الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1484 152 - حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت، فأتيت امرأة من قومي فمشطتني، أو غسلت رأسي، فقدم عمر رضي الله عنه، فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، قال الله: وأتموا الحج والعمرة لله وإن نأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحل حتى نحر الهدي.

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله: (أهللت بإهلال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم).

(ذكر رجاله): وهم خمسة:

الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد.

الثاني: سفيان الثوري.

الثالث: قيس بن مسلم -بلفظ الفاعل من الإسلام - الجدلي.

الرابع: طارق [ ص: 188 ] ابن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي، وقد مر في باب زيادة الإيمان.

الخامس: أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس.

(ذكر لطائف إسناده): فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين.

وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع.

وفيه القول في موضع واحد.

وفيه أن شيخه من أفراده، وأصله من دمشق، والثلاثة الذين بعده كوفيون.

وفيه قيس بن مسلم، عن طارق، وفي رواية أيوب بن عائد في المغازي عن قيس بن مسلم سمعت طارق بن شهاب.

وفيه طارق عن أبي موسى. وفي رواية أيوب المذكور: حدثني أبو موسى.

وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي موسى وبندار به. وعن عبد الله بن معاذ. وعن إسحاق بن منصور، وعبد بن حميد.

وأخرجه النسائي فيه عن أبي موسى. وعن محمد بن عبد الأعلى.

(ذكر معناه):

قوله: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن) كان بعثه صلى الله عليه وسلم إياه إلى اليمن في السنة العاشرة من الهجرة قبل حجة الوداع.

وعن أبي بردة، قال: (بعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما إلى اليمن، وبعث كل واحد منهما على مخلاف) قال: واليمن مخلافان، والمخلاف بكسر الميم في اليمن كالرستاق في العراق، وجمعه مخاليف.

قوله: (وهو بالبطحاء) الواو في وهو للحال، والبطحاء بطحاء مكة، وهو المحصب، وهو في الأصل مسيل واديها، وبطحاء الوادي حصاة اللين في بطن المسيل، قال أبو عبيد: هو من حديد خيف بني كنانة، وحده من الحجون ذاهبا إلى منى، وفي رواية شعبة، عن قيس الآتية في (باب متى يحل المعتمر) وهو منيخ، أي: نازل بها.

قوله: (فأمرني فطفت) وفي رواية شعبة (طف بالبيت وبالصفا والمروة).

قوله: (فأحللت) من أحل يحل إحلالا، ومعناه خرجت من الإحرام.

قوله: (فأتيت امرأة من قومي) وفي رواية شعبة (امرأة من قيس) وليس المراد منه قيس غيلان; لأنه لا نسبة بينهم وبين الأشعريين، ولكن المراد منه أبوه قيس بن سليم، والدليل عليه رواية أيوب بن عائد (امرأة من بني قيس) وهو أبو أبي موسى.

وقال بعضهم: وكانت المرأة زوجة بعض إخوة أبي موسى رضي الله تعالى عنه، وكان له من الإخوة أبو رهم، وأبو بردة، ومحمد.

(قلت): قال الكرماني: "فأتيت امرأة" محمول على أن هذه المرأة كانت محرما له، وامرأة الأخ ليست بمحرم، فالصواب مع الكرماني، فيحمل حينئذ على أن المرأة كانت بنت بعض إخوته.

قوله: (أو غسلت رأسي) بالشك، وفي رواية مسلم (وغسلت) بواو العطف.

قوله: (فقدم عمر رضي الله تعالى عنه) لم يكن قدوم عمر رضي الله تعالى عنه في تلك الحجة على ما يفهم من ظاهر الكلام، بل المراد من قدومه ما كان في خلافته) اختصره البخاري، وبسطه مسلم، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال: (قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: حججت، فقلت نعم، فقال: بم أهللت؟ قلت: لبيت بإهلال كإهلال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: فقد أحسنت طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس فغسلت رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به الناس حتى كان في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له رجل: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس رويدك بعض فتياك! فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس من كنا أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا، قال: فقدم عمر رضي الله تعالى عنه، فذكرت له ذلك، فقال: إن نأخذ بكتاب الله تعالى فإن كتاب الله تعالى يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى يبلغ الهدي محله).

وأخرجه النسائي، وفي لفظه: (فكنت أفتي الناس بذلك إمارة أبي بكر، وإمارة عمر رضي الله تعالى عنهما، وإني لقائم بالموسم، إذ جاءني رجل، فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك) الحديث.

قوله: (به) في رواية مسلم، وبذلك في رواية النسائي، أي: بفسخ الحج إلى العمرة.

قوله: (رويدك بعض فتياك) ويروى (رويد بعض فتياك) ورويد اسم فعل، ومعناه أمهل.

قوله: (فليتئد) أي: فليتأن وليصبر، من اتأد إذا تأنى، وأصله من تئد يتأد تأدا.

قوله: (إن نأخذ) بنون الجماعة ظاهر، وهذا من عمر إنكار فسخ الحج إلى العمرة، وإتمام الحج، واحتج بالآية، وهي قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله أمر الله تعالى بإتمام أفعالهما بعد الشروع فيهما.

وعن علي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس، وأتموا الحج والعمرة لله أن يحرم من دويرة أهله.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر رضي الله تعالى [ ص: 189 ] عنه قال في قول الله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله قال: من تمامها أن يفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: الحج أشهر معلومات

قوله: (فإنه) أي: فإن النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: (لم يحل) أي: لم يخرج من إحرامه حتى نحر الهدي في منى.

(ذكر ما يستفاد منه): فيه الدلالة على جواز الإحرام المعلق، وبه أخذ الشافعي، وقد ذكرناه مع الجواب عنه.

وفيه فسخ الحج إلى العمرة، ونهي عمر رضي الله تعالى عنه عن المتعة.

وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر رضي الله تعالى عنه فسخ الحج إلى العمرة.

وقيل: ونهى عمر عن العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها.

وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم بناء على أن الفسخ كان خاصا بتلك السنة.

وقال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة.

وقيل: علة كراهة عمر المتعة أن يكون معرسا بالمرأة، ثم يشرع في الحج ورأسه يقطر، وذلك أنه كان من رأيه عدم الترفه للحاج بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمر الميل إلى ذلك، بخلاف من بعد عهده منهن، ويدل على ذلك ما رواه مسلم، عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة، فقال رجل: "رويدك ببعض فتياك! فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين بعد" حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قد علمت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد فعله، وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم.

وفيه حجة لأبي حنيفة وأحمد من أن المعتمر إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر.

وقال مالك، والشافعي: إنه إذا طاف، وسعى، وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هديا أم لا، والحديث حجة عليهما.

(فإن قلت): كيف أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى في هذا الحديث بالإحلال، ولم يأمر عليا رضي الله تعالى عنه، والحال أن كلا منهما قال: إهلالي كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم.

(قلت): لأن أمره لأبي موسى بالإحلال على معنى ما أمر به غيره بالفسخ بالعمرة لمن ليس معه هدي.

وأمره لعلي رضي الله تعالى عنه أن يهدي، ويمكث حراما: إما لأنه -والله تعالى أعلم- كان معه هدي، أو قد يكون قد اعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهدي عنه، أو يكون خصه بذلك، أو لما كان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بسوق هذه البدن من اليمن، فكان كمن معه هدي، ولا يظن أن هذه البدن من السعاية والصدقة بوجه؛ إذ لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم الصدقة، ولا يهدى منها، والأشبه أن عليا اشتراها باليمن، كما اشترى النبي صلى الله عليه وسلم بقيتها، وجاء بها من المدينة على ما جاء في حديث أيضا أنه اشترى هديه بقديد، وفي حديث ابن عمر "فساق الهدي معه من ذي الحليفة" وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد أعلمه أنه سيعطيه هديا منها، وفي حديث جابر أنه قدم ببدن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد يحتمل أنه كان له فيها هدي لم يحتج إلى ذكرها في الحديث، فلم يمكنه أن يحل، ويدل على هذا سؤال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي موسى: هل ساق هديا؟ ولم يسأل عليا، فدل على علمه بأنه كان ممن أهدى، أو ممن حكمه حكم من أهدى. والله أعلم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث