الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فوائد احتاج الخان المسبل أو الدار الموقوفة لسكنى الحاج

جزء التالي صفحة
السابق

قوله ( ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه . فيباع ويصرف ثمنه في مثله . وكذلك الفرس الحبيس ، إذا لم يصلح للغزو : بيع واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد وكذلك المسجد إذا لم ينتفع به في موضعه [ ص: 101 ] وعنه : لا يباع المساجد . لكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر . ويجوز بيع بعض آلته وصرفها في عمارته ) . اعلم أن الوقف لا يخلو : إما أن تتعطل منافعه أو لا . فإن لم تتعطل منافعه : لم يجز بيعه ، ولا المناقلة به مطلقا . نص عليه في رواية علي بن سعيد . قال : لا يستبدل به ولا يبيعه ، إلا أن يكون بحال لا ينتفع به . ونقل أبو طالب : لا يغير عن حاله . ولا يباع ، إلا أن لا ينتفع منه بشيء . وعليه الأصحاب . وجوز الشيخ تقي الدين رحمه الله ذلك لمصلحة . وقال : هو قياس الهدي . وذكره وجها في المناقلة . وأومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله . ونقل صالح : يجوز نقل المسجد لمصلحة الناس . وهو من المفردات . واختاره صاحب الفائق . وحكم به نائبا عن القاضي جمال الدين المسلاتي . فعارضه القاضي جمال المرداوي صاحب الانتصار وقال : حكمه باطل على قواعد المذهب . وصنف في ذلك مصنفا رد فيه على الحاكم . سماه " الواضح الجلي في نقض حكم ابن قاضي الجبل الحنبلي " ووافقه صاحب الفروع على ذلك . وصنف صاحب الفائق مصنفا في جواز المناقلة للمصلحة . سماه " المناقلة بالأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف " وأجاد فيه . ووافقه على جوازها الشيخ برهان الدين بن القيم ، والشيخ عز الدين حمزة بن شيخ السلامية . وصنف فيه مصنفا سماه ( رفع المثاقلة في منع المناقلة ) . ووافقه أيضا جماعة في عصره . وكلهم تبع للشيخ تقي الدين رحمه الله في ذلك . وأطلق في القاعدة الثالثة والأربعين بعد المائة في جواز إبدال الوقف مع عمارته : روايتين . [ ص: 102 ] فائدة :

نص الإمام أحمد رحمه الله على جواز تجديد بناء المسجد لمصلحته . وعنه : يجوز برضى جيرانه . وعنه : يجوز شراء دور مكة لمصلحة عامة . قال في الفروع : فيتوجه هنا مثله . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : جوز جمهور العلماء تغيير صورته لمصلحة ، كجعل الدور حوانيت ، والحكورة المشهورة . فلا فرق بين بناء ببناء وعرصة بعرصة . هذا صريح لفظه . وقال أيضا فيمن وقف كروما على الفقراء يحصل على جيرانها به ضرر يعوض عنه بما لا ضرر فيه على الجيران . ويعود الأول ملكا ، والثاني وقفا . انتهى ويجوز نقص منارته ، وجعلها في حائطه . نص عليه . ونقل أبو داود وقد سئل عن مسجد فيه خشبتان ، لهما ثمن ، تشعث ، وخافوا سقوطه أيباعان وينفقان على المسجد ، ويبدل مكانهما جذعين؟ قال : ما أرى به بأسا . انتهى . وأما إذا تعطلت منافعه : فالصحيح من المذهب : أنه يباع والحالة هذه . وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به كثير منهم . وهو من مفردات المذهب وعنه : لا تباع المساجد . لكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر . اختاره أبو محمد الجوزي ، والحارثي ، وقال : هو ظاهر كلام ابن موسى . وعنه : لا تباع المساجد ولا غيرها . لكن تنقل آلتها . نقل جعفر فيمن جعل خانا للسبيل ، وبنى بجانبه مسجدا . فضاق المسجد أيزاد منه في المسجد ؟ قال : لا . قيل : فإنه إن ترك ليس ينزل فيه أحد ، قد عطل ؟ قال : يترك على ما صير له . واختار هذه الرواية الشريف ، وأبو الخطاب . قال في الفروع . [ ص: 103 ] قال الزركشي : وحكى في التلخيص عن أبي الخطاب : لا يجوز بيع الوقف مطلقا . وهو غريب ، لا يعرف في كتبه ، انتهى .

ذكره في التلخيص عنه في كتاب البيع . وحكاه عنه قبل صاحب التلخيص تلميذ أبي الخطاب ، وهو الحلواني في كتابه . قلت : وظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية ، في كتاب البيع : عدم الجواز . فإنه قال : ولا يجوز بيع الوقف ، إلا أن أصحابنا قالوا : إذا خرب ، أو كان فرسا فعطب : جاز بيعه وصرف ثمنه في مثله . انتهى . وكلامه في الهداية في كتاب الوقف : صريح بالصحة . واختار أيضا هذه الرواية ابن عقيل وصنف فيها جزءا . حكاه عنه ابن رجب في طبقاته واختار أيضا هذه الرواية وهي عدم البيع الشريف أبو جعفر ، وأبو الخطاب ، وابن عقيل .

تنبيه :

فعلى المذهب : المراد بتعطل منافعه : المنافع المقصودة ، بخراب أو غيره ، ولو بضيق المسجد عن أهله . نص عليه . أو بخراب محلته . نقله عبد الله . وهذا هو المذهب . وعليه أكثر الأصحاب . وقدمه في الفروع . ونقل جماعة : لا يباع إلا أن لا ينتفع منه بشيء أصلا ، بحيث لا يرد شيئا . قال المصنف في الكافي : كل وقف خرب ولم يرد شيئا بيع . وقال في المغني ومن تابعه : لا يباع إلا أن يقل ريعه ، فلا يعد نفعا . وقيل : أو يتعطل أكثر نفعه . نقله مهنا في فرس كبر وضعف ، أو ذهبت عينه . فقلت له : دار ، أو ضيعة ضعف أهلها أن يقوموا عليها ؟ قال : لا بأس ببيعها إذا كان أنفع لمن ينفق عليه منها . [ ص: 104 ] وقيل : أو خيف تعطل نفعه قريبا . جزم به في الرعاية . قلت : وهو قوي جدا إذا غلب على ظنه ذلك . وقيل : أو خيف تعطل أكثر نفعه قريبا . سأله الميموني : يباع إذا عطب أو فسد ؟ قال : إي والله ، يباع . إذا كان يخاف عليه التلف والفساد والنقص ، باعوه وردوه في مثله . وسأله الشالنجي : إن أخذ من الوقف شيئا . فعتق في يده وتغير عن حاله ؟ قال : يحول إلى مثله . وكذا قال في التلخيص ، والترغيب ، والبلغة : لو أشرف على كسر أو هدم ، وعلم أنه إن أخر لم ينتفع به : بيع . قلت : وهذا مما لا شك فيه . قال في الفروع : وقولهم ( بيع ) أي يجوز بيعه . نقله جماعة . وذكره جماعة . قال في الفروع : ويتوجه إنما قالوه : الاستثناء مما لا يجوز بيعه ، وإنما يجب . لأن الولي يلزمه فعل المصلحة . وهو ظاهر رواية الميموني وغيرها . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : يجب بيعه بمثله مع الحاجة ، وبلا حاجة يجوز بخير منه . لظهور المصلحة . ولا يجوز بمثله . لفوات التعيين بلا حاجة . قال في الفائق : وبيعه حالة تعطله أمر جائز عند البعض . وظاهر كلامه في المغني : وجوبه . وكذلك إطلاق كلام الإمام أحمد رحمه الله . وذكره في التلخيص رعاية للأصلح انتهى . فوائد

الأولى : قال المصنف ، ومن تابعه : لو أمكن بيع بعضه ليعمر به بقيته : بيع ، وإلا بيع جميعه . قال في الفروع : ولم أجد ما قاله لأحد قبله . [ ص: 105 ] قال : والمراد مع اتحاد الواقف ، كالجهة . ثم إن أراد عينين كدارين فظاهر . وكذا إن أراد عينا واحدة ، ولم تنتقص القيمة بالتشقيص . فإن نقصت توجه البيع في قياس المذهب كبيع وصي لدين ، أو حاجة صغير ، بل هذا أسهل . لجواز تغيير صفاته لمصلحة ، وبيعه على قول . انتهى . وقول صاحب الفروع ( والمراد مع اتحاد الوقف ) ظاهر في أنه لا يجوز عمارة وقف من ريع وقف آخر ، ولو اتحدتا الجهة . وقد أفتى الشيخ عبادة من أئمة أصحابنا بجواز عمارة وقف من وقف آخر على جهته وذكره ابن رجب في طبقاته في ترجمته . قلت : وهو قوي ، بل عمل الناس عليه . لكن قال شيخنا في حواشي الفروع : إن كلامه في الفروع أظهر . وقال الحارثي : وما عدا المسجد من الأوقاف : يباع بعضه لإصلاح ما بقي . وقال : يجوز اختصار الآنية إلى أصغر منها إذا تعطلت ، وإنفاق الفضل على الإصلاح . وإن تعذر الاختصار احتمل جعلها نوعا آخر مما هو أقرب إلى الأول ، واحتمل أن يباع ، ويصرف في آنية مثلها . وهو الأقرب . انتهى . قلت : وهو الصواب .

الثانية : حيث جوزنا بيع الوقف ، فمن يلي بيعه ؟ لا يخلو : إما أن يكون الوقف على سبل الخيرات كالمساجد ، والقناطر ، والمدارس ، والفقراء والمساكين ونحو ذلك ، أو غير ذلك . فإن كان على سبل الخيرات ونحوها . فالصحيح من المذهب : أن الذي يلي البيع الحاكم . وعليه أكثر الأصحاب . وقطعوا به . منهم : صاحب الرعاية في كتاب الوقف ، والحارثي ، والزركشي في كتاب الجهاد . وقال : نص عليه . [ ص: 106 ] وقيل : يليه الناظر الخاص ، عليه إن كان . جزم به في الرعاية الكبرى في كتاب البيع . قلت : وهو الصواب . وإن كان على غير ذلك ، فهل يليه الناظر الخاص ، أو الموقوف عليه ، أو الحاكم ؟ على ثلاثة أقوال .

أحدها : يليه الناظر الخاص . وهو الصحيح . قال الزركشي : إذا تعطل الوقف . فإن الناظر فيه يبيعه ويشتري بثمنه ما فيه منفعة ترد على أهل الوقف . نص عليه . وعليه الأصحاب . قال في الفائق : ويتولى البيع ناظره الخاص . وحكاه غير واحد . وجزم به في التلخيص ، والمحرر ، فقال : يبيعه الناظر فيه . قال في التلخيص : ويكون البائع الإمام أو نائبه . نص عليه . وكذلك المشتري بثمنه . وهذا إذا لم يكن للوقف ناظر . انتهى . وقدمه في النظم . فقال : وناظره شرعا يلي عقد بيعه وقيل : إن يعين مالك النفع يعقد وقدمه في الرعاية الكبرى ، فقال : فلناظره الخاص بيعه . ومع عدمه يفعل ذلك الموقوف عليه . قلت : إن قلنا يملكه ، وإلا فلا . وقيل : بل يفعله مطلقا الإمام أو نائبه . كالوقف على سبل الخيرات . انتهى . وقدمه الحارثي ، وقال : حكاه غير واحد .

القول الثاني : يليه الموقوف عليه . وهو ظاهر ما جزم به في الهداية . فقال : فإن تعطلت منفعته . فالموقوف عليه بالخيار بين النفقة عليه ، وبين بيعه وصرف ثمنه في مثله . وكذا قال ابن عقيل في الفصول ، وابن البنا في عقوده ، وابن الجوزي في [ ص: 107 ] المذهب ، ومسبوك الذهب ، والسامري في المستوعب ، وأبو المعالي بن منجا في الخلاصة ، وابن أبي المجد في مصنفه . وقدمه في الرعاية الصغرى ، فقال : وما بطل نفعه فلمن وقف عليه بيعه . قلت : إن ملكه . وقيل : بل لناظره بيعه بشرطه . انتهى . وقدمه في الحاوي الصغير .

والقول الثالث : يليه الحاكم . جزم به الحلواني في التبصرة فقال : وإذا خرب الوقف ، ولم يرد شيئا ، أو خرب المسجد وما حوله ، ولم ينتفع به : فللإمام بيعه وصرف ثمنه في مثله . انتهى . وقدم هذا في الفروع . ونصره شيخنا في حواشي الفروع . وقواه بأدلة وأقيسة . وعمل الناس عليه . واختاره الحارثي . وهذا مما خالف المصطلح المتقدم . فعلى الصحيح من المذهب : لو عدم الناظر الخاص ، فقيل : يليه الحاكم . جزم به في التلخيص ، والحارثي . وقدمه في الرعاية الكبرى في كتاب العدد وذكره نص الإمام أحمد رحمه الله وصاحب الفروع . وهذا الصحيح من المذهب . وقيل : يليه الموقوف عليه مطلقا . قدمه في الرعاية الكبرى أيضا في كتاب الوقف . وهو ظاهر ما قطع به الزركشي . وحكاه عن الأصحاب . وكذا ما حكيناه عنهم . وأطلقهما في الفائق . وقيل : يليه الموقوف عليه إن قلنا : يملكه وإلا فلا . اختاره في الرعايتين . وجزم به في الفائق . قلت : ولعله مراد من أطلق . [ ص: 108 ] تنبيه :

تلخص لنا مما تقدم فيمن يلي البيع طرق . لأن الوقف لا يخلو : إما أن يكون على سبل الخيرات أو لا . فإن كان على سبل الخيرات ونحوه : فللأصحاب فيه طريقان .

أحدهما : يليه الحاكم قولا واحدا . وهو قول أكثر الأصحاب . منهم صاحب الرعاية الكبرى في كتاب الوقف .

والطريق الثاني : يليه الناظر إن كان ، ثم الحاكم . وهي طريقته في الرعاية الكبرى في كتاب البيع . وهو الصواب . وإن لم يكن الوقف على سبل الخيرات ففيه طرق للأصحاب .

أحدها : يليه الناظر . قولا واحدا . وهي طريقة المجد في محرره ، والزركشي . وعزاه إلى نص الإمام أحمد ، واختيار الأصحاب .

والطريق الثاني : يليه الموقوف عليه . قولا واحدا . وهو ظاهر ما قطع به في الهداية ، والفصول ، وعقود ابن البنا ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، ومصنف ابن أبي المجد . كما تقدم .

الطريق الثالث : يليه الحاكم . قولا واحدا . وهي طريقة الحلواني في التبصرة .

الطريق الرابع : يليه الناظر الخاص ، إن كان . فإن لم يكن . فيليه الحاكم قولا واحدا . وهي طريقة صاحب التلخيص .

الطريق الخامس : هل يليه الناظر الخاص وهو المقدم أو الموقوف عليه ؟ فيه وجهان . وهي طريقة الناظم .

الطريق السادس : طريقة صاحب الرعاية الصغرى . وهي : هل يليه الموقوف عليه وهو المقدم أو إن قلنا : يملكه واختاره أو الناظر ؟ على ثلاثة أقوال . هي : [ ص: 109 ]

الطريق السابع : هل يليه الموقوف عليه وهو المقدم أو الناظر ؟ فيه وجهان . وهي طريقته في الحاوي الصغير .

الطريق الثامن : طريقته في الرعاية الكبرى . وهي : هل يليه الناظر الخاص ، إن كان هو المقدم ، أو الحاكم ؟ حكاه في كتاب الوقف . فيه قولان . وإن لم يكن له ناظر خاص ، فهل يليه الحاكم . وهو المقدم في كتاب البيع ؟ وذكره نص الإمام أحمد رحمه الله ، أو الموقوف عليه ؟ وهو المقدم في كتاب الوقف . وإن قلنا : يملكه ، واختاره ؟ على ثلاثة أقوال .

الطريق التاسع : هل يليه الحاكم مطلقا وهو المقدم أو الموقوف عليه ؟ على وجهين . وهي طريقة صاحب الفروع .

الطريق العاشر : يليه الناظر الخاص ، إن كان . فإن لم يكن . فهل يليه الحاكم ، أو الموقوف عليه ، إن قلنا : يملكه ؟ على وجهين مطلقين . وهي طريقة صاحب الفائق . فهذه اثنتا عشرة طريقة . ثنتان فيما هو على سبل الخيرات ونحوه . وعشرة في غيره . الفائدة الثالثة : إذا بيع الوقف واشتري بدله . فهل يصير وقفا بمجرد الشراء ، أم لا بد من تجديد وقفية ؟ فيه وجهان . ذكرهما ابن رجب في قواعده عن بعضهم ، فيما إذا أتلف الوقف متلف وأخذت قيمته . فاشتري بها بدله . وأطلقهما .

أحدهما : يصير وقفا بمجرد الشراء . قال الحارثي عند قول المصنف في وطء الأمة الموقوفة " إذا أولدها ، فعليه . القيمة يشترى بها مثلها : يكون وقفا " ظاهره : أن البدل يصير وقفا بنفس الشراء . انتهى . [ ص: 110 ] قلت : وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب هنا . لاقتصارهم على بيعه وشراء بدله . وصرح به في التلخيص ، فقال في كتاب البيع : ويصرف ثمنه في مثله . ويصير وقفا كالأول . وصرح به أيضا في الرعاية في موضعين ، فقال : فلناظره الخاص بيعه وصرف ثمنه في مثله ، أو بعض مثله . ويكون ما اشتراه وقفا كالأول . وقال في أثناء الوقف فإن وطئ فلا حد ، ولا مهر . ثم قال : وفي أم ولده تعتق بموته . وتؤخذ قيمتها من تركته . يصرف في مثله . يكون بالشراء وقفا مكانها . وهذا صريح بلا شك . وقال الحلواني في كفاية المبتدئ : وإذا تخرب الوقف ، وانعدمت منفعته : بيع واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف . كان وقفا كالأول . وقال في المبهج : ويشترى بثمنه ما يكون وقفا . قال شيخنا الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي في حواشيه على المحرر الذي يظهر : أنه متى وقع الشراء لجهة الوقف على الوجه الشرعي ، ولزم العقد : أنه يصير وقفا . لأنه كالوكيل في الشراء ، والوكيل يقع شراؤه للموكل . فكذا هذا يقع شراؤه للجهة المشترى لها . ولا يكون ذلك إلا وقفا . انتهى . وهو الصواب .

والوجه الثاني : لا بد من تجديد الوقفية . وهو ظاهر كلام الخرقي . فإنه قال : وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا : بيع واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف وجعل وقفا كالأول . وهو ظاهر كلامه في المجرد أيضا ، فإنه قال : بيعت وصرف ثمنها إلى شراء دار . وتجعل وقفا مكانها . قال الحارثي : وبه أقول . لأن الشراء لا يصلح سببا لإفادة الوقف . فلا بد للوقف من سبب يفيده . انتهى . [ ص: 111 ] وأما الزركشي ، فإنه قال : ومقتضى كلام الخرقي : أنه لا يصير وقفا بمجرد الشراء . بل لا بد من إيقاف الناظر له . ولم أر المسألة مصرحا بها . وقيل : إن فيها وجهين . انتهى . الفائدة الرابعة : اقتصر المصنف ، والشارح ، والزركشي ، وجماعة ، على ظاهر كلام الخرقي : أنه لا يشترط أن يشتري من جنس الوقف الذي بيع ، بل أي شيء اشترى بثمنه مما يرد على أهل الوقف : جاز . والذي قدمه في الفروع : أنه يصرفه في مثله ، أو بعض مثله . فقال : ويصرفه في مثله ، أو بعض مثله . قاله الإمام أحمد رحمه الله . وقاله في التلخيص وغيره ، كجهته . وقدمه الحارثي ، وقال : هو المذهب . كما قال في الكتاب ، ومن غداه من الأصحاب . ونقل أبو داود في الحبيس : يشترى مثله ، أو ينفق ثمنه على الدواب الحبيس .

الخامسة : إذا بيع المسجد واشتري به مكانا يجعل مسجدا . فالحكم للمسجد الثاني . ويبطل حكم الأول .

السادسة : لا يجوز نقل المسجد مع إمكان عمارته دون العمارة الأولى . قاله في الفنون . وقال : أفتى جماعة بخلافه ، وغلطهم .

السابعة : يجوز رفع المسجد إذا أراد أكثر أهله ذلك ، وجعل تحت أسفله سقاية وحوانيت . في ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله . وأخذ به القاضي . قال الزركشي في كتاب الجهاد وقيل : لا يجوز . وأطلق وجهين في الفروع . وقال في الرعاية الكبرى : فإن أراد أهل مسجد رفعه عن الأرض ، وجعل سفله سقاية وحوانيت : روعي أكثرهم . نص عليه . وقيل : هذا في مسجد أراد أهله إنشاءه كذلك . وهو أولى . انتهى . [ ص: 112 ] واختار هذا ابن حامد . وأول كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه . وصححه المصنف ، والشارح . ورد هذا التأويل بعض محققي الأصحاب من وجوه كثيرة . وهو كما قال . قوله ( وما فضل من حصره وزيته عن حاجته : جاز صرفه إلى مسجد آخر ، والصدقة به على فقراء المسلمين ) . هذا المذهب . نص عليه . وجزم به في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والوجيز ، وغيرهم . وقدمه في الفروع . وغيره . وعنه : يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به . واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله . وقال أيضا : يجوز صرفه في سائر المصالح ، وبناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته . قال : وإن علم أن ريعه يفضل عنه دائما : وجب صرفه . ولا يجوز لغير الناظر صرف الفاضل . انتهى . وقال في الفائق : وما فضل من حصر المسجد أو زيته : ساغ صرفه إلى مسجد آخر ، والصدقة به على جيرانه . نص عليه . وعنه : على الفقراء . وحكى القاضي في صرفه ومنعه روايتين . وكذا الفاضل من جميع ريعه ويصرف في مسجد آخر . ذكره القاضي في المجرد . قال القاضي أبو الحسين : وهو أصح .

فائدة :

قال الحارثي : فضلة غلة الموقوف على معين : يتعين إرصادها . ذكره القاضي أبو الحسين . [ ص: 113 ] قال الحارثي : وإنما يتأتى فيما إذا كان الصرف مقدرا . وهو واضح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث