الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في وقف المرتد والكافر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 348 ] ( ولا يتم ) الوقف ( حتى يقبض ) لم يقل للمتولي لأن تسليم كل شيء بما يليق به ففي المسجد بالإفراز وفي غيره بنصب المتولي وبتسليمه إياه ابن كمال ( ويفرز ) فلا يجوز وقف مشاع يقسم خلافا للثاني ( ويجعل آخره لجهة ) قربة ( لا تنقطع ) هذا بيان شرائطه الخاصة على قول محمد ، [ ص: 349 ] لأنه كالصدقة ، وجعله أبو يوسف كالإعتاق [ ص: 350 - 351 ] واختلف الترجيح ، والأخذ بقول الثاني أحوط وأسهل بحر وفي الدرر وصدر الشريعة وبه يفتى وأقره المصنف .

[ ص: 348 ]

التالي السابق


[ ص: 348 ] مطلب شروط الوقف على قولهما ( قوله : ولا يتم الوقف إلخ ) شروع في شروطه على القول بلزومه كما أشار إليه الشارح بعد ( قوله : لأن تسليم إلخ ) وليشمل تسليمه إلى الموقوف عليهم كما في العزمية عن الخانية ( قوله : ففي المسجد بالإفراز ) أي والصلاة فيه وسيأتي وفي المقبرة بدفن واحد فصاعدا بإذنه وفي السقاية بشرب واحد ، وفي الخان بنزول واحد من المارة ، لكن السقاية التي تحتاج إلى صب الماء فيها ، والخان الذي ينزله الحاج بمكة والغزاة بالثغر لا بد فيها من التسليم إلى المتولي ; لأن نزولهم يكون في السنة مرة ، فيحتاج إلى من يقوم بمصالحه وإلى من يصب الماء فيها إسعاف ( قوله : وفي غيره ) أي غير المسجد ونحوه مما ذكرناه .

وفي القهستاني : أن التسليم ليس بشرط إذا جعل الواقف نفسه قيما ، ولا يعتبر التسليم للمشرف ; لأنه حافظ لا غير ا هـ لكن فيه أن من شرط التسليم وهو محمد لم يصحح تولية الواقف نفسه ومن صححها وهو أبو يوسف لم يشترطه تأمل ( قوله : ويفرز ) أي بالقسمة وهذا الشرط وإن كان مفرعا على اشتراط القبض ; لأن القسمة من تمامه إلا أنه نص عليه إيضاحا وأبو يوسف لما لم يشترط التسليم أجاز وقف المشاع ، والخلاف فيما يقبل القسمة ، أما ما لا يقبلها كالحمام والبئر والرحى فيجوز اتفاقا إلا في المسجد والمقبرة لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله تعالى نهر وفتح ( قوله : فلا يجوز وقف مشاع يقسم إلخ ) شمل ما لو استحق جزء من الأرض شائع فيبطل في الباقي ; لأن الشيوع مقارن كما في الهبة بخلاف ما لو رجع الوارث في الثلثين بعد موت الواقف في مرضه وفي المال ضيق ; لأنه شيوع طارئ ، ولو استحق جزء معين لم يبطل في الباقي لعدم الشيوع بحر عن الهداية ، ولو بينهما أرض وقفاها ودفعاها معا إلى قيم واحد جاز اتفاقا لأن المانع من الجواز عند محمد هو الشيوع وقت القبض لا وقت العقد ، ولم يوجد هاهنا لوجودهما معا منهما ، وكذا لو وقف كل منهما نصيبه على جهة وسلماه معا لقيم واحد لعدم الشيوع وقت القبض .

وكذا لو اختلفا في وقفيهما جهة وقيما واتحد زمان تسلمهما مالهما أو قال كل منهما لقيمه اقبض نصيبي مع نصيب صاحبي لأنهما صارا كمتول واحد ، بخلاف ما لو وقف كل واحد وحده وسلم لقيمه وحده ، فلا يصح عند محمد لوجود الشيوع وقت العقد وتمكنه وقت القبض إسعاف وفيه أيضا وقفت دارها على بناتها الثلاث ثم على الفقراء ولا مال لها غيره ولا وارث غيرهن فالثلث وقف والثلثان ميراث لهن وهذا عند أبي يوسف خلافا لمحمد ا هـ أي لأنه مشاع حيث لم تقسمه بينهن . مطلب في الكلام على اشتراط التأبيد

( قوله : ويجعل آخره لجهة قربة لا تنقطع ) يعني لا بد أن ينص على التأبيد عند محمد خلافا لأبي يوسف . ا هـ . ح ويأتي بيانه وهذا في غير المسجد إذ لا مخالفة لمحمد في لزومه بل هو موافق للإمام فيه ، وتمامه في الشرنبلالية ( قوله : هذا بيان ) أي ما ذكره المصنف تبعا للكنز وغيره من قوله ولا يتم حتى وأشار إلى ما في النهر حيث قال فإن [ ص: 349 ] قلت : هذا مناف لقوله أولا والملك يزول بالقضاء إذ مفاده أنه لا يزول بغيره ولو توفرت هذه الشروط .

قلت : الأولى أن يحمل ما قاله أولا على مسألة إجماعية هي أن الملك بالقضاء يزول ، أما إذا خلا عن القضاء فلا يزول إلا بعد هذه الشروط عند محمد واختاره المصنف تبعا لعامة المشايخ وعليه الفتوى وكثير من المشايخ أخذوا بقول أبي يوسف وقالوا : إن عليه الفتوى ولم يرجح أحد قول الإمام وبهذا التقرير اندفع ما في البحر كيف مشى أولا على قول الإمام وثانيا على قول غيره وهذا مما لا ينبغي يعني في المتون الموضوعة للتعليم ا هـ ( قوله : لأنه كالصدقة ) أي فلا بد من القبض والإفراز . ا هـ . ح ( قوله : وجعله أبو يوسف كالإعتاق ) فلذلك لم يشترط القبض والإفراز . ا هـ . ح : أي فيلزم عنده بمجرد القول كالإعتاق بجامع إسقاط الملك ، قال في الدرر : والصحيح أن التأبيد شرط اتفاقا لكن ذكره ليس بشرط عند أبي يوسف وعند محمد لا بد أن ينص عليه ا هـ وصححه في الهداية أيضا . وقال في الإسعاف : لو قال وقفت أرضي هذه على ولد زيد وذكر جماعة بأعيانهم لم يصح عند أبي يوسف أيضا لأن تعيين الموقوف عليه يمنع إرادة غيره بخلاف ما إذا لم يعين لجعله إياه على الفقراء ، ألا ترى أنه فرق بين قوله موقوفة وبين قوله موقوفة على ولدي فصحح الأول دون الثاني ; لأن مطلق قوله موقوفة يصرف إلى الفقراء عرفا ، فإذا ذكر الولد صار مقيدا ، فلا يبقى العرف ، فظهر بهذا أن الخلاف بينهما في اشتراط ذكر التأبيد وعدمه إنما هو في التنصيص عليه أو على ما يقوم مقامه كالفقراء ونحوهم .

مطلب : التأبيد معنى شرطه اتفاقا وأما التأبيد معنى فشرط اتفاقا على الصحيح وقد نص عليه محققو المشايخ . ا هـ . قلت : ومقتضاه أن المقيد باطل اتفاقا ، لكن ذكر في البزازية أن عن أبي يوسف في التأبيد روايتين الأولى : أنه غير شرط حتى لو قال : وقفت على أولادي ، ولم يزد جاز الوقف ، وإذا انقرضوا عاد إلى ملكه لو حيا وإلا فإلى ملك الوارث . والثانية : أنه شرط لكن ذكره غير شرط حتى تصرف الغلة بعد الأولاد إلى الفقراء ا هـ ومقتضاه أنه على الرواية الأولى يصح كل من الوقف والتقييد ، وعلى الثانية يصح الوقف ويبطل التقييد ، لكن ذكر في البحر أن ظاهر المجتبى والخلاصة أن الروايتين عنه فيما إذا ذكر لفظ الصدقة أما إذا ذكر لفظ الوقف فقط ، لا يجوز اتفاقا إذا كان الوقوف عليه معينا . ا هـ .

مطلب مهم فرق أبو يوسف بين قوله موقوفة وقوله فموقوفة على فلان قلت : ويشهد له ما في الذخيرة لو قال : أرضي هذه صدقة موقوفة فهي وقف بلا خلاف إذا لم يعين إنسانا فلو عين وذكر مع لفظ الوقف لفظ صدقة بأن قال صدقة موقوفة على فلان جاز ويصرف بعده إلى الفقراء ثم ذكر بعده عن المنتقى أنه يجوز ما دام فلان حيا ، وبعده يرجع إلى ملك الواقف أو إلى ورثته بعده ا هـ وفيها أيضا لو عين كوقفتها على فلان لا يجوز ا هـ ، فهذا يدل على أن الروايتين على أبي يوسف فيما إذا ذكر لفظ صدقة مع موقوفة وعين الموقوف عليه ، أما إذا لم يعينه يجوز بلا خلاف ، وإذا أفرد موقوفة وعين لا يجوز بلا خلاف ، خلافا لما [ ص: 350 ] في البزازية حيث جعل الروايتين فيه ، فإنه يقتضي صحة الوقف ، ويخالفه أيضا كلام الإسعاف وقوله في الهداية : وقيل إن التأبيد شرط الإجماع إلا أن عند أبي يوسف لا يشترط ذكره ; لأن لفظ الوقف والصدقة منبئ عنه .

ولهذا قال في الكتاب وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم ، وهذا هو الصحيح وعند محمد ذكره شرط إلخ فقوله لأن لفظ الوقف والصدقة يفيد أن الكلام ذكرهما معا لا في ذكر لفظ الوقف فقط ، ويوضحه ما في الخانية لو قال : صدقة موقوفة على فلان صح ويصير تقديره : صدقة موقوفة على الفقراء لأن محل الصدقة الفقراء إلا أن غلتها تكون لفلان ما دام حيا ، ولو قال موقوفة على فقراء قرابتي أو على ولدي لا يصح لأنهم ينقطعون ، فلا يتأبد الوقف وبدون التأبيد لا يصح إلا أن يجعل آخره للفقراء فرق أبو يوسف بين قوله : موقوفة وبين قوله موقوفة على ولدي فيصح الأول لا الثاني ا هـ أي لأن الثاني ذكر مقيدا بالموقوف عليه المعين ، وذلك ينافي التأبيد حيث لم يصرح به ولا بما في معناه ، بخلاف ما إذا قال موقوفة فقط لانصرافه إلى الفقراء عرفا فهو مؤبد ، وكذا صدقة موقوفة على فلان فإنه وإن قيد بمعين لكنه مطلق ; لأن الصدقة للفقراء ، فكأنه قال وبعد فلان فعلى الفقراء فيكون مؤبدا ، لكن إذا لم يقيد بمعنى فهو مؤبد بلا خلاف فيصح عند محمد أيضا كما مر لعدم منافي التأبيد أصلا .

ولذا قال في الخانية : لو قال موقوفة ولم يزد لا يجوز إلا عند أبي يوسف ويكون وقفا على المساكين ، ولو قال : موقوفة صدقة أو صدقة موقوفة ولم يزد جاز عند أبي يوسف ومحمد وهلال ، وقيل لا ما لم يقل وآخرها للمساكين أبدا والصحيح الجواز ; لأن محل الصدقة في الأصل الفقراء فلا يحتاج إلى ذكرهم ولا انقطاع لهم فلا يحتاج إلى ذكر الأبد أيضا ا هـ فهذا صريح في أن التصريح بالصدقة تصريح بالتأبيد ، فيجوز عندهما بلا خلاف إن لم يعين ، فلو عين لم يجز عند محمد وجاز عند أبي يوسف ثم بعد انقطاعه يعود إلى الفقراء كما صححه في الهداية ، وعليه المتون كالقدوري والملتقى والنقاية وغيرها أو يعود إلى ملك الواقف أو ورثته . وسيذكر الشارح تصحيحه ، لكن نقل في الذخيرة أن هذا القول مذكور في شرح الطحاوي وشرح السرخسي ، وأن بعض المشايخ قالوا إنه خطأ .

قلت : ويؤيده ما مر عن الإسعاف من أن التأبيد شرط اتفاقا ، وإذا عاد إلى الملك لم يكن مؤبدا إلا لفظا ومعنى .

والحاصل : أنه لا خلاف عندهما في صحة الوقف مع عدم تعين الموقوف عليه إذا ذكر لفظ التأبيد ، وأما في معناه كالفقراء وكلفظ صدقته موقوفة وكموقوفة لله تعالى وكموقوفة على وجوه البر ; لأنه عبارة عن الصدقة ، وكذا موقوفة على الجهاد أو على أكفان الموتى ، أو حفر القبور كما في الخانية وغيرها ، وأنه لا خلاف في بطلانه لو اقتصر على لفظ موقوفة مع التعين كموقوفة على زيد ، خلافا لما في البزازية وإنما الخلاف بينهما لو اقتصر بلا تعيين أو جمع مع التعيين كصدقة موقوفة على فلان ، فعند أبي يوسف : يصح ثم يعود إلى الفقراء وهو المعتمد وقيل يعود إلى الملك والمراد بالمعين ما يحتمل الانقطاع كأولاد زيد ، أو فقراء قرابة فلان وهم يحصون وفي الذخيرة عن وقف الخصاف قال : جعلت هذه الأرض صدقة موقوفة على فلان وولده وولد ولده وأولاد أولادهم ، فإذا سمى من ذلك ثلاث بطون فهي وقف مؤبد إلى يوم القيامة . وبقي ما إذا وقف على عمارة مسجد معين فقيل [ ص: 351 ] يصح عند أبي يوسف لتأبده مسجد إلا عند محمد وقيل يصح اتفاقا وفي البحر عن المحيط أنه المختار فاغتنم تحرير هذا المحل فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب والحمد لله تعالى ملهم الصواب ( قوله : واختلف الترجيح ) مع التصريح في كل منهما بأن الفتوى عليه لكن في الفتح أن قول أبي يوسف أوجه عند المحققين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث