الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت

724 145 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ، فدخل رجل فصلى ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال : ارجع فصل فإنك لم تصل ، فرجع فصلى كما صلى ، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل ، ثلاثا ، فقال : والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره ، فعلمني ، فقال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، وافعل ذلك في صلاتك كلها

التالي السابق


مطابقته للترجمة تأتي بالاستئناس في الجزء السادس من الترجمة وهو قوله : " وما يخافت ; لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الرجل المذكور في هذا الحديث بالقراءة في صلاته ، وكانت صلاته نهارية لأن أصل صلاة النهار على الإسرار إلا ما خرج بدليل كالجمعة والعيدين ، وأصل صلاة الليل على الجهر ، فإن خالف فعليه سجود السهو عندنا ، خلافا للشافعي ، وقد مر الكلام فيه مستقصى ، وقال ابن بطال : ومن لم يوجب السجود في ذلك أشبه بدليل حديث أبي قتادة الآتي فيما بعد وكان يسمعنا الآية أحيانا ، وهو دال على القصد إليه والمداومة عليه ; فإنه لما كان الجهر والإسرار من سنن الصلاة ، وكان صلى الله عليه وسلم [ ص: 16 ] قد جهر في بعض صلاة السر ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم الصلاة إذا جهر فيها لأنه لو اختلف الحكم في ذلك لبينه ، ولا وجه لمذهب الكوفيين إذ لا حجة لهم فيه من كتاب ولا سنة ولا نظر ، قلت : جهره صلى الله عليه وسلم بالقراءة في حديث أبي قتادة إنما كان لبيان جواز الجهر في القراءة السرية ، فإن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو سنة ، ويحتمل أن الجهر بالآية كان بسبق اللسان للاستغراق في التدبر . قوله : " ولا وجه لمذهب الكوفيين" إلى آخره كلام واه ; لأن حجة الكوفيين في هذا الباب مواظبته صلى الله عليه وسلم في صلاة النهار على الإسرار ، وعلى الجهر في صلاة الليل في الفرائض ، وفي حديث إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام روى أنس أنه أسر في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء ، وأصل الحديث في سنن الدارقطني من حديث قتادة ، عن أنس رضي الله تعالى عنه ، وروى أبو داود في مراسيله عن الحسن في صلاة النبي خلف جبريل عليه السلام أنه أسر في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء ونحو ذلك ، وقال بعضهم : موضع الحاجة من حديث أبي هريرة هنا . قوله : " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " وكأنه أشار بإيراده عقيب حديث عبادة أن الفاتحة إنما تتحتم على من يحسنها ، وأن من لا يحسنها يقرأ ما تيسر عليه أو أن الإجمال الذي في حديث أبي هريرة يبينه تعيين الفاتحة في حديث عبادة انتهى ، قلت : هذا كلام بعيد عن المقصود جدا تمجه الأسماع ، فالبخاري وضع هذا الباب مترجما بترجمة لها ستة أجزاء ، وأورد حديث أبي هريرة هذا لأجل الجزء السادس كما ذكرنا ، فالوجه الأول الذي ذكره هذا القائل لا يناسب شيئا من الترجمة أصلا وهو كلام أجنبي ، والوجه الثاني أبعد منه لأنه ذكر أن في حديث أبي هريرة في قوله : " ثم اقرأ ما تيسر معك " إجمالا ، فليت شعري من قال إن حد الإجمال يصدق على هذا ، والمجمل هو ما خفي المراد منه لنفس اللفظ خفاء لا يدرك إلا ببيان من المجمل سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام كالمشترك أو لغرابة اللفظ كالهلوع أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم كالصلاة والزكاة والربا ، فانظر أيها المنصف النازح عن طريق الاعتساف هل يصدق ما قاله من دعوى الإجمال هنا ، وهل ينطبق ما ذكره الأصوليون في حد المجمل على ما ذكره فنسأل الله العصمة عن دعوى الأباطيل والوقوع في مهمة التضاليل .

ذكر رجاله : وهم ستة : الأول : محمد بن بشار بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة وقد تكرر ذكره ، الثاني : يحيى بن سعيد القطان ، الثالث : عبيد الله بن عمر العمري ، الرابع : سعيد المقبري ، الخامس : أبوه أبو سعيد واسمه كيسان الليثي الجندعي ، السادس : أبو هريرة .

ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه سعيد ، عن أبيه ، قال الدارقطني : خالف يحيى فيه جميع أصحاب عبيد الله ; لأن كلهم رووه عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، ولم يذكروا أباه ، وقال الترمذي : وروى ابن نمير هذا الحديث ، عن عبيد الله ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ولم يذكر فيه عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وقال أبو داود : حدثنا القعنبي ، أخبرنا أنس - يعني ابن عياض - وأخبرنا ابن المثنى قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، وهذا لفظ ابن المثنى قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فذكر الحديث ثم قال : قال القعنبي ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، وقال الدارقطني : يحيى حافظ يعتمد ما رواه ، فالحديث صحيح .

ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن مسدد ، وفيه وفي الاستئذان عن محمد بن بشار ، وأخرجه مسلم وأبو داود جميعا في الصلاة ، عن أبي موسى ، وأخرجه الترمذي ، عن محمد بن بشار به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن المثنى به ، وقال : خولف يحيى فقيل سعيد عن أبي هريرة ، وأما رواية سعيد عن أبي هريرة فأخرجها البخاري ، عن إسحاق بن منصور ، عن عبيد الله بن نمير في الاستئذان وأبي أسامة في الأيمان والنذور ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن نمير ، عن أبيه به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير به ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن أنس بن عياض به ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الله بن نمير به ، وأخرجه ابن ماجه فيه بتمامه وفي الأدب ببعضه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، وللحديث المذكور طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلهم عن علي بن أبي [ ص: 17 ] يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي ، عن أبيه ، عن عمه رفاعة بن رافع ، ومنهم من لم يسم رفاعة قال عن عم له بدري ، ومنهم من لم يقل عن أبيه ، ورواه النسائي والترمذي عن طريق يحيى بن علي بن يحيى ، عن أبيه ، عن جده ، عن رفاعة لكن لم يقل الترمذي ، وفيه اختلاف آخر .

ذكر معناه : قوله : " فدخل رجل " هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى أحد الرواة في حديث رفاعة بن رافع المذكور آنفا ، وفي رواية ابن نمير : " فدخل رجل ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس في ناحية المسجد " وفي رواية من رواية إسحاق بن أبي طلحة : " بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس ونحن حوله " ووقع في رواية الترمذي والنسائي " إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته " وهذا لا يمنع تفسيره بخلاد ; لأن رفاعة شبهه بالبدوي . قوله : " فصلى " قال الكرماني : أي الصلاة ، وليس المراد فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : وقع في رواية النسائي من رواية داود بن قيس ركعتين ، ولو اطلع الكرماني على هذا لم يقل : وليس المراد فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث يفسر بعضها بعضا . قوله : " فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام " وفي رواية له على ما يجيء " ثم جاء فسلم " قوله : “ فرد “ أي فرد النبي صلى الله عليه وسلم السلام ، وفي رواية ابن نمير في الاستئذان : فقال : وعليك السلام . قوله : " فقال : ارجع " ويروى : «وقال" بالواو ، وفي رواية ابن عجلان " فقال : أعد صلاتك " قوله : “ فرجع فصلى " بالفاء ، ويروى : فرجع يصلي ، بياء المضارع على أن الجملة حال منتظرة مقدرة . قوله : " ثلاثا” أي ثلاث مرات ، وفي رواية ابن نمير " فقال في الثالثة " وفي رواية أبي أسامة " فقال في الثانية أو الثالثة " والرواية التي بلا ترديد أولى . قوله : " فقال : والذي بعثك " ويروى " قال : والذي بعثك " بدون الفاء . قوله : " فعلمني " وفي رواية يحيى بن علي " فقال الرجل : فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ ، فقال : أجل " قوله : " فقال : إذا " ويروى : «قال" بدون الفاء . قوله : " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " وفي رواية ابن نمير : " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " وفي رواية يحيى بن علي " فتوضأ كما أمرك الله تعالى ثم تشهد وأقم " وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النسائي " إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده " وفي رواية أبي داود " ويثني عليه " بدل " ويمجده " قوله : “ ثم اقرأ ما تيسر معك " ويروى " بما معك " بزيادة الباء الموحدة ، ولم يختلف في هذا عن أبي هريرة ، وأما في حديث رفاعة ففي رواية إسحاق التي ذكرناها الآن " ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله " وفي رواية يحيى بن علي " فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله " وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود : "ثم اقرأ بأم القرآن أو بما شاء الله " وفي رواية أحمد وابن حبان : " ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت " قوله : “ ثم اركع حتى تطمئن راكعا “ أي حال كونك راكعا . قوله : " حتى تعتدل " وفي رواية ابن ماجه " حتى تطمئن قائما " قوله : “ وافعل ذلك “ أي المذكور من كل واحد من التكبير وقراءة ما تيسر والركوع والسجود والجلوس ، وفي محمد بن عمر : " ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة " قوله : “ في صلاتك كلها " يعني من الفرض والنفل .

ذكر ما يستنبط منه : وهو على وجوه : الأول : أن في قوله : " فرد " دليلا على وجوب رد السلام على المسلم ، وفيه رد على ابن المنير حيث قال فيه : إن الموعظة في وقت الحاجة أهم من رد السلام ، ولعله لم يرد عليه تأديبا على جهله فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك رد السلام ، قلت : الحامل له على ذلك عدم وقوفه على لفظه فرد لأن هذه اللفظة موجودة في الصحيحين في هذا الموضع ، أو كأنه اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب العمدة ، فإنه ساق هذا الحديث بلفظ هذا الباب وليس فيه لفظة فرد .

الثاني : قال عياض في قوله : " ارجع فصل فإنك لم تصل " أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ ، قلت : هذا الذي قاله إنما يمشي إذا كان المراد بالنفي نفي الإجزاء ، وليس كذلك ; بل المراد منه نفي الكمال لأنه صلى الله عليه وسلم قال في آخر الحديث في رواية القعنبي ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : " إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك " وقد سمى صلى الله عليه وسلم صلاته صلاة ، فدل على أن المراد من النفي نفي الكمال ، وقال بعضهم : ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة ، فدل على إجزائها وإلا لزم تأخير البيان ، ثم قال : وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه ، فكأنه [ ص: 18 ] قال له أعد صلاتك على هذه الكيفية انتهى ، قلت : إنما أمره بالإعادة على الكيفية الكاملة ، ولا يستلزم ذلك نفي ذات الصلاة ، فالنفي راجع إلى الصفة لا إلى الذات ، والدليل عليه أن صلاته لو كانت فاسدة لكان الاشتغال بذلك عبثا ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرر أحدا على الاشتغال بالعبث ، وهذا هو الذي ذكره المتأخرون من أصحابنا نصرة لأبي حنيفة ومحمد في ذهابهما إلى أن الطمأنينة في الركوع والسجود واجبة وليست بفرض ، حتى قال في الخلاصة : إنها سنة عندهما ، وقالوا : لأن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض لغة ، فتتعلق الركنية بالأدنى منهما ، وقالوا أيضا : قوله تعالى : اركعوا واسجدوا أمر بالركوع والسجود ، وهما لفظان خاصان يراد بهما الانحناء والانخفاض فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطلق عليه من ذلك ، وافتراض الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص وهو نسخ وذا لا يجوز ، وأما الطحاوي الذي هو العمدة في بيان اختلاف العلماء في الفقه فإنه لم ينصب الخلاف بين أصحابنا الثلاثة على هذا الوجه ، فإنه قال في شرح معاني الآثار : باب مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه ، ثم روى حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا قال أحدكم في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا ، فقد تم ركوعه ، وذلك أدناه ، وإذا قال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده ، وذلك أدناه " وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا ، وأراد به إسحاق وداود وأحمد في رواية مشهورة وسائر الظاهرية فإنهم قالوا : مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه هو المقدار الذي يقول فيه سبحان ربي العظيم سبحان ربي الأعلى ، كل واحد ثلاث مرات ، ثم قال : وخالفهم في ذلك آخرون ، وأراد بهم الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا ومالكا والشافعي وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية ، فإنهم قالوا : مقدار الركوع والسجود أن يركع حتى يستوي راكعا ، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجدا ، وهذا المقدار الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به ، ثم روى حديث رفاعة بن رافع في احتجاجهم فيما ذهبوا إليه ، ثم في آخر الباب قال : وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، ولم ينصب الخلاف بينهم مثل ما نصبه صاحب الهداية والمبسوط والمحيط وغيرهم ،

إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام

وعن هذا أجبت عما قاله شراح الهداية في هذا الموضع في شرحنا له ، فمن أراد ذلك فليرجع إليه .

الثالث : أن قوله : " فكبر " يدل على أن الشروع في الصلاة لا يكون إلا بالتكبير ، وهو فرض بلا خلاف .

الرابع : أن قوله : " ثم اقرأ " يدل على أن القراءة فرض في الصلاة .

الخامس : قوله : " ما تيسر " يدل على أن الفرض مطلق القراءة وهو حجة لأصحابنا على عدم فرضية قراءة الفاتحة إذ لو كانت فرضا لأمره صلى الله عليه وسلم لأن المقام مقام التعليم ، وقال الخطابي : قوله : " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " ظاهره الإطلاق والتخيير ، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها ، لا يجزيه غيرها بدليل قوله : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وهذا في الإطلاق كقوله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ثم قال : أقل ما يجزئ من الهدي معينا معلوم المقدار ببيان السنة وهو الشاة ، قلت : يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلا على حسب اختياره بكلام ينقض أوله آخره حيث اعترف أولا أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير ، وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه ، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه إجمال ، وقوله: وهذا في الإطلاق كقوله تعالى ، إلى آخر ، ظاهر الفساد لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم ، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم ، وفيه إجمال ، وأقل ما يجزئ شاة ، فيكون مرادا بالسنة بخلاف قوله : " ما تيسر معك من القرآن " فإنه ليس كذلك لأنه يتناول كل ما يطلق عليه القرآن فيتناول الفاتحة وغيرها ، وليس فيه إجمال ، وتخصيصه بفاتحة الكتاب من غير مخصص ترجيح بلا مرجح ، وهو باطل ، ولا يجوز أن يكون قوله : “ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " مخصصا لأنه ينافي معنى التيسر فينقلب إلى تعسر ، وهذا باطل ، ولا يجوز أن يكون مفسرا لأنه ليس فيه إبهام ، ومن قال إنه مجمل كالتيمي وغيره ، وحديث عبادة مفسر والمفسر قاض على المجمل ، فقد أبعد جدا لأنه لا يصدق عليه حد الإجمال كما ذكرنا عن قريب ، و قال النووي : أما حديث : " اقرأ ما تيسر " فمحمول على الفاتحة فإنها متيسرة ، أو على ما زاد على الفاتحة بعدها أو على من عجز عن الفاتحة ، قلت : هذا تمشية لمذهبه بالتحكم ، وكل هذا خارج عن معنى كلام الشارع ، أما قوله : فالفاتحة متيسرة ، فلا يدل عليه تركيب الكلام أصلا ; لأن ظاهره يتناول الفاتحة وغيرها مما ينطلق عليه اسم [ ص: 19 ] القرآن وسورة الإخلاص أكثر تيسرا من الفاتحة ، فما معنى تعيين الفاتحة في التيسر ، وهذا تحكم بلا دليل ، وأما قوله : أو على ما زاد على الفاتحة ، فمن أين يدل ظاهر الحديث على الفاتحة حتى يكون قوله : “ ما تيسر " دالا على ما زاد على الفاتحة ، ومع هذا إذا كان مأمورا بما زاد على الفاتحة يجب أن تكون تلك الزيادة أيضا فرضا مثل قراءة الفاتحة ، ولم يقل به الشافعي ، وأما قوله : أو على من عجز عن الفاتحة ، فحمله عليه غير صحيح لأنه ما في الحديث شيء يدل عليه ، وفي حديث رفاعة بن رافع : " ثم اقرأ إن كان معك قرآن ، فإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وكبر وهلل " كذا في رواية الطحاوي ، وفي رواية الترمذي : " فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله " وكيف يحمل قوله : “ اقرأ ما تيسر " على من عجز عن الفاتحة ، وقد بين صلى الله عليه وسلم حكم العاجز عن القراءة مستقلا برأسه .

السادس : في قوله : " حتى تطمئن " في الموضعين يدل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود .

السابع : قال الخطابي في قوله : " وافعل ذلك في صلاتك كلها " دليل على أن عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة ، وقال أصحاب الرأي : إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ ، وإن شاء أن يسبح سبح ، وإن لم يقرأ فيهما شيئا أجزأته ، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال : يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين ، من طريق الحارث عنه ، وقد تكلم الناس في الحارث قديما وطعن فيه الشعبي ورماه بالكذب ، وتركه أصحاب الصحيح ، ولو صح ذلك عن علي لم يكن حجة ; لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم : أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ما اتبع فيه ، بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله بن أبي رافع أنه كان يأمر أن يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب انتهى ، قلت : إن سلمنا أن قوله ذلك دل على أن يقرأ في كل ركعة فقد دل غيره أن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين ; بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال : شكا أهل الكوفة سعدا ، الحديث وفيه : " وأحذف في الأخريين " أي أحذف القراءة في الأخريين ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في هذا الباب ، وتفسيرهم بقولهم أقصر القراءة ولا أحذفها خلاف الظاهر ، وإن طعنوا في الرواية عن علي من طريق الحارث ، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن أبي رافع قال : كان علي يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة ، ولا يقرأ في الأخريين ، وهذا إسناد صحيح ، وهذا ينافي قول الخطابي ; بل قد ثبت عن علي رضي الله تعالى عنه من طريق عبيد الله الخ ، وقوله : لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه غير مسلم لأنه روي عن ابن مسعود مثله على ما روى ابن أبي شيبة قال : حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن علي وعبد الله أنهما قالا : قرأ في الأوليين وسبح في الأخريين ، وكذا روي عن عائشة ، وكذا روي عن إبراهيم وابن الأسود ، وفي التهذيب لابن جرير الطبري ، وقال حماد : عن إبراهيم ، عن ابن مسعود أنه كان لا يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر شيئا ، وقال هلال بن سنان : صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد فسمعته يسبح ، وروى منصور ، عن جرير ، عن إبراهيم قال : ليس في الركعتين الأخريين من المكتوبة قراءة سبح الله واذكر الله ، وقال سفيان الثوري : اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب أو سبح فيهما بقدر الفاتحة أي ذلك فعلت أجزأك ، وإن سبح في الأخريين أحب إلي ، فإن قلت : لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات كالنية والقعدة الأخيرة وترتيب الأركان ، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإصابة لفظة السلام ، قلت : قيل في جوابه : لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا الرجل ، فلذلك لم يبينها ، قيل : يجوز أن يكون الراوي اختصر ذكر هذه الأشياء لأن المقام مقام التعليم ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولهذا قال الرجل في حديث رفاعة فيما رواه الترمذي : " فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ " وقوله : “ علمني " يتناول جميع ما يتعلق بالصلاة من الواجبات القولية والفعلية ، قلت : فيه تأمل ، وقال ابن دقيق العيد : تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه ، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر ، أما الوجوب فلتعلق الأمر به ، وأما عدمه فليس لمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لكون الباب موضع تعليم وبيان للجاهل ، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر انتهى ، قلت : إنما يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر أن لو لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم جميع الواجبات التي في الصلاة ، والذي لم [ ص: 20 ] يذكره ظاهرا ، أما اعتمادا على العلم بوجوبه قبل ذلك أو هو اختصار من الراوي كما قيل ، وقد ذكرناه على أنا نقول إذا جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث تقدم ويعمل بها .

الثامن : فيه وجوب الإعادة على من يخل بشيء من الأركان واستحباب الإعادة على من يخل بشيء من الواجبات للاحتياط في باب العبادات .

التاسع : فيه أن الشروع في النافلة ملزم لأن الظاهر أن صلاة ذلك الرجل كانت نافلة .

العاشر : فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

الحادي عشر : فيه حسن التعليم بالرفق دون التغليظ والتعنيف .

الثاني عشر : فيه إيضاح المسألة وتلخيص المقاصد .

الثالث عشر : فيه جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه .

الرابع عشر : فيه التسليم للعالم والانقياد له .

الخامس عشر : فيه الاعتراف بالتقصير والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ .

السادس عشر : فيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ولطف معاشرته مع أصحابه .

السابع عشر : قال عياض : فيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمى قرآنا ، قلت : هذا الخلاف مبني على أن القرآن اسم للمعنى فقط أو للنظم والمعنى جميعا ، فمن ذهب إلى أنه اسم للمعنى احتج بقوله تعالى : وإنه لفي زبر الأولين ولم يكن القرآن في زبر الأولين بلسان العرب ، وقوله : “ لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمى قرآنا فيه نظر ; لأن التوراة الذي أنزله الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام يطلق على أنه قرآن وهو ليس بلسان العرب ، وكذلك الإنجيل والزبور ; لأن القرآن كلام الله تعالى قائم بذاته لا يتجزأ ولا ينفصل عنه غير أنه إذا نزل بلسان العرب سمي قرآنا ، ولما نزل على موسى عليه السلام سمي توراة ، ولما نزل على عيسى عليه الصلاة والسلام سمي إنجيلا ، ولما نزل على داود سمي زبورا ، واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات .

الثامن عشر : فيه أن المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له وإن لم يسأله عنه ، ويكون ذلك منه نصيحة له وزيادة خير .

التاسع عشر : فيه استحباب صبر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على من ينكر فعله أو يأمره بفعله لاحتمال نسيان فيه أو تعقله فيتذكره ، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ .

العشرون : السؤال الوارد فيه وهو أنه صلى الله عليه وسلم كيف سكت عن تعليمه أولا ؟ فقال التوربشتي : إنما سكت عن تعليمه أولا لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي ، وكأنه اغتر بما عنده من العلم فسكت عن تعليمه زجرا له وتأديبا وإرشادا إلى استكشاف ما استبهم عليه ، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشده إليه ، وقال النووي : إنما لم يعلمه أولا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة ، وقال ابن الجوزي : يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه ، ورأى أن الوقت لم يفته فأراد إيقاظ الفطنة للمتروك ، وقال ابن دقيق العيد : ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقا ; بل لا بد من انتفاء الموانع ، ولا شك أن في زيادة قبول التعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعلم لا سيما مع عدم خوف الفوات إما بناء على ظاهر الحال أو بوحي خاص .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث