعله لغيره ، أو فوضه إليه ، أو أسنده : فهل له عزله ؟ فيه وجهان . وأطلقهما في الفروع .

أحدهما : له عزله . قدمه في الرعاية الكبرى . فقال : وإن قال " وقفت كذا بشرط أن ينظر فيه زيد " أو " على أن ينظر فيه " أو قال عقبه " جعلته ناظرا فيه " أو جعل النظر له : صح ، ولم يملك عزله . وإن شرطه لنفسه . ثم جعله لزيد ، أو قال " جعلت نظري له " أو " فوضت إليه ما أملكه من النظر " أو " أسندته إليه " فله عزله . ويحتمل عدمه . انتهى . قال الحارثي : إذا كان الوقف على جهة لا تنحصر كالفقراء والمساكين أو على مسجد ، أو مدرسة ، أو قنطرة ، أو رباط ونحو ذلك . فالنظر للحاكم وجها واحدا . وللشافعية وجه : أنه للواقف . وبه قال : هلال الرأي من الحنفية . قال الحارثي : وهو الأقوى . فعليه : له نصب ناظر من جهته ، ويكون نائبا عنه . يملك عزله متى شاء . لأصالة ولايته . فكان منصوبه نائبا عنه كما في الملك المطلق . [ ص: 61 ] وله الوصية بالنظر لأصالة الولاية إذا قيل : بنظره له أن ينصب ويعزل أيضا كذلك . انتهى .

والوجه الثاني : ليس له عزله . وهو الاحتمال الذي في الرعاية . وللناظر بالأصالة أن يعزل وينصب أيضا بشرطه . والمراد بالناظر بالأصالة : والموقوف عليه ، أو الحاكم . قاله القاضي محب الدين ابن نصر الله . وأما الناظر المشروط : فليس له نصب ناظر . لأن نظره مستفاد بالشرط . ولم يشرط النصب له . وإن قيل : برواية توكيل الوكيل : كان له بالأولى . لتأكد ولايته من جهة انتفاء عزله بالعزل . وليس له الوصية بالنظر أيضا . نص عليه في رواية الأثرم . لأنه إنما ينظر بالشرط . ولم يشرط الإيصاء له ، خلافا للحنفية . ومن شرط لغيره النظر إن مات ، فعزل نفسه أو فسق ، فهو كموته . لأن تخصيصه للغالب . ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله . قال في الفروع : ويتوجه لا . وقال : ولو قال " النظر بعده له " فهل هو كذلك ، أو المراد بعد نظره ؟ يتوجه وجهان . انتهى . وللناظر التقرير في الوظائف . قال في الفروع : قاله الأصحاب في ناظر المسجد . قال الحارثي : المشروط له نظر المسجد : له نصب من يقوم بوظائفه من إمام ، ومؤذن ، وقيم ، وغيرهم كما أن لناظر الموقوف عليه نصب من يقوم بمصلحته . من جاب ونحوه .

[ ص: 62 ] وإن لم يشرط ناظر : لم يكن للواقف ولاية النصب . نص عليه في رواية ، وابن بختان . قال الحارثي : ويحتمل خلافه على ما تقدم . فعلى الأول : للإمام ولاية النصب . لأنه من المصالح العامة . وقال في الأحكام السلطانية : إن كان المسجد كبيرا كالجوامع ، وما عظم وكثر أهله فلا يؤم فيها إلا من ندبه السلطان . وإن كان من المساجد التي يبنيها أهل الشوارع والقبائل : فلا اعتراض عليهم . والإمامة فيها لمن اتفقوا عليه . وليس لهم بعد الرضى به عزله عن إمامته إلا أن يتغير . قال الحارثي : والأصح أن للإمام النصب أيضا ، لكن لا ينصب من لا يرضاه الجيران . وكذلك الناظر الخاص لا ينصب من لا يرضونه . وقال الحارثي أيضا : وهل لأهل المسجد نصب ناظر في مصالحه ووقفه ؟ ظاهر المذهب : ليس لهم ذلك كما في نصب الإمام والمؤذن . هذا إذا وجد نائب من جهة الإمام . فأما إذا لم يوجد كما في القرى الصغار أو الأماكن النائية أو وجد ، وكان غير مأمون ، أو يغلب عليه نصب من ليس مأمونا : فلا إشكال في أن لهم النصب ، تحصيلا للغرض ، ودفعا للمفسدة . وكذا ما عداه من الأوقاف . لأهل ذلك الوقف ، أو الجهة : نصب ناظر فيه كذلك . وإن تعذر النصب من جهة هؤلاء فلرئيس القرية أو المكان النظر والتصرف لأنه محل حاجة . ونص الإمام أحمد رحمه الله على مثله . انتهى .

قال في الفروع : وذكر في الأحكام السلطانية : أن الإمام يقرر في الجوامع الكبار ، كما تقدم . ولا يتوقف الاستحقاق على نصبه إلا بشرط . ولا نظر لغير الناظر معه . [ ص: 63 ] قال في الفروع : أطلقه الأصحاب . وقاله الشيخ تقي الدين رحمه الله . ويتوجه مع حضوره . فيقرر حاكم في وظيفة خلت في غيبته . لما فيه من القيام بلفظ الواقف في المباشرة ودوام نفعه . فالظاهر : أنه يريده . ولا حجة في تولية الأئمة مع البعد . لمنعهم غيرهم التولية . فنظيره : منع الواقف التولية لغيبة الناظر . ولو سبق تولية ناظر غائب قدمت . وللحاكم النظر العام . فيفترض عليه إن فعل ما لا يسوغ . وله ضم أمين مع تفريطه أو تهمته ، يحصل به المقصود . قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله وغيره . وقال أيضا : ومن ثبت فسقه ، أو أصر متصرفا بخلاف الشرط . الصحيح ، عالما بتحريمه : قدح فيه . فإما أن ينعزل ، أو يعزل ، أو يضم إليه أمين ، على الخلاف المشهور . ثم إن صار هو أو الوصي أهلا : عاد . كما لو صرح به ، وكالموصوف . وقال أيضا : متى فرط : سقط مما له بقدر ما فوته من الواجب . انتهى . وقال في التلخيص . لو عزل عن وظيفته للفسق مثلا ثم تاب ، وأظهر العدالة يتوجه أن يقال فيها ما قيل في مسألة الشهادة أو أولى . لأن تهمة الإنسان في حق نفسه ومصلحته أبلغ منها في حق الغير .

والظاهر : أن مراده بالخلاف المشهور : ما ذكره الأصحاب في الموصى إليه إذا فسق : ينعزل أو يضم أمين ، على ما يأتي . ويأتي بيان ذلك أيضا قريبا في الفائدة السابعة . وقال في الأحكام السلطانية : يستحق ماله إن كان معلوما . فإن قصر فترك بعض العمل لم يستحق ما قابله . وإن كان بجناية منه : استحقه . ولا يستحق الزيادة . [ ص: 64 ] وإن كان مجهولا فأجرة مثله . فإن كان مقدرا في الديوان وعمل به جماعة . فهو أجر المثل . وإن لم يسم له شيئا . فقال في الفروع : قياس المذهب : إن كان مشهورا بأخذ الجاري على عمله ، فله جاري مثله ، وإلا فلا شيء له . وله الأجر من وقت نظره فيه . قاله الأصحاب ، والشيخ تقي الدين . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : ومن أطلق النظر لحاكم : شمل أي حاكم كان ، سواء كان مذهبه مذهب حاكم البلد زمن الوقف أو لا ، وإلا لم يكن له نظر إذا انفرد ، وهو باطل اتفاقا . وقد أفتى الشيخ نصر الله الحنبلي ، والشيخ برهان الدين ولد صاحب الفروع في وقف شرط واقفه " أن النظر فيه لحاكم المسلمين كائنا من كان " بأن الحكام إذا تعددوا يكون النظر فيه للسلطان . يوليه من شاء من المتأهلين لذلك . ووافق على ذلك القاضي سراج الدين بن البلقيني ، وشهاب الدين الباعوني ، وابن الهائم ، والتفهني الحنفي ، والبساطي المالكي . وقال القاضي نجم الدين بن حجي نقلا ، وموافقة للمتأخرين إن كان صادرا من الواقف قبل حدوث القضاة الثلاثة ، فالمراد : الشافعي . وإلا فهو الشافعي أيضا على الراجح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث