الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

583 6 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى.

التالي السابق


مطابقته للترجمة من حيث هروب الشيطان عن الأذان فإن الأذان لو لم يكن له فضل عظيم يتأذى منه الشيطان لم يهرب منه فمن حصول هذا الفضل للتأذين يحصل أيضا للمؤذن فإنه لا يقوم إلا به.

(ذكر رجاله): وهم خمسة قد ذكروا غير مرة وأبو الزناد بالزاي والنون المخففة واسمه عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز .

وأخرجه أبو داود في الصلاة، عن القعنبي، عن مالك، وأخرجه النسائي أيضا فيه عن قتيبة، عن مالك .

(ذكر معناه) قوله: ( إذا نودي للصلاة ) أي: إذا أذن لأجل الصلاة، وفي رواية أبي داود والنسائي (إذا نودي بالصلاة) وقال بعضهم: ويمكن حملها على معنى واحد وسكت على هذا ولم يبين وجه الحمل ما هو قلت: تكون الباء للسببية كما في قوله تعالى: فكلا أخذنا بذنبه أي: بسبب ذنبه وكذلك المعنى هاهنا بسبب الصلاة ومعنى التعليل قريب من معنى السببية. قوله: ( أدبر الشيطان ) الإدبار نقيض الإقبال يقال: دبر وأدبر إذا ولى والألف واللام في الشيطان للعهد والمراد الشيطان المعهود. قوله: (له ضراط) جملة اسمية وقعت حالا والأصل فيها أن تكون بالواو وقد تقع بلا واو نحو كلمته فوه إلى في، ووقع في رواية الأصيلي بالواو على الأصل وكذا وقع للبخاري في بدء الخلق، وقال عياض : يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم منفذ يصح منه خروج الريح قلت: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من خرقه أمر عظيم واعتراه خطب جسيم حتى لم يزل يحصل له الضراط من شدة ما هو فيه لأن الواقع في شدة عظيمة من خوف، وغيره تسترخي مفاصله ولا يقدر على أن يملك نفسه فينفتح منه مخرج البول والغائط، ولما كان الشيطان لعنه الله يعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة فيهرب حتى لا يسمع الأذان شبه حاله بحال ذلك الرجل وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثم ضراط، ولكن يجوز أن يكون له ريح لأنه روح ولكن لم تعرف كيفيته، وقال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطا تقبيحا له فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ولا يهرب من قراءة القرآن وهي [ ص: 112 ] أفضل من الأذان قلت: إنما يهرب من الأذان حتى لا يشهد بما سمعه إذا استشهد يوم القيامة لأنه جاء في الحديث (لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) والشيطان أيضا شيء أو هو داخل في الجن لأنه من الجن فإن قلت: الشيطان ليس بأهل للشهادة لأنه كافر، والمراد من الحديث يشهد له المؤمنون من الجن والإنس قلت: إنه يدبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصلاة وفيها القرآن ومناجاة الحق؟ قلت: هروبه من الأذان ليأسه من الوسوسة كما ذكرناه، وفي الصلاة يفتح له أبواب الوساوس. قوله: (حتى لا يسمع التأذين) الظاهر أن هذه الغاية لأجل إدباره، وقال بعضهم: ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عند سماع المؤذن، وإما أنه يصنع ذلك استخفافا كما يفعله السفهاء قلت: الظاهر كما ذكرنا لأنه وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: حتى يكون مكان الروحاء، وحكى الأعمش، عن أبي سفيان رواية عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلا.

قوله: ( فإذا قضي النداء ) بضم القاف على صيغة المجهول أسند إلى فاعله وهو النداء القائم مقام المفعول وروي على صيغة المعلوم، ويكون الفاعل هو الضمير فيه وهو المؤذن والنداء منصوب على المفعولية، والقضاء يأتي لمعان كثيرة وهاهنا بمعنى الفراغ تقول: قضيت حاجتي أي: فرغت منها أو بمعنى الانتهاء قوله: ( أقبل ) زاد مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة (فوسوس) قوله: ( حتى إذا ثوب بالصلاة ) بضم الثاء المثلثة وتشديد الواو المكسورة أي: حتى إذا أقيم للصلاة والتثويب هاهنا الإقامة والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم حسب، ومعنى التثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه فيديره عند أمر يرهقه من خوف أو عدو ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به صوت، وإنما سميت الإقامة تثويبا لأنه عود إلى النداء من ثاب إلى كذا إذا عاد إليه، وقال القرطبي : ثوب بالصلاة أي أقام لها، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان وكل مردد صوتا فهو مثوب، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة (فإذا سمع الإقامة ذهب) قوله: ( حتى يخطر ) بضم الطاء وكسرها، وقال عياض : ضبطناه من المتقنين بالكسر وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه ومعناه يوسوس من قولهم خطر الفحل بذنبه إذا حركه يضرب به فخذيه، وأما الضم فمن المرور أي يدنو منه فيما بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه وبهذا فسره السراج وبالأول فسره الخليل، وقال الباجي : فيحول بين المرء وما يريد يحاول من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه قال الهجري في نوادره: يخطر بالكسر في كل شيء وبالضم ضعيف. قوله: ( بين المرء ونفسه ) أي: قلبه وكذا وقع للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق وبهذا التفسير يحصل الجواب عما قيل كيف يتصور خطوره بين المرء ونفسه وهما عبارتان عن شيء واحد وقد يجاب بأن يكون تمثيلا لغاية القرب منه. قوله: ( اذكر كذا اذكر كذا ) هكذا هو بلا واو العطف في رواية الأكثرين، ووقع في رواية كريمة بواو العطف (اذكر كذا واذكر كذا) وكذا في رواية مسلم وللبخاري أيضا في صلاة السهو وزاد مسلم في رواية عبد ربه، عن الأعرج (فهناه ومناه وذكره من حاجته ما لم يكن يذكر) قوله: ( لما لم يذكر ) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، وفي رواية لمسلم: (لما لم يذكر من قبل) قوله: ( حتى يظل الرجل ) بفتح الظاء أي: حتى يصير الرجل ما يدري كم صلى من الركعات، ورواية الجمهور بالظاء المشالة المفتوحة، ومعناه في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا لكنها هاهنا بمعنى يصير كما في قوله تعالى: ظل وجهه وقيل: معناه يبقى ويدوم ووقع عند الأصيلي (يضل) بالضاد المكسورة أي: ينسى ويذهب وهمه ويسهو قال الله تعالى: أن تضل إحداهما وقال ابن قرقول، وحكى الداودي أنه روي يضل، ويضل من الضلال وهو الحيرة قال: والكسر في المستقبل أشهر وقال القشيري : ولو روى هذا الرجل حتى يضل الرجل لكان وجها صحيحا يريد حتى يضل الشيطان الرجل عن درايته كم صلى قال: لا أعلم أحدا رواه لكنه لو روي لكان وجها صحيحا في المعنى غير خارج عن مراد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية للبخاري في صلاة السهو: (إن يدري كم صلى) وكذا في رواية أبي داود وكلمة إن بالكسر نافية بمعنى ما يدري قال القاضي عياض : وروي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البر وادعى أنها رواية أكثرهم وكذا ضبطه الأصيلي في [ ص: 113 ] كتاب البخاري، والصحيح الكسر. قلت: الفتح إنما يتوجه على رواية يضل بالضاد فيكون أن مع الفعل بعدها بتأويل المصدر أي يجهل درايته وينسى عدد ركعاته، فإن قلت: ثبت له الضراط في إدباره الأول ولم يثبت في الثاني! قلت: لأن الشدة في الأول تلحقه على سبيل الغفلة فيكون أعظم أو يكون اكتفى بذكره في الأول عن ذكره في الثاني.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه أن الأذان له فضل عظيم حتى يلحق الشيطان منه أمر عظيم كما ذكرناه، وكذلك المؤذن له أجر عظيم إذ كان أذانه احتسابا لله تعالى وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان : (المؤذن يغفر له مد صوته ويستغفر له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنة ويكفر عنه ما بينهما) وعند أحمد : (ويصدقه كل رطب ويابس سمعه) وعند أبي الشيخ : ( كل مدرة وصخرة سمعت صوته ) وفي كتاب الفضائل لحميد بن زنجويه من حديث أبي هريرة مرفوعا: (يكتب للمؤذن عند أذانه أربعون ومائة حسنة، وعند الإقامة عشرون ومائة حسنة) وفي كتاب أبي القاسم الجوزي، عن أبي سعيد وغيره: (ثلاثة يوم القيامة على كثب من مسك أسود لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب) الحديث، وفيه (رجل أذن ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله تعالى) وعند السراج عن أبي هريرة بسند جيد: ( المؤذنون أطول أعناقا لقولهم لا إله إلا الله ) وفي لفظ: (يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة) أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، وعند أبي الشيخ : (من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي كتاب الصحابة لأبي موسى من حديث كثير بن مرة الحضرمي مرفوعا: (أول من يكسى من حلل الجنة بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام والشهداء بلال وصالح المؤذنين) وفي كتاب شعب الإيمان للبيهقي من حديث أبي معاوية، عن أبي يعيش السكوني، عن عبادة بن نسي يرفعه: ( من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة) وعند أبي أحمد بن عدي من حديث عمر بن حفص العبدي وهو متروك، عن ثابت عن أنس ( يد الله تعالى على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه أو إنه ليغفر له مد صوته وأين بلغ ) زاد أبو الشيخ من حديث النعمان (فإذا فرغ قال الرب تعالى: صدقت عبدي وشهدت شهادة الحق فأبشر) وعند أبي الفرج : (يحشر المؤذنون على نوق من نوق الجنة يخاف الناس ولا يخافون ويحزن الناس ولا يحزنون) وعند أبي الشيخ من حديث أبي موسى : ( يبعث يوم الجمعة زاهرا منيرا وأهل الجنة محفوفون به كالعروس تهدى إلى بيت زوجها لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون ) وحديث جابر رضي الله تعالى عنه ( قيل يا رسول الله: من أول الناس دخولا الجنة؟ قال: الأنبياء ثم الشهداء ثم مؤذنو الكعبة ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو مسجدي هذا ثم سائر المؤذنين ) سندهما صالح وحديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ( دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ اللؤلؤ فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ فقال: للمؤذنين والأئمة من أمتك ) وقال أبو حاتم الرازي : هذا حديث منكر، وعند عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن عمار بن سعد المؤذن، عن صفوان بن سليم، عن أنس رفعه (إذا أذن في قرية أمنها الله تعالى من عذابه ذلك اليوم) وعند السراج بسند صحيح ( الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ) ومن هذا أخذ الشافعي أن الأذان أفضل من الإمامة وعندنا الإمامة أفضل لأنها وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومما يستفاد منه أن السهو الذي يحصل للمصلي في صلاته من وسوسة الشيطان.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث