الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( باب صفة الصلاة ) .

شروع في المقصود بعد الفراغ من مقدماته . قيل : الصفة والوصف في اللغة واحد وفي عرف المتكلمين بخلافه ، والتحرير أن الوصف لغة ذكر ما في الموصوف من الصفة ، والصفة هي ما فيه ولا ينكر أنه يطلق الوصف ويراد الصفة وبهذا لا يلزم الاتحاد لغة إذ لا شك في أن الوصف مصدر وصفه إذا ذكر ما فيه ، ثم المراد هنا بصفة الصلاة الأوصاف النفسية لها وهي الأجزاء العقلية الصادقة على الخارجية التي هي أجزاء الهوية من القيام الجزئي والركوع والسجود كذا في فتح القدير ، وليس هذا من باب قيام العرض بالعرض ; لأن الأحكام الشرعية لها حكم الجواهر ، ولهذا توصف بالصحة والفساد والبطلان والفسخ كذا في غاية البيان وفي السراج الوهاج ، ثم اعلم أنه يشترط لثبوت الشيء ستة أشياء : العين وهي ماهية الشيء والركن وهو جزء الماهية والحكم وهو الأثر الثابت بالشيء ومحل ذلك الشيء وشرطه وسببه فلا يكون الشيء ثابتا إلا بوجود هذه الأشياء الستة ، فالعين هنا الصلاة ، والركن القيام والقراءة والركوع والسجود ، والمحل للشيء هو الآدمي المكلف ، والشرط هو ما تقدم من الطهارة وغيرها ، والحكم جواز الشيء وفساده وثوابه ، والسبب الأوقات ، ومعنى صفة الصلاة أي ماهية الصلاة

( قوله فرضها التحريمة ) أي ما لا بد منه فيها فإن الفرض شرعا ما لزم فعله بدليل قطعي أعم من أن يكون شرطا أو ركنا والتحريم جعل الشيء محرما وخصت التكبيرة الأولى بها ; لأنها تحرم الأشياء المباحة قبل الشروع بخلاف سائر التكبيرات والدليل على فرضيتها قوله تعالى { وربك فكبر } جاء في [ ص: 307 ] التفسير أن المراد به تكبيرة الافتتاح ولأن الأمر للإيجاب وما وراءها ليس بفرض فتعين أن تكون مرادة لئلا يؤدي إلى تعطيل النص ، وما رواه أبو داود وغيره عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم } ، ثم اختلفوا هل هي شرط أو ركن ؟ ففي الحاوي هي شرط في أصح الروايتين وجعله في البدائع قول المحققين من مشايخنا ، وفي غاية البيان قول عامة المشايخ وهو الأصح واختار بعض مشايخنا منهم عصام بن يوسف والطحاوي أنها ركن وبه قال الشافعي ; لأنها ذكر مفروض في القيام فكان ركنا كالقراءة ، ولهذا شرط لها ما شرط لسائر الأركان من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ، ووجه الأصح وهو المذهب عطف الصلاة عليها في قوله تعالى { وذكر اسم ربه فصلى } ومقتضى العطف المغايرة والمغايرة وإن كانت ثابتة على القول بركنيتها أيضا ; لأنه حينئذ يكون من باب عطف الكل على الجزء وهو نظير عطف العام على الخاص لكن جوازه لنكتة بلاغية ، وهي غير ظاهرة هنا فيلزم أن لا يكون التكبير منها فهو شرط وهو المطلوب ومراعاة الشرائط المذكورة ليس لها بل للقيام المتصل بها وهو ركن إن سلمنا مراعاتها وإلا فهو ممنوع فتقديم المنع على التسليم أولى كذا في التلويح فالأولى أن يقال لا نسلم مراعاتها فإنه لو أحرم إلى آخره ولئن سلمنا فهي ليس لها بل إلى آخره فإنه لو أحرم حاملا للنجاسة فألقاه عند فراغه منها أو منحرفا عن القبلة فاستقبلها عند الفراغ منها أو مكشوف العورة فسترها عند فراغه من التكبير بعمل يسير أو شرع في التكبير قبل ظهور الزوال ، ثم ظهر عند فراغه منها جاز ، وفي الحاوي والذي يؤيد أنها شرط انعقاد الجمعة مع عدم مشاركة القوم الإمام فيها .

وثمرة الاختلاف تظهر في بناء النفل على تحريمة الفرض فيجوز عند القائلين بالشرطية ولا يجوز عند القائلين بالركنية ، وقول الشارح إنه يجوز بالإجماع بين أصحابنا ، فيه نظر ، فإن القائلين بالركنية من أصحابنا لا يجوزونه ، وأما بناء الفرض على الفرض أو على النفل فهو جائز عند صدر الإسلام لما علمت أنها شرط كالطهارة ولا يجوز على الظاهر من المذهب كالنية ليست من الأركان ومع هذا لا يجوز أداء صلاة بنية صلاة أخرى إجماعا ، وأما أداء النفل بتحريمة النفل فلا شك في صحته اتفاقا لما أن الكل صلاة واحدة بدليل أن القعود لا يفترض إلا في آخرها على الصحيح ، وقولهم : إن كل ركعتين من النفل صلاة ، لا يعارضه ; لأنه في أحكام دون أخرى ، وفي المحيط الأخرس والأمي افتتحا بالنية أجزأهما ; لأنهما أتيا بأقصى ما في وسعهما ، وفي شرح منية المصلي ولا يجب عليهما تحريك اللسان [ ص: 308 ] عندنا وهو الصحيح ، ولو قال المصنف فرضها التحريمة قائما لكان أولى ; لأن الافتتاح لا يصح إلا في حالة القيام حتى لو كبر قاعدا ، ثم قام لا يصير شارعا ; لأن القيام فرض حال الافتتاح كما بعده ، ولو جاء إلى الإمام وهو راكع فحنى ظهره ، ثم كبر إن كان إلى القيام أقرب يصح ، وإن كان إلى الركوع أقرب لا يصح ، ولو أدرك الإمام راكعا فكبر قائما وهو يريد تكبيرة الركوع جازت صلاته ; لأن نيته لغت فبقي التكبير حالة القيام ، ولو كبر قبل إمامه لا تجوز صلاته ما لم يجدد ; لأنه اقتدى بمن ليس في الصلاة فلا يدخل في صلاته ولا في صلاة نفسه على الصحيح ; لأنه قصد المشاركة وهي غير صلاة الانفراد

ولو افتتح ب " الله " قبل إمامه لم يصر شارعا في صلاته ; لأنه صار شارعا في صلاة نفسه قبل شروع الإمام ، ولو مد الإمام التكبير وحذف رجل خلفه ففرغ قبل فراغ الإمام أجزأه على قياس قولهما وعلى قول أبي يوسف لا يجزئه ، ولو كبر المؤتم ولم يعلم أنه كبر قبل الإمام أو بعده فإن كان أكبر رأيه أنه كبر قبله لا يجزئه وإلا أجزأه ; لأن أمره محمول على الصلاح حتى يتبين الخطأ بيقين أو بغالب الظن ، كذا في المحيط ، والمراد بقولهما : أن الشروع يصح ب " الله " بدون " أكبر " ، وقال أبو يوسف لا يصح إلا بهما كما صرح به في التجنيس هنا . بهذا علم أن ما في فتح القدير من قوله ففرغ الإمام قبله ، سبق قلم والصواب ففرغ المقتدي قبله أي قبل تكبير الإمام ، كما في التجنيس والمحيط ، وقوله : أو كبر قبله غير عالم بذلك ، سهو ; لأن المقتدي إذا كبر قبل الإمام لا يقال فيه جاز في قياس قولهما لا قول أبي يوسف ، وإنما حكمه ما ذكرناه عن المحيط ، وكذا في التجنيس مسألة ما إذا مد الإمام التكبير ولم يضم إليه مسألة ما إذا كبر قبله وذكر الشارح في باب الإحرام أن الشروع في الصلاة بالنية عند التكبير لا بالتكبير

[ ص: 306 ]

التالي السابق


[ ص: 306 ] ( باب صفة الصلاة ) .

( قوله : قيل الصفة والوصف في اللغة واحد ) قال في معراج الدراية ثم الوصف والصفة مصدران كالوعظ والعظة والوعد والعدة والوزن والزنة ، وفي الصحاح وصف الشيء وصفا وصفة فالهاء عوض عن الواو كما في الوعد والعدة ، وفي اصطلاح وهو قوله زيد عالم ، والصفة ما قام بالموصوف ا هـ .

ونحوه في النهاية والعناية ، وفي القاموس وصفه يصفه وصفا وصفة نعته فاتصف والصفة كالعلم والسواد ا هـ .

وفي شرح العيني والصفة والوصف مصدران من وصف والصفة الأمارة اللازمة للشيء ، ثم اعترض على المتكلمين بقوله وليت شعري من أين التخصيص ا هـ .

وقد ظهر من هذا أن الصفة تكون مصدرا كالوصف وتكون اسما لما قام بالموصوف كالعلم مثلا وحينئذ فمخالفة المتكلمين من حيث تخصيص الصفة باستعمالهم إياها اسما بمعنى الأمارة اللازمة مع أنها قد تكون في اللغة مصدرا والجواب عما قاله الإمام العيني أن هذا اصطلاح ولا مشاحة فيه .

( قوله والتحرير إلخ ) كذا في فتح القدير ، وهو ميل إلى ما قاله المتكلمون من التفرقة ورد على الشراح الناقلين لما يفهم منه الاتحاد بينهما هكذا يفهم من البحر والنهر . أقول : قد علمت مما سبق أن النزاع إنما هو في أن الصفة خاصة بالأمارة اللازمة أم لا فالمتكلمون على الأول واللغويون على الثاني ، فإنها تستعمل عندهم اسما ومصدرا كما هو صريح عبارة القاموس وكلام العيني ، وأما أن الوصف قد يراد به الصفة فليس مما النزاع فيه فليتأمل وأيضا بعد نقل أئمة اللغة أن كلا من الوصف والصفة مصدران لوصف كيف يسوغ منعه بدون نقل عن العرب أو أئمة اللغة ولعل مراد المؤلف الرد على القائل بأنهما واحد بأنه يلزم من اتحادهما إطلاق كل منهما على المصدر وعلى ما قام في الموصوف ، وأن إطلاقهما على المصدر ثابت ، وأما إطلاق كل منهما على ما قام في الموصوف فغير ثابت وإنما الثابت إطلاق الصفة عليه دون الوصف نعم لا ينكر أن يطلق الوصف ويراد به الصفة القائمة بالموصوف ولكن لا يلزم من ذلك اتحادهما لاحتمال كون ذلك الإطلاق مجازا لا حقيقة لغوية ( قوله أي ما لا بد منه ) تفسير للفرض [ ص: 307 ] ( قوله وما وراءها ) أي وراء تكبيرة الإحرام ( قوله والذي يؤيد أنها شرط إلخ ) مقتضاه أنها لو كانت ركنا لوجب مشاركة القوم فيها في الجمعة لكن قد يقال لا يلزم مشاركة القوم له فيها في جميع الأركان لأنهم لو أحرموا وهو راكع صحت الجمعة مع أنهم لم يشاركوه في القيام حقيقة مع أنه ركن ، وكذا لو نفروا بعد سجوده للركعة الأولى تأمل .

( قوله وقول الشارح أنه يجوز بالإجماع إلخ ) دفع النظر في النهر بأن مراده إجماع القائلين بأنها شرط ( قوله فهو جائز عندصدر الإسلام ) ظاهر ما في النهاية والعناية ومعراج الدراية أن الجائز عند صدر الإسلام هو الأول فقط فإنه قد قال في النهاية والمعراج : قد ذكر في فتاوى القاضي ظهير الدين : أن بناء الفرض مع تكبيرة الفرض ، قيل : لا يجوز ، وقال صدر الإسلام رحمه الله : يجوز ، ثم قال : قلت : بقي حكم بناء الفرض على النفل ولم أجد فيه رواية ، ولكن يجب أن لا يجوز : أما على ما اختاره صاحب الأسرار وفخر الإسلام فظاهر لأنه لما لم يجز بناء الفرض على تحريمة فرض آخر ، وهو مثله فلأن لا يجوز بناء الفرض على ما دونه أولى ، وأما على اختيار صدر الإسلام فإنه إنما جوز بناء المثل فهو لا يدل على تجويزه بناء الأقوى على الأدنى ، ثم المعنى أيضا يدل على عدم الجواز لأن الشيء يستتبع ما هو أقوى منه ، وفي بناء الفرض على النفل جعل النفل مستتبعا للفرض لأن المبني تبع للمبني عليه وذلك لا يجوز . ا هـ .

وقد نبه أيضا على ذلك الشيخ إسماعيل ، ثم قال : ولذا اقتصر في التبيين على صورة الفرض على الفرض في النقل عنه ا هـ .

وبهذا ظهر عدم صحة ما في النهر من قوله : ولا خلاف في جواز بناء النفل على النفل والفرض عليه فتنبه .

( قوله : كالنية ليست من الأركان إلخ ) بيان لمنع الملازمة بين كون التحريمة شرطا وجواز البناء المذكور بأن النية ليست من الأركان مع أنه لا يجوز أداء صلاة بالبناء على نية صلاة أخرى ( قوله : وفي المحيط : الأخرس والأمي افتتحا بالنية إلخ ) قال في النهر : ينبغي أن يشترط القيام في نيتهما لقيامها مقام التحريمة وأن تقديمها لا يصح ولم أره لهم .

( قوله : في شرح منية المصلي ولا يجب عليهما تحريك اللسان ) أي في تكبيرة الإحرام ، وأما باقي التكبيرات ففي النهر عن إطلاق الفتح أنه يحرك لسانه بها ، قال : وكان الفرق أن تكبيرة الإحرام لها خلف ، وهو النية بخلاف غيرها ا هـ أقول : يظهر من هذا أنه لا يسن أيضا تحريك اللسان بتكبيرة الإحرام تأمل .

[ ص: 308 ] ( قوله لأنه صار شارعا في صلاة نفسه قبل شروع الإمام ) مخالف لما ذكره في المسألة التي قبلها من أنه لا يدخل في صلاة نفسه على الصحيح قال في الشرنبلالية إلا أن يحمل على غير الصحيح فليتأمل ا هـ .

ولكن فيه أنه ذكر عن قاضي خان ما يقتضي عدم الخلاف في هذه بخلاف التي قبلها فإنه قال ويكبر المقتدي مع الإمام فإن قال المقتدي الله أكبر وقوله الله أكبر وقع قبل قول الإمام ذلك قال الفقيه أبو حفص رحمه الله الأصح أنه لا يكون شارعا عندهم ، ثم قال وأجمعوا على أن المقتدي لو فرغ من قوله الله قبل فراغ الإمام من ذلك لا يكون شارعا في الصلاة في أظهر الروايات ا هـ فليتأمل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث