الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

3019 - "أي أخي؛ إني موصيك بوصية؛ فاحفظها؛ لعل الله أن ينفعك بها؛ زر القبور؛ تذكر بها الآخرة؛ بالنهار أحيانا؛ ولا تكثر؛ واغسل الموتى؛ فإن معالجة جسد خاو عظة بليغة؛ وصل على الجنائز؛ لعل ذلك يحزن قلبك؛ فإن الحزين في ظل الله (تعالى)؛ معرض لكل خير؛ وجالس المساكين؛ وسلم عليهم إذا لقيتهم؛ وكل مع صاحب البلاء؛ تواضعا لله (تعالى)؛ وإيمانا به؛ والبس الخشن الضيق من الثياب؛ لعل العز والكبرياء لا يكون لهما فيك مساغ؛ وتزين أحيانا لعبادة ربك؛ فإن المؤمن كذلك يفعل؛ تعففا؛ وتكرما؛ وتجملا؛ ولا تعذب شيئا مما خلق الله بالنار"؛ ابن عساكر ؛ عن أبي ذر ؛ (ح) .

التالي السابق


(أي) ؛ بفتح الهمزة؛ وتخفيف الياء؛ مقلوب "يا"؛ وهو حرف نداء؛ ذكره أبو البقاء ؛ (أخي) ؛ ناداه نداء تعطف وشفقة؛ ليكون أدعى إلى الامتثال والقبول؛ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ (إني موصيك بوصية؛ فاحفظها) ؛ عني؛ (لعل الله أن ينفعك بها) ؛ أي: باستحضارها؛ والعمل بمضمونها؛ (زر القبور) ؛ أي: قبور المؤمنين؛ لا سيما الصالحين؛ (تذكر بها) ؛ أي: بزيارتها؛ أو مشاهدة القبور؛ والاعتبار بحال أهلها ؛ (الآخرة) ؛ لأن من رأى مصارع من قبله؛ وعلم أنه عما قريب صائر إليهم؛ حركه ذلك لا محالة إلى تذكر الآخرة؛ قال أبو ذر : قلت: يا رسول الله؛ بالليل؟ قال: لا؛ (بالنهار) ؛ لما في الليل من مزيد الاستيحاش؛ ولعل هذا لغير الكاملين؛ أما من أنسه ليس إلا بالله؛ ووحشته ليست إلا من الناس؛ فهما في حقه سيان؛ بشهادة خروج المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إلى البقيع ليلا؛ يستغفر لأهله؛ وتكون الزيارة؛ (أحيانا) ؛ لا في كل وقت؛ (ولا تكثر) ؛ منها؛ لئلا تتعطل عن مهماتك الأخروية؛ والدنيوية؛ قال السبكي : وزيارتها أقسام ؛ أحدها: لمجرد رؤيتها؛ بغير معرفة بأصحابها؛ ولا قصد استغفار لهم؛ ولا تبرك بهم؛ ولا أداء حق لهم؛ وهو مستحب لهذا الخبر؛ الثاني: الدعاء لهم؛ كما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل البقيع ؛ وهو مستحب لكل ميت مسلم؛ الثالث: للتبرك؛ إذا كانوا صلحاء؛ قال السارمساجي المالكي : وذلك في غير قبر بني بدعة؛ وفيه نظر؛ الرابع: لأداء حقهم؛ فمن له حق على إنسان يبره بزيارته؛ ومنه زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه؛ فينبغي ذلك رحمة للميت؛ ورقة وتأنيسا؛ والآثار في انتفاع الموتى بزيارة الأحياء؛ وإدراكهم لها؛ لا تحصى ؛ (واغسل الموتى؛ فإن معالجة جسد خاو) ؛ أي: فارغ من الروح؛ (عظة بليغة) ؛ وأعظم بها من عظة؛ قال الذهبي : هو دواء للنفوس القاسية؛ والطباع المتكبرة ؛ وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات؛ وقال بعضهم: لنا من كل ميت نشاهده عظة بحاله؛ وعبرة بمآله؛ و"الموعظة"؛ بفتح الميم: الوعظ؛ وهي التذكير بالعواقب؛ وقال بعضهم: "الموعظة": التذكير بالله؛ وتليين القلوب بالترغيب؛ والترهيب؛ ( وصل على الجنائز ) ؛ من عرفت منهم؛ ومن لم تعرف؛ (لعل ذلك يحزن قلبك؛ فإن الحزين في ظل الله - تعالى -) ؛ أي: في ظل عرشه؛ أو تحت كنفه؛ (معرض لكل خير؛ وجالس المساكين ) ؛ أي: الفقراء؛ إيناسا لهم؛ وجبرا لخواطرهم؛ (وسلم عليهم) ؛ أي: ابتدئهم بالسلام؛ (إذا لقيتهم) ؛ في الطرق؛ وغيرها؛ ( وكل مع صاحب البلاء؛ تواضعا لله – تعالى -) ؛ بمؤاكلته؛ (وإيمانا به) ؛ أي: تصديقا بأنه لا يصيبك من ذلك البلاء إلا ما قدر عليك في الأزل؛ وأنه لا عدوى؛ ولا طيرة؛ وهذا خوطب به من قوي توكله؛ كما خاطب بقوله: "فر من المجذوم"؛ من كان ضعيف التوكل؛ فالتدافع مدفوع؛ ( والبس الخشن الضيق من الثياب ) ؛ من نحو قميص؛ وجبة؛ وعمامة؛ (لعل العز والكبرياء لا يكون لهما فيك مساغ؛ وتزين أحيانا) ؛ بالملابس الحسنة؛ (لعبادة ربك) ؛ كما في الجمعة؛ والعيدين؛ (فإن المؤمن كذلك يفعل) ؛ أي: يلبس الخشن؛ حتى إذا جاء موسم من المواسم الإسلامية؛ [ ص: 163 ] أو اجتماع لعبادة؛ تزين؛ (تعففا) ؛ أي: إظهارا للعفة على الناس؛ (وتكرما) ؛ عليهم؛ (وتجملا) ؛ بينهم؛ حتى يدفع عنه سمة الفقر؛ ورثاثة الهيئة؛ (ولا تعذب شيئا مما خلق الله بالنار) ؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا خالقها ؛ "وإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة"؛ وهذا هو المقام الذي درج عليه جمهور الأولياء؛ والعاقل من تبعهم في ذلك؛ فإن قيل: إن بعض الصحب كان يلبس الحلة بخمسمائة دينار؛ ولبس طاوس اليماني بردة بسبعين دينارا؛ ولبس الشافعي حلة بألف دينار؛ كساها له محمد بن الحسن لما ورد بغداد ؛ ومعلوم أن هؤلاء موصوفون بكمال الزهد؛ فالجواب أنهم لم يفعلوه رغبة في الدنيا؛ بل اتفاقا؛ أو بيانا لامتهانهم إياها؛ أو عملا برخصة الشارع "أحيانا"؛ فإنه يحب أن تؤتى رخصه؛ كما يحب أن تؤتى عزائمه؛ وقد قال بعض العارفين: إذا أحكم العبد مقام الزهد؛ لم يضره ما لبس وأكل.

(فائدة) : أخبرنا والدي الشيخ تاج العارفين المناوي الشافعي قال: حدثنا الشيخ الصالح زين الدين معاذ قال: حدثنا شيخ الإسلام بقية المجتهدين الأعلام شرف الدين يحيى المناوي ؛ من حفظه ولفظه؛ إملاء عن المحقق الحافظ أبي زرعة القرافي ؛ عن قاضي القضاة عز الدين بن جماعة ؛ عن أحمد بن عساكر ؛ عن زينب الشقرية ؛ عن علامة الإسلام أبي القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري لنفسه:


ليس السيادة أكماما مطرزة ... ولا مراكب يجري فوقها الذهب     وإنما هي أفعال مهذبة
... ومكرمات يليها العقل والأدب     وما أخو المجد إلا من بغى شرفا
... يوما فهان عليه النفس والسلب     وأفضل الناس حر ليس يغلبه
... على الحجى شهوة فيه ولا غضب

( ابن عساكر ) ؛ في ترجمة أبي ذر ؛ (عن أبي ذر ) ؛ وفيه موسى بن داود ؛ أورده الذهبي في الضعفاء؛ وقال: مجهول؛ ويعقوب ابن إبراهيم ؛ لا يعرف؛ عن يحيى بن سعيد ؛ عن رجل مجهول.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث