الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قوله ( ولا يتم حتى يقبض ويفرز ويجعل آخره لجهة لا تنقطع ) بيان لشرائطه الخاصة على قول محمد وقد مشى المؤلف أولا على قول أبي حنيفة من عدم لزومه إلا بالقضاء وثانيا في الشرائط على قول محمد وهو مما لا ينبغي لأن الفتوى على قولهما في لزومه بلا قضاء كما قدمنا وإذا لزم عندهما فإنه يلزم بمجرد القول عند أبي يوسف بمنزلة الإعتاق بجامع إسقاط الملك وعند محمد لا بد من التسليم إلى المتولي والإفراز والتأبيد أما الأول فلأن حق الله تعالى إنما يثبت فيه في ضمن التسليم إلى العبد لأن التمليك إلى الله تعالى وهو مالك الأشياء لا يتحقق مقصودا وقد يكون تبعا لغيره فيأخذ حكمه فينزل منزلة الزكاة والصدقة فلو قال هذه الشجرة للمسجد لا تكون له ما لم يسلمها إلى قيم المسجد عند محمد خلافا لأبي يوسف وفي الخلاصة ومشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف .

وقال الصدر الشهيد والفتوى على قول محمد وفي شرح المجمع أكثر فقهاء الأمصار أخذوا بقول محمد والفتوى عليه وفي فتح القدير وقول أبي يوسف أوجه عند المحققين وفي المنية الفتوى على قول أبي يوسف وهذا قول مشايخ بلخ وأما البخاريون فأخذوا بقول محمد وفي المبسوط كان القاضي أبو عاصم يقول قول أبي يوسف من حيث المعنى أقوى إلا أنه قال وقول محمد أقرب إلى موافقة الآثار يعني ما روي أن عمر رضي الله عنه جعل وقفه في يد حفصة وغير ذلك ورده في المبسوط بأنه لا يلزم كونه ليتم الوقف بل لشغله وخوف التقصير إلى آخره وفي البزازية والإمام الثاني في قوله الأول ضيق ثم وسع كل التوسع حتى قال يتم بقوله وقفت ومشايخ خوارزم أخذوا بقوله على ما حكاه نجم الزاهد في شرحه للمختصر ومحمد توسط وبقوله أخذ عامة المشايخ على ما حكاه في الفتاوى ا هـ .

فالحاصل أن الترجيح قد اختلف والأخذ بقول أبي يوسف أحوط وأسهل ولذا قال في المحيط ومشايخنا أخذوا بقول أبي يوسف ترغيبا للناس في الوقف ويبتني على هذا الخلاف مسائل الأولى لو عزل الواقف القيم وأخرجه إلى غيره بلا شرط أن له ذلك قال محمد لا ينعزل والولاية للقيم .

الثانية لو مات وله وصي فلا ولاية لوصيه والولاية للقيم الثالثة لو تولاه الواقف بنفسه لا يملك ذلك وقال أبو يوسف الولاية للواقف وله أن يعزل القيم في حياته ويولي غيره أو يرد النظر إلى نفسه وإذا مات الواقف بطل ولاية القيم عنده لأنه بمنزلة وكيله وأما إذا جعله قيما في حياته وبعد موته فإنه لا ينعزل بموته اتفاقا وكذا لو شرط الولاية في عزل القوام والاستبدال بهم لنفسه أو لأولاده وأخرجه من يده وسلمه إلى المتولي فإنه جائز اتفاقا نص عليه في السير الكبير لأن هذا شرط لا يخل بشرائط الواقف .

وفي الخلاصة إذا شرط الواقف أن يكون هو المتولي فعند أبي يوسف الوقف والشرط كلاهما صحيحان وعند محمد وهلال الوقف والشرط باطلان . ا هـ .

وسيأتي آخر الباب ما يتعلق بالمتولي نصبا وتصرفا وأما الثاني أعني اشتراط الإفراز فقد علمت أنه قول محمد فلا يجوز وقف المشاع وقال أبو يوسف هو جائز وهو مبني على الشرط الأول لأن القسمة من تمام القبض فمن شرطه لم يجوز وقف المشاع ومن لم يشترطه جوزه والخلاف فيما يحتمل القسمة أما ما لا يحتمل القسمة فهو جائز اتفاقا اعتبارا عند محمد بالهبة [ ص: 213 ] والصدقة المنفذة إلا في المسجد والمقبرة فإنه لا يتم الشيوع فيما لا يحتمل القسمة عند أبي يوسف أيضا لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله تعالى ولأن المهايأة في هذا في غاية القبح بأن يقبر فيها الموتى سنة وتزرع سنة ويصلى لله فيه في وقت ويتخذ إصطبلا في وقت بخلاف الوقف لإمكان الاستغلال .

والحاصل أن وقف المشاع مسجدا أو مقبرة غير جائز مطلقا اتفاقا وفي غيرهما إن كان مما لا يحتمل القسمة جاز اتفاقا .

والخلاف فيما يحتملها ومن أخذ بقول أبي يوسف في خروجه بمجرد اللفظ وهم مشايخ بلخ أخذ بقوله في هذه ومن أخذ بقول محمد في القبض وهم مشايخ بخارى أخذ بقوله في وقف المشاع وصرح في الخلاصة من الإجارة والوقف بأن الفتوى على قول محمد في وقف المشاع وكذا في البزازية والولوالجية وشرح المجمع لابن الملك وفي التجنيس وبقوله يفتى وتبعه في غاية البيان وسيأتي بيان ما إذا قضى بجواره وفي الخلاصة وإذا وقف أحد الشريكين نصيبه المشاع على قول أبي يوسف ثم اقتسما فوقع نصيب الواقف في موضع لا يجب عليه أن يقفه ثانيا لأن القسمة تعين الموقوف وإذا أراد الاجتناب عن الخلاف يقف المقسوم ثانيا ولو كان الأرض له فوقف نصفها ثم أراد القسمة فالوجه في ذلك أن يبيع ما بقي ثم يقتسمان وإن لم يبع ورفع إلى القاضي ليأمر إنسانا بالقسمة معه جاز .

كذا في الخلاصة أيضا وفيها حانوت بين اثنين وقف أحدهما نصيبه وأراد أن يضرب لوح الوقف على بابه فمنعه الشريك الآخر ليس له الضرب إلا إذا أمره القاضي بذلك وهذا قول أبي يوسف أما على قول محمد فلا يتأتى هذا .

وفي الظهيرية ولو كانت له أرضون ودور بينه وبين آخر فوقف نصيبه ثم أراد أن يقاسم شريكه ويجمع الوقف كله في أرض واحدة ودار واحدة فإنه جائز في قياس قول أبي يوسف وهلال وإذا قاسم الواقف شريكه وبينهما دراهم فإن كان الواقف هو الذي أعطى الدراهم جاز لأنه في حصة الوقف قاسم شريكه واشترى أيضا ما لم يقف من نصيب شريكه فجاز ذلك كله ثم حصة الوقف للواقف وما اشتراه بالدراهم فذلك له وليس بوقف . ا هـ .

ولو وقف جميع أرضه ثم استحق جزء منه بطل في الباقي عند محمد لأن الشيوع مقارن كما في الهبة بخلاف ما إذا رجع الواهب في البعض أو رجع الوارث في الثلثين بعد موت المريض وقد وهب أو وقف في مرضه وفي المال ضيق لأن الشيوع في ذلك طارئ ولو استحق جزء مميز بعينه لم يبطل في الباقي لعدم الشيوع ولهذا جاز في الابتداء .

وعلى هذا الهبة والصدقة المملوكة كذا في الهداية ولو كانت الأرض بين رجلين فوقفاها على بعض الوجوه ودفعاها إلى وال يقوم عليها كان ذلك جائزا عند محمد لأن المانع من تمام الصدقة شيوع في المحل المتصدق به ولا شيوع هنا لأن الكل صدقة غاية الأمر أن ذلك مع كثرة المتصدقين والقبض من الوالي في الكل وجد جملة واحدة فهو كما لو تصدق بها رجل واحد بخلاف ما لو وقف كل منهما نصفها شائعا على حدة وجعل لها واليا على حدة لا يجوز لأنهما صدقتان ولو وقف كل منهما نصيبه وجعلا الوالي فسلماها إليه جميعا جاز لأن تمامها بالقبض والقبض يجتمع .

كذا في فتح القدير والمشاع غير المقسوم من شاع يشيع شيعا وشيوعا ومشاعا كذا في القاموس وأما الثالث وهو أن يجعل آخره لجهة لا تنقطع فهو قولهما وقال أبو يوسف إذا سمى فيه جهة تنقطع جاز وصار بعدها للفقراء ولو لم يسمهم لهما أن موجب الوقف زوال الملك بدون التمليك وأنه يتأبد كالعتق وإذا كانت الجهة يتوهم انقطاعها لا يتوفر عليه مقتضاه ولهذا كان التوقيت مبطلا له كالتوقيت في البيع و لأبي يوسف أن المقصود هو التقرب إلى الله تعالى وهو موفر عليه لأن التقرب تارة يكون بالصرف إلى جهة تنقطع ومرة بالصرف إلى جهة [ ص: 214 ] تتأبد فصح في الوجهين وقيل التأبيد شرط بالإجماع إلا عند أبي يوسف لا يشترط ذكر التأبيد لأن لفظة الوقف والصدقة منبئة عنه لما بينا أنه إزالة الملك بدون التمليك كالعتق .

ولهذا قال في الكتاب في بيان قوله وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم وهذا هو الصحيح وعند محمد ذكر التأبيد شرط لأن هذا صدقة بالمنفعة وبالغلة وذلك قد يكون موقتا فمطلقه لا ينصرف إلى التأبيد فلا بد من التنصيص كذا في الهداية .

والحاصل أن عن أبي يوسف في التأبيد روايتين في رواية لا بد منه وذكره ليس بشرط وصححه وفي رواية ليس بشرط وتفرع على الروايتين ما لو وقف على إنسان بعينه أو عليه وعلى أولاده أو على قرابتهم وهم يحصون أو على أمهات أولاده فمات الموقوف عليه فعلى الأول يعود إلى ورثة الواقف قال الناطفي في الأجناس وعليه الفتوى .

وعلى الثاني تصرف إلى الفقراء وهي رواية البرامكة كذا في فتح القدير وظاهر ما في المجتبى والخلاصة أن الروايتين عنه فيما إذا ذكر لفظ الصدقة أما إذا ذكر لفظ الوقف فقط فلا يجوز اتفاقا إذا كان الموقوف عليه معينا ثم قال متى ذكر موضع الحاجة على وجه يتأبد يكفيه عن ذكر الصدقة وكذا على أبناء السبيل أو الزمنى ويكون للفقراء منهم

[ ص: 212 ]

التالي السابق


[ ص: 212 ] ( قوله وقد مشى المؤلف أولا على قول أبي حنيفة ) قال في النهر الأولى أن يحمل ما قاله أولا على بيان مسألة إجماعية هي أن الملك بالقضاء يزول أما إذا خلا عن القضاء فلا يزول بعد هذه الشروط عند محمد واختاره المصنف تبعا لعامة المشايخ ( قوله وقال أبو يوسف الولاية للواقف إلخ ) سيأتي ذكر هذه المسألة في الورقة العشرين [ ص: 213 ] ( قوله وصار بعدها للفقراء ولو لم يسمهم ) هذا مبني على الرواية الثانية عن أبي يوسف كما يأتي كما نبه عليه في الفتح [ ص: 214 ] ( قوله قال الناطفي في الأجناس وعليه الفتوى ) مخالف لما صححه في الهداية كما تقدم آنفا لكن قال الرملي ارجع إلى النهر فإنه ذكر أنه رواية ضعيفة عند أبي يوسف ا هـ .

قلت : وفي الإسعاف ولو قال وقفت أرضي هذه على ولد زيد وذكر جماعة بأعيانهم لم يصح عند أبي يوسف أيضا لأن تعين الموقوف عليه يمنع إرادة غيره بخلاف ما إذا لم يعين لجعله إياه على الفقراء ألا ترى أنه فرق بين قوله أرضي هذه موقوفة وبين قوله موقوفة على ولدي فصحح الأول دون الثاني لأن مطلق قوله موقوفة يصرف إلى الفقراء عرفا فإذا ذكر الولد صار مقيدا فلا يبقى العرف فظهر بهذا أن الخلاف بينهما في اشتراط ذكر التأبيد وعدمه إنما هو في التنصيص عليه أو على ما يقوم مقامه كالفقراء ونحوهم وأما التأبيد معنى فشرط اتفاقا على الصحيح وقد نص عليه محققو المشايخ . ا هـ .

ما في الإسعاف لكن تعيين الموقوف عليه إذا كان مسجدا لا يضر لأنه مؤبد لما في الإسعاف أيضا قبيل ما مر لو قال وقفت أرضي هذه على عمارة المسجد الفلاني يصح عنده أي عند أبي يوسف لأنه لو لم يزد على قوله وقفت يجوز عنده فبالأولى إذا عين جهته ولا يجوز عند محمد لاحتمال خراب ما حوله فلا يكون مؤبدا وتمامه فيه ( قوله وظاهر ما في المجتبى والخلاصة إلخ ) يؤيده ما نقلناه عن الإسعاف لكن يخالفه ما سيذكره بعد في آخر المقولة عن المحيط ويؤيد ما هنا أيضا ما في الخانية لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على فلان صح ويصير تقديره صدقة موقوفة على الفقراء لأن محل الصدقة الفقراء إلا أن غلتها تكون لفلان ما دام حيا ثم قال بعد أسطر ولو قال أرضي موقوفة على فقراء قرابتي لا يصح وكذا لو قال على ولدي لأنهم ينقطعون فلا يتأبد الوقف وبدون التأبيد لا يصح إلا أن يجعل آخره للفقراء فرق أبو يوسف بين قوله أرضي موقوفة وبين قوله أرضي موقوفة على ولدي فإن الأول يصح والثاني لا يصح . ا هـ .

فانظر كيف قال في صدقة موقوفة على فلان إنه يصح وعلل بقوله لأن محل الصدقة الفقراء أي فهو تأبيد معنى بخلاف ما إذا لم يأت بلفظ " صدقة " واقتصر على لفظ " موقوفة " مع تعيين الموقوف عليه فإن التعيين ينافي التأبيد حيث لم يذكر التأبيد ولا ما يدل عليه وبخلاف ما إذا أطلق موقوفة ولم يعين فإنه ينصرف إلى التأبيد بعدم المنافي ومما يؤيد الفرق بين ذكر الصدقة وعدمه ما في الخانية أيضا لو قال أرضي موقوفة ولم يزد على هذا لا يجوز عند عامة مجيزي الوقف وقال أبو يوسف يجوز ويكون وقفا على المساكين ولو قال موقوفة صدقة أو صدقة موقوفة ولم يزد على ذلك جاز في قول أبي يوسف ومحمد وهلال الرائي ويكون وقفا على الفقراء وقال يوسف بن خالد السمتي لا يجوز ما لم يقل وآخرها للمساكين أبدا والصحيح قول أصحابنا لأن محل الصدقة في الأصل الفقراء فلا يحتاج إلى ذكر الفقراء ولا انقطاع للفقراء فلا يحتاج إلى ذكر الأبد أيضا . ا هـ .

فهذا صريح في أن لفظ صدقة تأبيد ( قوله يكفيه عن ذكر الصدقة ) أي يكفي الاقتصار على لفظ وقفت عن ذكر الصدقة معه لأن ذكر موضع الحاجة كالفقراء مثلا في معنى ذكر الصدقة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث