الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 426 ] 17 - باب الخصر في الصلاة

1161 1219 - حدثنا أبو النعمان، ثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: نهي عن الخصر في الصلاة.

1162 1220 - حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، نا هشام، ثنا محمد، عن أبي هريرة، قال: نهي أن يصلي الرجل مختصرا .

وقال هشام وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

التالي السابق


حاصل ما ذكره في هذا الباب: أن هذا الحديث اختلف في لفظه على ابن سيرين :

فرواه أيوب ، عنه، عن أبي هريرة ، قال: " نهي".

ثم خرجه من طريق يحيى القطان ، عن هشام ، عنه، كذلك.

ثم قال: وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- فصرحا برفعه.

وقد أشكل هذا على بعضهم، فقال: كيف يخرجه من طريق هشام ... ثم يذكر أن هشاما صرح فيه بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم؟

وقال بعضهم: إن الحديث في رواية أبي ذر الهروي ، من طريق يحيى ، عن هشام ، مرفوعا، وأنه الصواب.

وهذا هو عين الخطأ; فإن يحيى إنما رواه عن هشام بلفظ " نهي".

وإنما مراد البخاري : أن هشاما اختلف عليه في ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم- فخرجه من [ ص: 427 ] طريق القطان ، عنه، بلفظة: " نهي"، ثم ذكر أنه روي مصرحا برفعه.

وكذا ذكره الدارقطني في " علله": أن هشاما اختلف عليه فيه، فرواه جماعة عنه، وقالوا: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- منهم: زائدة وعبد الوهاب الثقفي وجرير بن عبد الحميد وغيرهم.

وقال الثوري والقطان وحفص بن غياث وأسباط بن محمد ويزيد بن هارون وحماد بن زيد ، عن هشام : " نهي"، ولم يصرحوا برفعه.

إلا أن في رواية أسباط : " نهينا"، وهذا كالتصريح.

ورواه أيوب وأشعث بن عبد الملك ، عن محمد ، عن أبي هريرة .

قال: ورواه عمران بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وكذا روي عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن ابن سيرين .

قال الدارقطني : وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من تورعه وتوقيه، تارة يصرح بالرفع، وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال. انتهى.

ولم يذكر رواية أبي هلال ، عن ابن سيرين ، المصرحة بالرفع، التي علقها البخاري .

وخرج هذا الحديث مسلم في " صحيحه" من رواية أبي خالد وأبي أسامة وابن المبارك - جميعا- عن هشام ، مصرحا برفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه نهى [ ص: 428 ] أن يصلي الرجل مختصرا.

وخرج ابن حبان في " صحيحه" من طريق عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " الاختصار في الصلاة راحة أهل النار".

وقال: يعني: أنه فعل اليهود والنصارى ، وهم أهل النار.

كذا خرجه; وإنما رواه عيسى بن يونس ، عن عبيد الله بن الأزور ، عن هشام ، بهذا اللفظ.

وكذا خرجه الطبراني والعقيلي من رواية عيسى بن يونس ، عنه.

وقال العقيلي : لا يتابع عبيد الله بن الأزور على لفظه.

و" الاختصار"، فسره الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وبذلك فسره الترمذي في " جامعه"، وعليه يدل تبويب النسائي .

وروى الإمام أحمد في " مسنده" عن يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال: نهي عن الاختصار في الصلاة، قلنا لهشام : ما الاختصار؟ قال: يضع يده على خصره وهو يصلي، قال يزيد: قلنا لهشام : ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم؟ قال برأسه - أي: نعم.

وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة، وأهل غريب الحديث، وعامة المحدثين والفقهاء، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور.

[ ص: 429 ] وقد قيل: إنه إنما نهى عنه; لأنه فعل المتكبرين، فلا يليق بالصلاة.

وقيل: إنه فعل اليهود .

وقيل: فعل الشيطان.

فلذلك كرهه بعضهم في الصلاة وغيرها.

قد خرج البخاري في " كتابه" هذا في " ذكر بني إسرائيل "، من رواية مسروق ، عن عائشة ، أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله.

وخرجه سعيد بن منصور في " سننه"، ولفظه: إن عائشة كانت تكره الاختصار في الصلاة، وتقول: لا تشبهوا باليهود .

وخرجه عبد الرزاق ، ولفظه: إن عائشة نهت أن يجعل الرجل أصابعه في خاصرته في الصلاة، كما تصنع اليهود .

وروي عن عائشة ، أنها قالت: هكذا أهل النار.

وعن ابن عباس ، قال: إن الشيطان يحضر ذلك.

وعن مجاهد ، قال: هو استراحة أهل النار في النار.

خرجه كله وكيع بن الجراح ، وعنه ابن أبي شيبة .

وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن حميد الهلالي ، قال: إنما كره الخصر في الصلاة أن إبليس أهبط مختصرا.

[ ص: 430 ] وروى صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يجعل يديه في خاصرته; فإن الشيطان يحضر ذلك.

خرجه عبد الرزاق .

وروى سعيد بن زياد الشيباني ، عن زياد بن صبيح ، قال: صليت جنب ابن عمر ، فوضعت يدي على خصري، فقال لي هكذا - ضربه بيده- فلما صليت قلت: يا أبا عبد الرحمن ، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهانا عنه.

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .

وزياد بن صبيح - ويقال: ابن صباح - الحنفي ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما، وقال الدارقطني : يعتبر به.

قال: وسعيد بن زياد الشيباني ، الراوي عنه، لا يحتج به، ولكن يعتبر به، قال: لا أعرف له إلا هذا الحديث، نقله عنه البرقاني .

وسعيد بن زياد ، قال ابن معين : صالح، ووثقه ابن حبان .

وحكى ابن المنذر كراهة الاختصار في الصلاة على هذا الوجه عن ابن عباس وعائشة ومجاهد والنخعي وأبي مجلز ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. انتهى.

وهو قول عطاء والشافعي وأحمد ، أيضا.

ومن الناس من فسر الاختصار في حديث أبي هريرة بأن يمسك بيده شيئا [ ص: 431 ] يعتمد عليه في الصلاة; فإن العصى ونحوها مما يعتمد عليه يسمى مخصرة.

وفسره بعضهم باختصار السورة، فيقرأ بعضها.

وفسره بعضهم باختصار أفعال الصلاة، فلا يتم قيامها ولا ركوعها ولا سجودها.

وقد بوب أبو داود في " سننه" على " التخصر والإقعاء في الصلاة"، فخرج فيه حديث ابن عمر المشار إليه.

ثم بوب على " الاختصار في الصلاة "، وخرج فيه حديث أبي هريرة هذا.

ثم أتبعه: " باب: يعتمد في الصلاة على عصى".

فلعله فسر الاختصار بالاعتماد، كما قال بعضهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث