الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل صلاة الفجر في جماعة

623 46 - حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام.

التالي السابق


مطابقته للترجمة تفهم من قوله: " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " بيان ذلك أنه بين فيه أن سبب أعظمية الأجر في الصلاة هو بعد الممشى، وهو المسافة وذلك لوجود المشقة فيه، وقد علم أن أفضل الأعمال أحمزها فكل صلاة توجد فيها المشقة من حيث بعد الممشى فهي أعظم أجرا وأفضل من الصلاة التي لا يوجد فيها ذلك، فينتج من ذلك أن صلاة الفجر إذا كان فيها بعد الممشى مع كونه عقيب النوم الذي فيه راحة للبدن مع مصادفة الظلمة أحيانا تكون أعظم أجرا وأفضل من غيرها، فبهذه الحيثية طابق هذا الحديث الترجمة.

(فإن قلت): تشاركها العشاء في ذلك مع دلالة آخر الحديث على ذلك.

(قلت): نعم تشاركها في وجود تلك المشقة، ولا تشاركها في الزيادة المذكورة، ولئن سلمنا أنها تشاركها مطلقا فلا يضر ذلك لأن المقصود هو مطابقة ما بين الحديث والترجمة، وهي موجودة بالطريق الذي ذكرناه، فهذا القدر فيه الكفاية ولا يحتاج إلى ما أكثره بعض الشراح من كلام فيه ما فيه من حرارة في القلب من الحسد.

(ذكر رجاله) وهم خمسة قد ذكروا بهذا الترتيب في باب من علم لكن ذكر أبو أسامة ثمة باسمه حماد وهاهنا بكنيته، وبريد بضم الباء الموحدة، وأبو بردة اسمه عامر وقيل: الحارث، يروي عن أبيه أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس.

والحديث أخرجه مسلم أيضا في الصلاة.

(ذكر معناه) قوله: " أجرا " نصب على التمييز.

قوله: " أبعدهم " بالرفع خبر المبتدإ أعني: قوله: " أعظم الناس ".

قوله: " فأبعدهم " الفاء فيه للاستمرار كما في قولهم الأمثل فالأمثل هكذا قاله الكرماني .

(قلت): لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء هاهنا للترتيب مع تفاوت من بعض الوجوه، وقال الزمخشري : للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال: أحدها أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله:


يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب

أي الذي صبح فغنم فآب. والثاني تدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه نحو قولك خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل. والثالث أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك نحو رحم الله المحلقين [ ص: 170 ] فالمقصرين وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى ثم كما في قوله تعالى: ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما فالفاءات فيها بمعنى ثم لتراخي معطوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء هاهنا بمعنى ثم بمعنى أبعدهم ثم أبعدهم.

قوله: " ممشى " بفتح الميم الأولى وسكون الثانية اسم مكان وهو منصوب على التمييز والمعنى أبعدهم مسافة إلى المسجد.

قوله: " من الذي يصلي " أعم من أن يكون مع جماعة أو وحده.

قوله: " ثم ينام " قال الكرماني : (فإن قلت): هذا التفضيل أمر ظاهر ضروري، فما الفائدة في ذكره؟

(قلت): معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخر الوقت أعظم أجرا من الذي يصليها في وقت الاختيار وحده أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها أيضا مع الإمام بدون انتظار؛ أي: كما أن بعد المكان مؤثر في زيادة الأجر كذلك طول الزمان لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدمة للجماعة.

(قلت): قد علم أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظار الصلاة وإقامتها مع الإمام، فإن وجد أحدهما دون الأخر فلا يحصل له ذلك، ويعلم من هذا أيضا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار لا يخلو عن أجر كما في تأخير الظهر إلى أن يبرد الوقت عند اشتداد الحر، وتأخير العصر إلى ما قبل تغير قرص الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، وتأخير الصبح إلى وقت الإسفار، ثم قال الكرماني أيضا: (فإن قلت): فما فائدة ثم ينام؟

(قلت): أشار إلى الاستراحة المقابلة للمشقة التي في ضمن الانتظار.

(ومما يستفاد منه) الدلالة على فضل المسجد البعيد لأجل كثرة الخطى، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله تعالى.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث