الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في وقف المرتد والكافر

جزء التالي صفحة
السابق

( والملك يزول ) عن الموقوف بأربعة بإفراز مسجد كما سيجيء و ( بقضاء القاضي ) لأنه مجتهد فيه ، وصورته : أن يسلمه إلى المتولي [ ص: 344 ] ثم يظهر الرجوع معين المفتي معزيا للفتح ( المولى من قبل السلطان ) لا المحكم وسيجيء أن البينة تقبل بلا دعوى ، ثم هل القضاء بالوقف قضاء على الكافة ، فلا تسمع فيه دعوى ملك آخر ، ووقف آخر أم لا فتسمع أفتى أبو السعود مفتي الروم بالأول وبه جزم في المنظومة المحبية ورجحه المصنف صونا عن الحيل لإبطاله ، لكنه نقل بعده عن البحر أن المعتمد الثاني وصححه في الفواكه البدرية وبه أفتى المصنف .

التالي السابق


( قوله : والملك يزول ) أي ملك الواقف فيصير الوقف لازما للإنفاق على التلازم بين اللزوم والخروج عن ملكه كما قدمناه عن الفتح ( قوله : بأربعة ) هذا على قول الإمام ، لكن فيه أنه بالثاني والثالث لا يزول الملك فيه عند الإمام ، حتى كان له الرجوع عنه ما دام حيا كما سينبه عليه الشارح ( قوله بإفراز مسجد ) عبر بالإفراز لأنه لو كان مشاعا لا يصح إجماعا ، وأفاد أنه يلزم بلا قضاء ( قوله : وبقضاء القاضي ) أي قضائه بلزومه كما في الفتح وعبر في موضع آخر قبله بقوله أي بخروجه عن ملكه وكل صحيح لما قدمناه عنه آنفا من التلازم بين الخروج واللزوم .

[ تنبيه ] : قال العلامة ابن الغرس في الفواكه البدرية قالوا : القضاء بصحة الوقف لا يكون قضاء بلزومه . وتوجيهه أن الوقف جائز غير لازم عند الإمام لازم عندهما فإذا قضى القاضي بصحته احتمل أن يكون قضى بذلك على مذهبه ، ولا معنى للجواز هاهنا إلا الصحة ، ولا يلزمها اللزوم فيحتاج في لزوم الوقف إلى التصريح بذلك ، وفيه نظر وجهه أن الإمام لم يقل بكون الوقف جائزا غير لازم مطلقا بل هو عنده لازم إذا علقه الواقف بالموت أو قضى به القاضي ، ولا شك أن القضاء بصحة الوقف قضاء بالوقف ، فيكون القضاء بصحته مقتضيا للزومه ، فلا يحتاج إلى التصريح باللزوم في القضاء به فليتأمل ا هـ كلام ابن الغرس .

وحاصله : أن القضاء بصحته كالقضاء بلزومه أو بخروجه عن ملكه وفيه نظر ; لأنهم اتفقوا على صحة الوقف بمجرد القول ، وإنما الخلاف في اللزوم فالإمام لا يقول به ، وقد تقرر أن كل مجتهد فيه إذا حكم به حاكم يراه نفذ حكمه وصار مجمعا عليه ، فليس لحاكم غيره نقضه والوقف من هذا القبيل ، فإذا حكم بلزومه حاكم يراه لزم اتفاقا وارتفع الخلاف ، أما لو حكم بأصل الصحة فلا لأنها ليست محل الخلاف ، ولا نسلم أنها تستلزم اللزوم وإلا لم يكن خلاف فيه مع أنه ثابت فقولهم يلزم عند الإمام بالقضاء معناه بالقضاء بلزومه أو بخروجه عن ملكه كما مر ، أما لو حكم بالصحة بأن وقع النزاع فيها فقط بأن ادعى عبده تعليق عتقه على وقفه أرضه فأنكر المولى صحة الوقف لكونه علقه بشرط مثلا فأثبت العبد أنه علقه بكائن فحكم الحاكم بصحته فهو صحيح ، ولا يستلزم اللزوم لأنه ليس محل النزاع هذا ما يظهر للفكر الفاتر فتدبره ( قوله : لأنه مجتهد فيه ) أي إنه يسوغ فيه الاجتهاد ، والاختلاف بين الأئمة فيكون الحكم فيه رافعا للخلاف كما قلنا ، وهذا تعليل لزوال الملك ولزومه عند الإمام القائل بعدم ذلك فافهم ( قوله : وصورته ) أي صورة قضاء القاضي بلزومه .

( قوله : أن يسلمه ) أي يسلم الواقف [ ص: 344 ] وقفه بعد أن نصب له متوليا ( قوله : ثم يظهر الرجوع ) أي يدعي عند القاضي أنه رجع عن وقفه ، ويطلب رده إليه لعدم لزومه ويمتنع المتولي من رده إليه فيحكم القاضي بلزومه ، فيلزم عند الإمام أيضا لارتفاع الخلاف بالقضاء ( قوله : لا المحكم ) فإن الصحيح أن بحكمه لا يرتفع الخلاف ، وللقاضي أن يبطله بحر عن الخانية ، ومثله في الإسعاف خلافا لما صححه في الجوهرة .

[ تنبيه ] : قال في الإسعاف : ولو كان الواقف مجتهدا يرى لزوم الوقف فأمضى رأيه فيه وعزم على زوال ملكه عنه أو مقلدا فسأل فأفتى بالجواز فقبله وعزم على ذلك لزم الوقف ، ولا يصح الرجوع فيه وإن تبدل رأي المجتهد و أفتى المقلد بعدم اللزوم بعد ذلك ا هـ فهذا مما يزاد على ما يلزم به الوقف لكن قال في النهر بعد نقله له الظاهر ضعفه ا هـ أي لمخالفته لقول المتون يزول بقضاء القاضي ، وأيضا فإن العبرة لرأي الحاكم فإذا رفع إليه حكم يحكم فيه برأيه لا برأي الخصم والظاهر أن ما في الإسعاف صحيح بالنسبة إلى الديانة لأن المجتهد إذا تغير رأيه لا ينقض ما أمضاه أولا وكذا المقلد في حادثة ليس له الرجوع فيها بتقليده مجتهدا آخر ، وأما لو رفعت حادثة ذلك المجتهد أو المقلد إلى حاكم آخر فإنه يحكم برأي نفسه كما قلنا ، ولذا قال ولا يصح الرجوع فيه ولم يقل ولا يصح الحكم بخلاف فاغتنم هذا التحرير ( قوله : وسيجيء ) أي في أول الفصل الآتي ( قوله : أن البينة تقبل بلا دعوى ) أي في الوقف لأن حكمه هو التصدق بالغلة وهو حق الله تعالى ، وفي حقوق الله تعالى يصح القضاء بالشهادة من غير دعوى بحر عن المحيط ، وأشار بهذا إلى أن ما مر من تصويره بالدعوى غير لازم لكن قال الخير الرملي : والكلام في الحكم الرافع للخلاف لا الحكم بثبوت أصله فإنه غير محتاج إلى الدعوى عند البعض ، وأما الحكم باللزوم عند دعوى عدمه فلا يرفع الخلاف إلا بعد تمام الدعوى فيه ليصير في حادثة إذ المتنازع فيه حينئذ اللزوم وعدمه فيرفع الخلاف ا هـ .

( قوله : قضاء على الكافة إلخ ) أي لا على المقضي عليه فقط كما في دعوى الملك ، فإنه لو ادعى على ذي اليد أن هذا ملكه وحكم به القاضي تسمع دعوى رجل آخر على المدعي بأنه ملكه بخلاف ما إذا حكم لإنسان بالحرية ولو عارضة ، أو بنكاح امرأة أو بنسب أو بولاء عتاقة فإنه لا يسمع دعوى آخر عليه فإنه في هذه الأربعة قضاء على كافة الناس كما أفاده في البحر وسيجيء في باب الاستحقاق ( قوله : ورجحه المصنف ) حيث قال : وينبغي أنه يفتى به ويعول عليه لما فيه من صون الوقف عن التعرض إليه بالحيل والتلابيس والدعاوى المفتعلة قصدا لإبطاله ; ولما فيه من النفع للوقف ، وقد صرح صاحب الحاوي القدسي بأنه يفتي بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه حتى نقضت الإجارة عند الزيادة الفاحشة نظرا للوقف وصيانة لحق الله تعالى وإبقاء للخيرات . ا هـ . ط ( قوله : أن المعتمد الثاني ) قال شيخنا حفظه الله تعالى ينبغي الإفتاء بهذا إن عرف الواقف بالحيل ; لأنه قد يقف عقار غيره ، ويقضي القاضي بلزومه لدفع دعوى مالكه وإلا فيفتي بالأول ا هـ وهو حسن وفيه جمع بين القولين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث