الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال البخاري - رحمه الله- :

900 942 – نا أبو اليمان: ثنا شعيب، عن الزهري قال: سألته: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد سجدتين، " ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين " .

التالي السابق


وخرجه في موضع آخر من رواية معمر .

وخرجه مسلم من رواية معمر وفليح كلاهما عن الزهري ، به - بمعناه. وقد روي عن حذيفة نحو رواية ابن عمر - أيضا.

خرجه الطبراني من رواية حكام بن سلم ، عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري بأصبهان صلاة [ ص: 13 ] الخوف، وما كان كبير خوف; ليرينا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقام فكبر، وكبر معه طائفة من القوم، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بهم ركعة فانصرفوا، وقاموا مقام إخوانهم، فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلم، فصلى كل واحد منهم الركعة الثانية وحدانا.

ورواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، أن أبا موسى كان بالدار من أرض أصبهان ، وما بها كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم، فجعلهم صفين: طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها، وطائفة من ورائها، فصلى بالذين بإزائه ركعة، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الأخرى، وجاءوا يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلم، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة ركعة، ثم سلم بعضهم على بعض، فتمت للإمام ركعتان في جماعة، وللناس ركعة ركعة .

يعني: في جماعة.

خرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في " مسنده".

وهو إسناد جيد.

وهو في حكم المرفوع; لما ذكر فيه من تعليمهم بسنة نبيهم.

ورواه أبو داود الطيالسي ، عن أبي حرة ، عن الحسن ، عن أبي موسى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صلى بأصحابه - فذكر نحوه، وفيه زيادة على حديث ابن عمر : أن الطائفة الأولى لما صلت ركعة وذهبت لم تستدبر القبلة، بل نكصت على أدبارها.

وروي - أيضا - عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- نحو ذلك، من رواية خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة [ ص: 14 ] الخوف، فقاموا صفين، فقام صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مستقبل العدو، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالصف الذين يلونه ركعة ، ثم قاموا فذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، وجاءوا أولئك فقاموا مقامهم، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ركعة، ثم سلم، ثم قاموا فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا ثم ذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا.

خرجه الإمام أحمد - وهذا لفظه - وأبو داود - بمعناه.

وخصيف مختلف في أمره. وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة عندهم.

وهذه الصفة توافق حديث ابن عمر وحذيفة ، إلا في تقدم الطائفة الثانية بقضاء ركعة، وذهابهم إلى مقام أولئك مستقبلي العدو، ثم مجيء الطائفة الأولى إلى مقامهم فقضوا ركعة.

وحديث ابن عمر وحذيفة فيهما: قيام الطائفتين يقضون لأنفسهم، وظاهره: أنهم قاموا جملة وقضوا ركعة ركعة وحدانا.

وقد رواه جماعة، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، وزادوا فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر وكبر الصفان معه جميعا.

وقد خرجه كذلك الإمام أحمد وأبو داود .

وزاد الإمام أحمد : " وهم في صلاة كلهم".

واختلف العلماء في صلاة الخوف على الصفة المذكورة في حديث ابن [ ص: 15 ] عمر ، وما وافقه:

فذهب الأكثرون إلى أنها جائزة وحسنة، وإن كان غيرها أفضل منها، هذا قول الشافعي - في أصح قوليه - وأحمد وإسحاق وغيرهم.

وقالت طائفة: هي غير جائزة على هذه الصفة; لكثرة ما فيها من الأعمال المباينة للصلاة من استدبار القبلة والمشي الكثير، والتخلف عن الإمام، وادعوا أنها منسوخة، وهو أحد القولين للشافعي .

ودعوى النسخ هاهنا لا دليل عليها.

وقالت طائفة: هي جائزة كغيرها من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- لا فضل لبعضها على بعض، وهو قول إسحاق ، نقله عنه ابن منصور .

ونقل حرب ، عن إسحاق ، أن حديث ابن عمر وابن مسعود يعمل به إذا كان العدو في غير جهة القبلة.

وكذلك حكى بعض أصحاب سفيان كلام سفيان في العمل بحديث ابن عمر على ذلك.

وقالت طائفة: هي أفضل أنواع صلاة الخوف، هذا قول النخعي ، وأهل الكوفة وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن سفيان ، وحكي عن الأوزاعي وأشهب المالكي.

وروى نافع ، أن ابن عمر كان يعلم الناس صلاة الخوف على هذا الوجه.

وحكي عن الحسن بن صالح ، أنه ذهب إلى حديث ابن مسعود ، وفيه: أن الطائفة الثانية تصلي مع الإمام الركعة الثانية، ثم إذا سلم قضت ركعة، ثم ذهبت إلى مكان الطائفة الأولى، ثم قضت الطائفة الأولى ركعة، ثم تسلم.

وقد قيل: إن هذا هو قول أشهب .

[ ص: 16 ] وحكى ابن عبد البر ، عن أحمد ، أنه ذهب إلى هذا - أيضا.

وقال بعض أصحابنا: هو أحسن من الصلاة على حديث ابن عمر ; لأن صلاة الطائفة الثانية خلت عن مفسد بالكلية.

وحكي عن أبي يوسف ومحمد والحسن بن زياد والمزني : أن صلاة الخوف لا تجوز بعد النبي - صلى الله عليه وسلم- لظاهر قول الله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك الآية.

قالوا: وإنما يصلي الناس صلاة الخوف بعده بإمامين، كل إمام يصلي بطائفة صلاة تامة، ويسلم بهم.

وهذا مردود بإجماع الصحابة على صلاتها في حروبهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صلاها بعده: علي بن أبي طالب ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو موسى الأشعري ، مع حضور غيرهم من الصحابة، ولم ينكره أحد منهم.

وكان ابن عمر وغيره يعلمون الناس صلاة الخوف، وجابر ، وابن عباس وغيرهما يروونها للناس تعليما لهم، ولم يقل أحد منهم: إن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم.

وخطابه - صلى الله عليه وسلم- لا يمنع مشاركة أمته له في الأحكام، كما في قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وقوله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم

وحكي عن مالك ، أنها تجوز في السفر دون الحضر، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من أصحابه.

[ ص: 17 ] ويحتج له بحمل آية القصر على صلاة الخوف، وقد شرط لها شرطان: السفر والخوف، كما سبق; ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم- إنما كان يصلي صلاة الخوف في أسفاره، ولم يصلها في الحضر مع أنه حوصر بالمدينة عام الخندق، وطالت مدة الحصار، واشتد الخوف، ولم يصل فيها صلاة الخوف.

وقد قيل: إن صلاة الخوف إنما شرعت بعد غزوة الأحزاب في السنة السابعة.

وقد ذكر البخاري في " المغازي" من كتابه هذا - تعليقا - من حديث عمران القطان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة: غزوة ذات الرقاع.

وخرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ست مرار قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف في السابعة.

وقد تقدم في حديث أبي عياش ، أن أول صلاة الخوف كانت بعسفان وعلى المشركين خالد .

وقد روى الواقدي بإسناد له، عن خالد بن الوليد ، أن ذلك كان في مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرة الحديبية.

وقد تقدم أن أبا موسى صلى بأصبهان هذه الصلاة، ولم يكن هناك كبير خوف، وإنما صلى بهم ليعلمهم سنة صلاة الخوف.

وهذا قد يحمل على أنه كان ثم خوف يبيح هذه الصلاة، ولم يكن وجد خوف شديد يبيح الصلاة بالإيماء.

[ ص: 18 ] وقد قال أصحابنا وأصحاب الشافعي : لو صلى صلاة الخوف على ما في حديث ابن عمر في غير خوف لم تصح صلاة المأمومين كلهم; لإتيانهم بما لا تصح معه الصلاة في غير حالة الخوف من المشي والتخلف عن الإمام.

فأما الإمام، فلأصحابنا في صلاته وجهان، بناء على أن الإمام إذا بطلت صلاة من خلفه، فهل تبطل صلاته لنيته الإمامة وهو منفرد، أو يتمها منفردا وتصح؟ وفيه وجهان للأصحاب.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث