الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وخرج البخاري في هذا الباب حديث عمران بن حصين بطوله، فقال:

[ ص: 70 ] 337 344 - حدثنا مسدد بن مسرهد : ثنا يحيى بن سعيد: ثنا عوف: ثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين قال: كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ ; لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلا جليدا - فكبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ لصوته النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: " لا ضير - أو: لا يضير - ارتحلوا " فارتحلوا فسار غير بعيد. ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: " ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ " قال: أصابتني جنابة، ولا ماء، قال: " عليك بالصعيد ; فإنه يكفيك " ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتكى الناس إليه من العطش، فنزل فدعا فلانا - كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوف - ودعا عليا، فقال: " اذهبا فابتغيا الماء " فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوفا، فقالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء، ففرغ فيه من أفواه [ ص: 71 ] المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: " اذهب فأفرغه عليك ". وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله، لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجمعوا لها "، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها. قال لها: " تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا، ولكن الله هو الذي أسقانا " فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب ! لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء - تعني السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يوما لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام .

قال أبو عبد الله: صبأ: خرج من دين إلى غيره.

وقال أبو العالية: الصابئون: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.

التالي السابق


فوائد هذا الحديث كثيرة جدا، ونحن نشير إلى مهماتها إشارة لطيفة - إن شاء الله تعالى:

فأما قوله: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظه أحد حتى يكون هو يستيقظ ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه "، فالمراد: أنه صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه في نومه [ ص: 72 ] كما يوحى إليه في يقظته، ورؤيا الأنبياء وحي، ولهذا كانت تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فكانوا يخشون أن يقطعوا عليه الوحي إليه بإيقاظه.

ولا تنافي بين نومه حتى طلعت الشمس وبين يقظة قلبه ; فإن عينيه تنامان، والشمس إنما تدرك بحاسة البصر لا بالقلب.

وقد يكون الله عز وجل أنامه حتى يسن لأمته قضاء الصلاة بعد فوات وقتها بفعله، فإن ذلك آكد من تعليمه له بالقول، وقد ورد التصريح بهذا من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم الصبح ذلك اليوم بعد طلوع الشمس وانصرف قال: " إن الله عز وجل لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم " خرجه الإمام أحمد وغيره.

وهذا يشبه ما ذكره مالك في " الموطأ " أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إنما أنسى لأسن.

وقوله: " ما أيقظنا إلا حر الشمس " يدل على أن الشمس كانت قد ارتفعت وزال وقت النهي عن الصلاة ؛ لأن حرها لا يكاد يوجد إلا بعد ذلك، ففي هذا دليل على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت النهي عن الصلاة، بل كان تباعدا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطان، كما جاء التصريح به في حديث آخر.

ولكن في " صحيح مسلم " في هذا الحديث - أعني: حديث عمران بن حصين أنهم ناموا حتى بزغت الشمس وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال: " ارتحلوا " فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة.

[ ص: 73 ] كذا خرجه من رواية سلم بن زرير ، عن أبي رجاء ، وفي سياقه بعض مخالفة لرواية عوف ، عن أبي رجاء التي خرجها البخاري ، وفيه: أنه كان أول من استيقظ أبو بكر - رضي الله عنه.

وقوله: " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء فتوضأ " يدل على أن من معه ماء وكان في مفازة فإنه يتوضأ منه، ولا يتيمم ويحبسه خشية أن يبتلى هو أو أحد من رفقته بعطش.

ويدل على هذا: أن عمران ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم وسار شكا الناس إليه العطش.

وفي رواية سلم المشار إليها: قال عمران : ثم عجلني في ركب بين يديه، نطلب الماء وقد عطشنا عطشا شديدا - وذكر الحديث، وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم لم يخش على نفسه عطشا، فإن من خاف على نفسه العطش ومعه ماء يسير فإنه يتيمم ويدعه لشربه.

وقد روى عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: إذا كنت مسافرا وأنت جنب أو أنت على غير وضوء فخفت إن توضأت أن تموت من العطش فلا توضأ، واحبسه لنفسك.

خرجه الأثرم .

وخرج الدارقطني من طريق عطاء بن السائب ، عن زاذان ، عن علي في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش، قال: يتيمم ولا يغتسل.

[ ص: 74 ] قال الإمام أحمد : عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحبسون الماء لشفاههم ويتيممون. ونص على أنه لو رأى قوما عطاشا ومعه إداوة من ماء، أنه يسقيهم الماء ويتيمم.

واختلف أصحابنا: هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ على وجهين، أصحهما: أنه للوجوب، وهو قول الشافعية.

فهذا الحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم لم يخف على نفسه عطشا، ولم يجد قوما عطاشا في الحال، فلذلك توضأ بالماء ولم يتيمم، ويدل على أنه لا يحبس الماء لخوف عطش يحدث لرفقته.

ولم ينص أحمد على حبس الماء خشية عطش يحدث لرفقته، وإنما قاله أصحابه متابعة لأصحاب الشافعي ، وقالوا: هل حبس الماء لعطش غيره المتوقع واجب أو مستحب؟ فيه وجهان، قالوا: وظاهر كلام أحمد أنه مستحب غير واجب ؛ لأن حاجة الغير هنا متوقعة وحاجته للطهارة حاضرة، وقد ترجحت بكونه مالكا، ولهذا قدمنا نفقة الخادم على نفقة الوالدين، وإن كانت حاجتهما إلى النفقة أشد من حاجة نفسه إلى الخدمة ؛ تقديما لنفسه على غيره.

قلت: وحديث عمران يدل على أنه لا يستحب - أيضا - بل يقدم الوضوء على عطش الرفيق المتوقع، فإنه لو كان ذلك أفضل من الوضوء لحبس النبي صلى الله عليه وسلم الماء وتيمم، فإنه كان معه خلق من أصحابه، وكان الماء معهم قليلا جدا، ولهذا شكوا إليه العطش عقيب ذلك عند اشتداد حر الشمس وارتفاع النهار، وكان الماء منهم بعيدا.

وقد أشار إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجويني من الشافعية، وخالف أصحابه فيما ذكروه من حبس الماء لعطش رفقته المتوقع، وهذا هو الذي دلت عليه هذه السنة الصحيحة، والله أعلم.

[ ص: 75 ] وفي الحديث: دليل على أن الفوائت يؤذن لها وتصلى جماعة .

وقوله صلى الله عليه وسلم للذي لم يصل مع القوم: " ما منعك أن تصلي مع القوم؟ " قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: " عليك بالصعيد، فإنه يكفيك " فيه دليل على التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد من الماء.

ولهذه الكلمة خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب، وجعله دليلا له على إقامة التيمم مقام الطهارة بالماء عند عدم الماء، فيؤخذ من هذا أنه يصلى به كما يصلى بالماء، كما هو اختيار البخاري ومن قال بقوله من العلماء.

وفيه دليل على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم، ولم يأمره بالطلب، ولا بسؤال رفقته.

وقد ذهب ابن حامد من أصحابنا إلى أنه لا يلزمه سؤال رفقته، وإن قلنا: يلزمه الطلب، وأنه إنما يلزمه طلبه في رحله وما قرب منه إذا احتمل وجود الماء، والمنصوص عن أحمد : أن عليه أن يطلبه في رفقته.

وفي رواية مسلم المشار إليها فيما تقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: " يا فلان ما منعك أن تصلي معنا؟ " قال: يا نبي الله، أصابتني جنابة. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتيمم بالصعيد، فصلى.

وفي الحديث - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الماء أعطاه ماء وأمره أن يغتسل به، وهذا مثل قوله في حديث أبي ذر : " فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك " وفيه رد على أبي سلمة في قوله: إنه لا غسل عليه، كما سبق.

وقول تلك المرأة: " ونفرنا خلوفا ".

قال الخطابي : النفر الرجال، والخلوف الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا [ ص: 76 ] النساء والأثقال، يقال: أخلف الرجل واستخلف إذا استقى الماء.

قال: ويقال لكل من خرج من دين إلى دين آخر: صابئ - بالهمز، وأما: صبا يصبو بلا همز فمعناه: مال.

قال: والعزالي جمع عزلاء، وهي عروة المزادة، يخرج منها الماء بسعة.

وقال غيره: العزلاء: فم المزادة الأسفل، وتجمع على عزالي وعزالى - بكسر اللام وفتحها - كالصحاري والعذاري.

قال: والصرم: النفر النازلون على ماء، وتجمع على أصرام، فأما الصرمة - بالهاء - فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين عددا.

قال: وقوله: " ما رزئناك " أي: ما نقصناك، ولا أخذنا منك شيئا.

قلت: وفي الحديث معجزة عظيمة، وعلم من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بتكثير الماء القليل ببركته، وإرواء العطاش منه، واستعمالهم وأخذهم منه في قربهم، من غير أن ينقص الماء المأخوذ منه شيئا، ولذلك قال للمرأة: " ما رزئناك من مائك شيئا، وإنما سقانا الله عز وجل ".

وفي رواية مسلم المشار إليها في هذا الحديث: " فأمر براويتها فأنيخت، فمج في العزلاوين العلياوين، ثم بعث براويتها فشربنا، ونحن أربعون رجلا عطاشا حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، وغسلنا صاحبنا، غير أنا لم نسق بعيرا وهي تكاد تنضرج من الماء " - يعني: المزادتين - وذكر بقية الحديث.

وإنما لم يستأذن المرأة أولا في الشرب من مائها والأخذ منه ؛ لأن انتفاعهم إنما كان بالماء الذي أمده الله بالبركة، لم يكن من نفس مائها، ولذلك قال: " ما رزئناك من مائك شيئا، وإنما سقانا الله ".

ونظير هذا: أن جابرا صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما يسيرا في عام الخندق، وجاء [ ص: 77 ] إلى النبي صلى الله عليه وسلم فساره بذلك، وقال له: تعال أنت في نفر معك، فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أهل الخندق ، إن جابرا قد صنع لكم سورا، فحي هلا بكم " ثم جاء بهم جميعا، فأكلوا حتى شبعوا، والطعام بحاله.

فإن أكل أهل الخندق إنما كان مما حصلت فيه البركة بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم هو الداعي لأهل الخندق كلهم إلى الطعام في الحقيقة، فلذلك لم يحتج في استئذان جابر في ذلك.

وهذا بخلاف ما جرى لأبي شعيب اللحام لما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وجلساءه، فلما قاموا تبعهم رجل لم يكن معهم حين دعوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب المنزل: إنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل فأذن له فدخل.

وقد خرجاه في " الصحيحين " بمعناه من حديث أبي مسعود ، فإن ذلك اليوم لم يحصل فيه ما حصل في طعام جابر وماء المرأة المشركة - والله سبحانه وتعالى أعلم - فإن غالب ما كان يقع منه صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام والشراب في أوقات الحاجة العامة إليه.

وفي حديث عمران - أيضا - دليل على جواز استعمال ماء المشركين الذين في قربهم ونحوها من أوعية الماء المعدة له، وقد سبق الكلام على ذلك في " كتاب الوضوء ".

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث