الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 47 ] 4 - باب

الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو

وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير. ويؤخرونها حتى يأمنوا.

وبه قال مكحول.

التالي السابق


إنما يقول مكحول بتأخير الصلاة للمطلوب دون الطالب.

قال الفزاري ، عن يزيد بن السمط ، عن مكحول ، قال: إذا حضر القتال فلزم بعضهم بعضا، لم يطيقوا أن يصلوا، أخروا الصلاة حتى يصلوا على الأرض، وقال: صلاة الطالب: أن ينزل فيصلي، فيؤثر صلاته على ما سواها، وصلاة الهارب: أن يصلي حيث كان ركعة.

قال أبو إسحاق ، وقال الأوزاعي : الصلاة حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن البصر لا يرفع ما دام الطلب، وصلاة الخوف: أن يصلي القوم كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فإن كان خوف أكثر من ذلك صلوا فرادى، مستقبلي القبلة ، يركعون ويسجدون، فإن كان خوف أكثر من ذلك أخروا الصلاة حتى يقدروا، فيقضوها.

قال: وقال الأوزاعي : إن ثلموا في الحصن ثلمة، وحضرت الصلاة [ ص: 48 ] فإن قدروا أن يصلوا جلوسا، أو يومئون إيماء، أو يتعاقبون، فعلوا وإلا أخروا الصلاة إن خافوا إن صلوا أن يغلبوا عليه، وقد طمعوا في فتحه، صلوا حيث كانت وجوههم، ويتمموا إن خافوا.

وقد تضمن ما حكاه البخاري عن الأوزاعي مسائل.

منها:

أن الطالب يصلي صلاة شدة الخوف راكبا وماشيا كالمطلوب ، وهو رواية عن أحمد .وقال إسحاق - فيما نقله عن حرب -: يصلي بالأرض ويومئ إيماء.

وفي صلاة الطالب ماشيا بالإيماء حديث، خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس ، وهو مما تفرد به ابن إسحاق .

وذهب الجمهور إلى أن الطالب لا يصلي إلا بالأرض صلاة الأمن، إلا أن يخاف، منهم: الحسن ومكحول ومالك والثوري والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وقد سبق ذكر ذلك.

ومنها:

أن صلاة شدة الخوف لا تكون جماعة، بل فرادى، وقد سبق أن الجمهور على خلاف ذلك.

ومنها:

أنهم إذا لم يقدروا على الإيماء في حال شدة الخوف أخروا الصلاة حتى يأمنوا.

[ ص: 49 ] وممن قال بتأخير الصلاة مكحول كما سبق عنه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

وحكى ابن عبد البر ، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأصحابه أنه لا يصلي أحد في الخوف إلا إلى القبلة ، ولا يصلي في حال المسايفة، بل يؤخر الصلاة.

وعن أحمد رواية: أنه يخير بين الصلاة بالإيماء وبين التأخير.

قال أبو داود : سألت أبا عبد الله عن الصلاة صبيحة المغار، فيؤخرون الصلاة حتى تطلع الشمس، أو يصلون على دوابهم ؟ قال: كل أرجو.

واستدل أصحابنا لهذه الرواية بصلاة العصر في بني قريظة وفي الطريق، وأنه لم يعنف واحد منهما، وسيأتي ذكره والكلام على معناه قريبا - إن شاء الله سبحانه وتعالى.

وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تأخير الصلاة في حال القتال ، وتصلى على حسب حاله، فإنه لا يأمن هجوم الموت في تلك الحال.

فكيف يجوز لأحد أن يؤخر فرضا عن وقته، مع أنه يخاف على نفسه مداركة الموت له في الحال، وهذا في تأخير الصلاة عن وقتها التي لا يجوز تأخيرها للجمع. فأما صلاة يجوز تأخيرها للجمع فيجوز تأخيرها للخوف، ولو كان في الحضر عند أصحابنا وغيرهم من العلماء.

وقول ابن عباس : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالمدينة من غير خوف، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف; فإن الخوف عذر ظاهر، فالجمع له أولى من الجمع للمطر والمرض ونحوهما.

[ ص: 50 ] فأما قصر الصلاة في حال الخوف في الحضر ، فالجمهور على منعه.

وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد بجوازه، مخرجة عن رواية حنبل عنه، بجواز الفطر في رمضان لقتال العدو .

وروي عن عثمان بن عفان ، أنه قال: لا يقصر الصلاة إلا من كان شاخصا أو بحضرة العدو.

وظاهره: أنه يجوز القصر بحضرة العدو في غير السفر - أيضا- وبذلك فسره أبو عبيدة في " غريبه ".

وذكر ابن المنذر عن عمران بن حصين مثل قول عثمان - أيضا.

وقد يفسر بأنه لا يجوز القصر إلا في حال السفر أو الإقامة في دار الحرب لقتال العدو، وهذا قول كثير من العلماء، ويأتي بيانه في " كتاب قصر الصلاة" إن شاء الله سبحانه وتعالى.

وسيذكر البخاري في هذا الباب ما يستدل به على جواز التأخير في حال شدة الخوف.

ومنها:

أنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامة، وهذا قول كثير من العلماء، منهم: ابن عباس .

ففي " صحيح مسلم "، عنه، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم- في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعا، وفي الخوف ركعة.

وقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر ، وقد سبق ذكر قولهما.

ورواه الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن أبي موسى - أيضا- أنه فعله.

[ ص: 51 ] وهو مروي - أيضا- عن الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد ، وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي .

حتى قاله في صلاة الصبح، مع أن ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أن الفجر والمغرب لا ينقص عن ركعتين وثلاث، في خوف ولا أمن، في حضر ولا سفر.

ولم يفرق هؤلاء بين حضر ولا سفر، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعة واحدة.

وحكي رواية عن أحمد ، وهو ظاهر كلامه في رواية جماعة، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا، والمشهور عنه: المنع.

وقد نقل جماعة عنه، أنه قال: لا يعجبني ذلك.

وهو قول... أصحابنا.

والمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي .

وقد تقدم من حديث ابن عباس ، أن كل طائفة من الناس صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم- ركعة ركعة وأنهم لم يقضوا. ومن حديث حذيفة - أيضا- وما في ذلك من التأويل.

وروى يزيد الفقير ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، صلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء، فصلى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم- ركعتان، ولهم ركعة.

[ ص: 52 ] خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في " صحيحهما".

وفي رواية النسائي : ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم- سلم فسلم الذين خلفه، وسلم أولئك.

وذكر أبو داود في " سننه": أن بعضهم قال في حديث يزيد الفقير : أنهم قضوا ركعة أخرى.

وروى عبد الله بن شقيق : نا أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بين ضجنان وعسفان ، فقال المشركون: أن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلة واحدة، وأن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فأمره أن يقيم أصحابه شطرين، فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فيكون لهم ركعة ركعة، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم- ركعتان .

خرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في " صحيحه".

وقال الترمذي : حسن صحيح.

ونقل الترمذي في " علله" عن البخاري ، أنه قال: هو حديث حسن.

وقد حمله بعضهم على أن كل واحدة من الطائفتين كانت لهم ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم- فأما الأخرى فإنها صلتها مفردة.

وخرجه النسائي عنده: يكون لهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان.

[ ص: 53 ] وخرج ابن حبان في " صحيحه" هذا المعنى من حديث زيد بن ثابت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وأصله في " سنن النسائي ".

وقد أجاب بعضهم بأن الروايات إذا اختلفت، وكان في بعضها عدم القضاء، وفي بعضها القضاء، فالحكم للإثبات; لأن المثبت قد حفظ ما خفي على الباقي.

وهذا صحيح أن لو كانت الروايات كلها حكاية عن واقعة واحدة، فأما مع التعدد فيمكن أن القضاء وجد في واقعة ولم يوجد في أخرى.

وقد زعم مجاهد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يصل صلاة الخوف إلا مرتين، مرة بذات الرقاع، ومرة بعسفان .

واختلاف الروايات في صفة صلاة الخوف يدل على أن ذلك وقع أكثر من مرتين.

واستدل بعض من رأى أن صلاة الخوف ركعة بأن ظاهر القرآن يدل عليه؛فإن الله تعالى ذكر أن الطائفة الأولى تصلي معه حتى يسجد، فتكون من وراء الناس، وأن الطائفة الثانية التي لم تصل تأتي وتصلي معه، فظاهره: أن الطائفة الأولى تجتزئ بما صلت معه من تلك الركعة، وأن الثانية تكتفي بما أدركت معه، ولم يذكر قضاء على واحدة من الطائفتين.

ومنها:

أنهم إذا عجزوا عن الصلاة بأركانها في حال الخوف، فقال الأوزاعي : لا يجزئهم التكبير بمجرده.

وإلى هذا ذهب الأكثرون، وهو: أنه لا يجزئ في حال شدة الخوف [ ص: 54 ] الاقتصار على التكبير، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق .

ونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق ، قالا: لا بد من القراءة، ولا يجزئهم التكبير.

ونقل جماعة عن أحمد ، أنه قال: لا بد في صلاة الخوف من القراءة والتشهد والسلام.

وذهب آخرون إلى أنهم يجزئهم التكبير.

روي عن جابر وابن عمر : تجزئهم تكبيرة واحدة، وعن مجاهد والسدي .

وكذا قال عبد الوهاب بن بخت ، وزاد: وإن لم يقدر على التكبير، فلا يتركها في نفسه.

يعني: النية

وروي عن عبد الله بن الزبير ، أنه ارتث يوم الجمل قبل غروب الشمس، فقيل له: الصلاة. فقال: لا أستطيع أن أصلي، ولكني أكبر.

وعن الضحاك : إن لم يستطع أن يومئ كبر تكبيرة أو تكبيرتين.

وقال الثوري : إن لم يستطع أن يقرأ يجزئه التكبير في كل خفض ورفع، وإن لم يستطع أن يتوضأ تيمم بغبار سرجه.

وكذلك مذهب الثوري في المريض المدنف: إذا لم يستطع أن يصلي على جنبه ، فإنه يكبر لكل ركعة تكبيرة، مستقبل القبلة ، وتجزئه.

ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال: إن لم يقدروا على ركعة فسجدة واحدة، [ ص: 55 ] فإن لم يقدروا فتكبيرة واحدة، واستدل بقوله: فاتقوا الله ما استطعتم

فإذا قدر على الإتيان بشيء من الصلاة، وعجز عن الباقي لزمه أن يأتي به في وقته ويجزئه، ولا يجوز له تأخيره عن الوقت.

وذكر ابن جرير بإسناده، أن هرم بن حيان كان معه أصحابه يقاتلون العدو مستقبلي المشرق، فحضرت الصلاة، فقالوا: الصلاة الصلاة، فسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة، وهم مستقبلو المشرق.

ويستدل للجمهور بأن ما دون الركعة ليس بصلاة، فلا يكون مأمورا به من عجز عن الصلاة، وأقل ما ورد في صلاة الخوف أنها ركعة، فما دون الركعة ليس بصلاة، ولا يؤمر به في خوف ولا غيره، ولا يسقط به فرض الصلاة.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث