الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

724 757 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد، فدخل رجل فصلى فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد وقال: " ارجع فصل، فإنك لم تصل".

[ ص: 49 ] فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل". ثلاثا. فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها"
[793، 6251، 6252، 6667 - مسلم: 397 - فتح: 237]

التالي السابق


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها:

حديث جابر بن سمرة: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر، فعزله .. الحديث، وفيه: فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين.

والكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضا ، ولفظه في إحدى روايتيه: فأمد في الأوليين بدل: فأركد . وهو بمعناه، أي: أطول وأمد، وهو بضم الكاف من قولك: ركدت السفن والريح: إذا سكن وسكنت.

و (الركود): الثبوت والدوام عند أهل اللغة؛ ومنه: نهيه - عليه السلام - عن البول في الماء الراكد . أي: الدائم، رواه البخاري مرة بزيادة:

[ ص: 50 ] (تعلمني الأعراب الصلاة) . وقال هنا: (أصلي صلاة العشاء). وقال في الباب بعده: (صلاتي العشي) ، قال ابن الجوزي: وهما الظهر والعصر، كذا في الرواية.

وقوله: (فقال عبد الملك: وأنا رأيته بعد) عبد الملك هذا هو ابن عمير.

ثانيها:

قوله: (ما أخرم عنها): هو بفتح الهمزة وكسر الراء، أي: لا أنقص.

وقال أبو سليمان: لا أقطع. وأصل الخرم النقص والقطع .

قال ابن التين: وضبط في بعض الكتب بضم الهمزة على أنه رباعي وليس هو في اللغة.

ومعنى (أخف في الأخريين): أقصرهما عن الأوليين، لا أنه يخل بالقراءة ويحذفها أصلا.

وقوله: (الأوليين) و (الأخريين) هو بيائين مثناتين تحت.

ثالثها:

(سعد) المشكو هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة رضوان الله عليهم.

و (الكوفة): أمر عمر ببنائها؛ سميت بذلك لاستدارتها؛ أو لاجتماع الناس بها؛ أو لأن ترابها خالطه حصا. ويقال لها كوفان، ويقال: إنها [ ص: 51 ] كانت منزل نوح - عليه السلام - .

رابعها: في فوائده:

الأولى: أن الإمام إذا شكي إليه نائبه بعث إليه، واستفسره على ذلك.

الثانية: أنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته ووقوع فتنة عزله، ولهذا عزله عمر مع أنه لم يكن فيه خلل، ولم يثبت ما يقدح في ولايته وأهليته، وسيأتي في "صحيح البخاري" في حديث مقتل عمر والشورى أن عمر قال: إن أصابت الإمارة سعدا فذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة .

الثالثة: مدح الرجل الجليل في وجهه؛ فإن الفاروق قال لسعد: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق؛ ومحله إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة ؛ وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين، والجمع بينهما بما ذكرته.

الرابعة: خطاب الرجل الجليل بكنيته دون اسمه.

الخامسة: إثبات القراءة في الصلاة، وسيأتي واضحا.

السادسة: تخفيف الأخريين بالنسبة إلى الأوليين.

وقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه وغيره في قراءة السورة في [ ص: 52 ] الأخريين من الرباعية وثالثة المغرب، والأصح أنه لا يستحب ، والأصح عند أصحابنا أنه لا يطول الأولى على الثانية ، والمختار الموافق للسنة التطويل .

وعندهم خلاف في استحباب تطويل الثالثة على الرابعة إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية .

وبه قال محمد بن الحسن والثوري وأحمد .

[ ص: 53 ] وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يطيل الأولى على الثانية إلا في الفجر خاصة .

واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكا فإنه قال: لا بأس بذلك ؛ مستدلا بأنه - عليه السلام - قرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية بالغاشية وهي ست وعشرون آية .

وانفرد أبو حنيفة فلم يوجب في الأخريين قراءة بل خيره بينها وبين التسبيح والسكوت ، وعزوه إلى ابن مسعود وعلي [ ص: 54 ] وعائشة . وبه قال النخعي والأسود والثوري ، وأحمد في رواية ضعيفة .

والجمهور على قراءة الفاتحة فيهما وهو الموافق للسنة الصحيحة.

ومن عجيب استدلالهم: أن الأمر بالقراءة لا يقتضي التكرار وإنما وجب في الثانية لتشاكلها من كل وجه .

وأبعد الأصم وابن علية والحسن بن صالح وابن عيينة فقالوا: لا تجب القراءة في الصلاة أصلا ؛ ولا يعبأ بذلك.

وحكي أيضا عن مالك وهو شاذ ، وحكى المازري عن بعضهم عدم تعين أم القرآن .

وقال مالك: من تركها في ركعة في غير الصبح سجد للسهو قبل السلام .

[ ص: 55 ] وقال ابن الماجشون: من ترك القراءة من ركعة من الصبح أو أي صلاة كانت تجزئه سجدتا السهو .

وقال ابن أبي زيد: روي عن المغيرة فيمن لم يقرأ في الظهر إلا في ركعة منها تجزئه سجدتا السهو قبل السلام .

وأثر عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيهما فقيل له؛ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، قال: فلا بأس إذا ؛ منقطع، والأصح عنه الإعادة .

[ ص: 56 ] وأثر زيد: القراءة في الصلاة سنة ؛ مراده كما قال البيهقي أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف؛ لأنها سنة متبعة فلا يجوز مخالفتها، وإن كانت على مقاييس العربية .

وللشافعي قول قديم أنه إذا ترك الفاتحة ناسيا تصح صلاته .

وقال الحسن البصري ، وزفر ، والمغيرة المالكي : تجب في ركعة واحدة.

وقال به بعض الظاهرية . والصحيح عند أحمد وجوبها في كل [ ص: 57 ] ركعة ، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي .

وحديث أبي قتادة الآتي بعد: "وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب". دال لهم.

وادعى ابن بطال أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب القراءة في الركعتين الأوليين ؛ وقد علمت ما فيه.

وعند أبي حنيفة: أنه لا تتعين الفاتحة لكن تستحب .

وفي رواية عنه: تجب ولا تشترط، قال: ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه .

وفي قدر الواجب روايات عنه: أصحها كما قال الرازي: ما تناوله الاسم ، وقد سبق كل ذلك وبسط المسألة في كتب الخلاف.

[ ص: 58 ] وفيه من الفوائد: إجابة دعوة المظلوم، وقد كان مجاب الدعوة.

روى الطبري عن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه يعوده في مرضه بمكة فرقاه وقال: "اللهم أصح جسمه وقلبه واكشف سقمه وأجب دعوته" .

الحديث الثاني:

حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، أخرجه من حديث سفيان -وهو ابن عيينة- عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عنه.

وأخرجه مسلم أيضا وأصحاب السنن الأربعة ، ولمسلم زيادة: "فصاعدا" وهي من أفراده .

وعند الإسماعيلي "إذا كان وحده". وعنده أيضا: "تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".

وأخرجه بهذا اللفظ الدارقطني في "سننه" وقال: إسناده صحيح .

وهي صريحة في وجوب قراءتها، ورافع لمن أضمر نفي الكمال.

ويجب على المأموم عندنا في السرية والجهرية على المشهور كما هو ظاهر عموم الحديث.

[ ص: 59 ] وإليه أشار البخاري في الترجمة أيضا، وخالف فيه الثوري ، والكوفيون ، ولا يجب ما زاد على الفاتحة.

وروي عن عمر وعثمان بن أبي العاص وجوب ثلاث آيات .

الحديث الثالث:

حديث أبي هريرة في المسيء صلاته، وفيه: فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. " الحديث. خرجه عن محمد بن بشار، ثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه في مواضع أخر منها: إذا حلف ناسيا؛ في الأيمان .

[ ص: 60 ] وزعم الدارقطني في "علله" أن محمد بن بشار لم يقل في روايته: عن أبيه . وزعم في "التتبع" أن يحيى خالف أصحاب عبيد؛ كلهم قالوا: سعيد، عن أبي هريرة. وهو المحفوظ إلا هو .

وقال البزار في "سننه": لم يتابع يحيى في روايته هذا الحديث.

قال الترمذي: ومنهم من قال: سعيد، عن أبيه هنا أصح .

وجاء في حديث يحيى بن خلاد عن أبيه نحو هذا الحديث، فادعى بعض المتأخرين أن خلادا هو المسيء صلاته، والله أعلم.

والمراد بقوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" فاتحة الكتاب بدليل رواية ابن حبان في "صحيحه" في حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة بن رافع الزرقي: "ثم اقرأ بأم القرآن" إلى أن قال: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة" .

فإن قلت: وجه الدلالة على ما بوب به البخاري في هذا الحديث والذي قبله من القراءة ظاهر أن حديث عبادة قال عليه بعمومه، وحديث أبي هريرة في الفذ والمأموم بالقياس عليه فما وجهه من الحديث الأول؟

قلت: وجهه قوله: ("أركد في الأوليين، وأخف في الأخريين").

[ ص: 61 ] بقي عليك وجه ما في الترجمة وهو الجهر والمخافتة، نعم ذكر ما يخافت فيه فقط كما أوضحناه، وأصل صلاة النهار على الإسرار إلا ما خرج بدليل كالجمعة والعيد، والليل على الجهر، فإن خالف فلا سجود عليه عند الشافعي ؛ خلافا لأبي حنيفة ، وكذا لو جهر بحرف عند أبي يوسف .

وعنه أنه إن زاد في المخافتة على ما تسمع أذنيه سجد . والصحيح عندهم أنه إذا جهر بمقدار ما تجوز به الصلاة .

وعند ابن القاسم: أنه إذا جهر فيما يسر فيه لا سجود عليه إذا كان يسيرا . وروي عن مالك: إذا جهر الفذ فيما يسر فيه جهرا خفيفا فلا بأس به .

وروى أشهب عن مالك أن من أسر فيما يجهر فيه عامدا صلاته تامة . وقال أصبغ: فيه وفي عكسه يستغفر الله ولا إعادة عليه .

وقال ابن القاسم: يعيد لأنه عابث .

[ ص: 62 ] وقال الليث: إذا أسر فيما يجهر فيه فعليه سجود السهو .

وقال الكوفيون فيما حكاه ابن بطال: إذ أسر في موضع الجهر أو جهر في موضع السر وكان إماما سجد لسهوه، وإن كان وحده فلا شيء عليه، وإن فعله عامدا فقد أساء وصلاته تامة. وقال ابن أبي ليلى: يعيد بهم الصلاة إذا كان إماما . اهـ.

قال ابن بطال: ومن لم يوجب السجود في ذلك أشبه بدليل حديث قتادة الآتي في الباب بعده: وكان يسمعنا الآية أحيانا. وهو دال على القصد إليه والمداومة عليه، فإنه لما كان الجهر والإسرار من سنن الصلاة، وكان - عليه السلام - قد جهر في بعض صلاة السر ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم الصلاة إذا جهر فيها؛ لأنه لو اختلف الحكم في ذلك لبينه، ولا وجه لتفريق الكوفيين السالف إذ لا حجة لهم فيه من كتاب ولا سنة ولا نظر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث