الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1484 1559 - حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: " بما أهللت؟ ". قلت: أهللت كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هل معك من هدي؟ ". قلت: لا. فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت، فأتيت امرأة من قومي فمشطتني، أو غسلت رأسي، فقدم عمر - رضي الله عنه - فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، قال الله: وأتموا الحج والعمرة [البقرة: 196] وإن نأخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يحل حتى نحر الهدي. [1565، 1724، 1795، 4346، 4397- مسلم: 1221 - فتح: 3 \ 416]

التالي السابق


ذكر فيه حديث ابن جريج، قال عطاء: قال جابر: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا أن يقيم على إحرامه. وذكر قول سراقة.

[ ص: 203 ] وزاد محمد بن بكر، عن ابن جريج: قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بما أهللت يا علي؟ ". قال: بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: "فأهد وامكث حراما كما أنت".

وحديث أنس قال: قدم علي على النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليمن، فقال: "بما أهللت؟" قلت: بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: "لولا أن معي الهدي لأحللت".

وحديث أبي موسى أنه قدم من اليمن مهلا بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

الشرح:

حديث ابن عمر المعلق أسنده في المغازي كما ستعلمه بعد .

وحديث جابر أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، ثنا يحيى القطان، أنا ابن جريج، أخبرني عطاء سمعت جابرا قال: قدم علي من سعايته فقال: "بم أهللت"؟ قال: بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال له: "فامكث حراما" الحديث .

وذكره البخاري أيضا في باب: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد من كتاب المغازي عن المكي بسنده .

وذكره في باب: عمرة التنعيم من حديث حبيب المعلم عن عطاء، حدثني جابر.... الحديث .

[ ص: 204 ] وزيادة محمد بن بكر البرساني رواها أبو نعيم عن محمد بن أحمد، ثنا عمران بن موسى، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج به.

وفي البخاري في كتاب الشركة من حديث حماد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وفيه: فجاء علي فقال أحدهما يقول: لبيك بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال الآخر: لبيك بحجة رسول الله، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي .

وذكر أصله من حديث ابن عباس بدون هذا، وخرجه في الباب السالف في المغازي من حديث بكر بن عبد الله المزني قال: ذكر لابن عمر، أن أنسا حدثهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج، وأهللنا به، فلما قدمنا مكة قال: "من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة" وكان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هدي، فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بما أهللت، فإن معنا أهلك؟ " قال: أهللت بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: "فأمسك، فإن معنا هديا" وقد ذكره مسلم بمعناه .

وقال الترمذي في حديث أنس: حسن غريب مشهور من حديث سليم -يعني بفتح السين- ابن حيان .

[ ص: 205 ] وحديث أبي موسى رواه البخاري عن محمد بن يوسف، ثنا سفيان.

قال أبو مسعود الدمشقي: سفيان هذا هو الثوري، وإذا كان كذلك فمحمد هذا هو الفريابي، وكذا قاله أبو نعيم أيضا، وأخرجه مسلم أيضا .

أما حكم الباب: فيجوز أن يهل كإهلال زيد لقصة علي وأبي موسى في ذلك، فإن كان زيد محرما انعقد إحرامه كإحرامه إن حجا فحج، وإن عمرة فعمرة، وإن قرانا فقران. وإن كان أحرم بنية التمتع كان عمرو محرما بعمرة، ولا يلزمه التمتع، إن كان مطلقا انعقد مطلقا، ويتخير كما يتخير زيد، ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرفه إليه زيد على الأصح ، وإن كان زيد أحرم مطلقا ثم عينه قبل إحرام عمرو فالأصح أنه ينعقد إحرام عمرو مطلقا. وقيل: معينا، وإن لم يكن زيد محرما انعقد إحرامه مطلقا، ولنا وجه أنه إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد كما لو علق فقال: إن كان زيد محرما فقد أحرمت، فلم يكن محرما، والأصح: الانعقاد، والفارق بأنه جازم بالإحرام في مسألتنا، بخلاف ما إذا علق.

وظاهر الحديث أنهما لم يعلما قبل بما أحرم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقال بعضهم: يحتمل الإعلام بذلك، وأنها حجة مفردة، ففعل علي كذلك.

[ ص: 206 ] وقال الخطابي: يحتمل أن يكون علي علم بأنه - عليه السلام - كان قارنا; لأن الهدي لا يجب على غير القارن أو المتمتع، ولو كان متمتعا لحل من إحرامه للعمرة، ثم استأنف إحراما للحج. فلما أمره أن يمكث حراما دل على أنه قارن .

ويحتمل أن يكون على معنى الترقب، فلما وصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمضى له ذلك وكان أحرم بعمرة ، فلم يجز له أن يحل لمكان ما معه من الهدي، ذكره الداودي.

فرع:

قال الروياني في "بحره" عن والده: لو كان أحرم بإحرام زيد ثم تبين أنه كان ميتا انعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد، وقيل: لا ينعقد.

فرع:

لو علق على إحرام زيد ولو في المستقبل، أو على طلوع الشمس فوجهان، والميل إلى الجواز.

ولم يقل بقصة علي وأبي موسى مالك والكوفيون; أخذا بظاهر قوله: "إنما الأعمال بالنيات" وقالوا: لا بد أن ينوي حجا أو عمرة عند دخوله فيه، وقالوا: إذا نوى بحجته التطوع وعليه حجة الإسلام أنه لا يجزئه عنها، وبه قال الثوري، وإسحاق.

وقال الشافعي: يجزئه عن حجة الإسلام، وتعود النافلة فرضا لمن لم يؤد فرضه في الحج خاصة، كما يعود الإحرام بالحج قبل وقته - وإن نوى به الفريضة - تطوعا.

[ ص: 207 ] قال ابن بطال: فيقال له: قد أجمعوا أن من صلى قبل الزوال أربعا، إن نوى به الظهر أنها لا تجزئه، وهي تطوع، فكذا الحج .

قلت: هذا لا يقال لمثل هذا الإمام، فإن الحج لا يقاس عليه.

وقال ابن المنير في "تراجمه": كأن البخاري لما لم ير إحرام التقليد ولا الإحرام المطلق ثم تعين بعد ذلك، أشار في الترجمة بقوله: باب: من أهل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كإهلاله، إلى أن هذا خاص بذلك الزمن، فليس لأحد أن يحرم بما أحرم به فلان، بل لا بد أن يعين العبادة التي نواها، ودعت الحاجة إلى الإطلاق والحوالة على إحرامه - عليه السلام -; لأن عليا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام، فأحالا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعرفت مراتب كيفيات الإحرام، ومذهب مالك على الصحيح جواز ذلك، وأنه ليس خاصا بذلك الزمن .

ثم اعلم أن حديث أنس موافق لرأي الجماعة في إفراده - عليه السلام -.

قال المهلب: ويرد وهم أنس أنه - عليه السلام - قرن، واتفاقه مع الجماعة أولى بالاتباع مما انفرد به وخالفهم فيه،. فتسويغ الشارع لنفسه: "لولا الهدي" يدل أنه كان مفردا; لأنه لا يجوز للقارن الإهلال، حتى يفرغ من الحج; وأما قوله - عليه السلام -: "لولا أني سقت الهدي لأحللت" والمفرد لا يحل اليوم ، سواء كان معه هدي أو لم يكن، فإن معنى: "لأحللت": لفسخت الحج في العمرة; لأن الفسخ كان مباحا حينئذ [ ص: 208 ] لمن لا هدي له، فجاز لهم الإحلال ووطء النساء قبل الشروع في عمل العمرة في وقت فسخهم الحج. فأما من كان معه هدي فلم يفسخ لقوله تعالى: حتى يبلغ الهدي محله [البقرة: 196].

وقوله: "بم أهللت؟ " قال ابن التين: ووقع في الأمهات بالألف، وصوابه بحذفها.

وقوله: "فأهد" هو بهمزة قطع; لأنه أمر من الرباعي، وقوله: "وامكث" أي لأجل سوق الهدي، فإن من ساقه لم يحل حتى يتم الحج كما فعل - صلى الله عليه وسلم -.

وفيه: استعمال علي على اليمن، وفي غير هذا الحديث أنه استعمل على الصدقات، ويحتمل أن يكون وليها احتسابا وأعطى عطاءه من غيرها.

ومعنى قوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت" حمله قوم على أن التمتع أفضل من الإفراد والقران، وهو قول الشافعي، وقاله أحمد، وإسحاق، وبعض متأخري المالكية [ ص: 209 ] وقيل: إن الحديث خرج على سبب، وهو أن الجاهلية كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، فأباح ذلك الإسلام، وقيل: قاله تطييبا لقلب أصحابه، وليتأسى به غيره في الرخصة، ولا يضيق على أمته; لأن بعض أصحابه كانوا لا يحبون أن يفعلوا إلا كفعله.

وقوله: "لأحللت" يقال: أحل من إحرامه فهو محل، وحل أيضا قال تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا [المائدة: 2] وقوله في حديث أبي موسى: فأمرني فطفت بالبيت، ثم أمرني فأحللت. هذا يخالف ما أمر به عليا، وذلك أنه - عليه السلام - كان معه الهدي، وكذا علي، فشاركه علي في عدم التحلل، وأبو موسى لم يكن معه هدي فصار له حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإحرام فقط; لأنه قال: "لولا الهدي لجعلتها عمرة وتحللت".

قال ابن التين: ويشبه أن يكون أراد كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: كما سنه وعينه من أنواع ما يحرم له، ولم يكن معه هدي، ولا اتساع لثمن الهدي، فأمر أن يحل بعمل عمرة إذا كان إهلاله بها مضى، وعلي كان معه الهدي.

وقيل: أمر أبا موسى بمنزلة ما أمر غيره ممن كان معه بفسخ العمرة إلى الحج؛ إذ لا هدي معه.

وقول عمر: (إن نأخذ بكتاب الله ... إلى آخره) ظاهره أن من أنشأ حجا ليس له فسخه في عمرة من أجل الهدي; تعظيما لحرمات الله، وتأول قوم أنه - عليه السلام - كان نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج. وهذا تأويل من لا يعرف; لأن التمتع ثابت بنص الكتاب والسنة، وروي عنه أن ذلك خاص بذلك العام كما سلف إباحته; ردا لقول الجاهلية: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.

[ ص: 210 ] وقوله: (فقدم عمر)، يعني: إذ حج بالناس في خلافته ، ومعنى الأمر بالتمام في الآية: أن من أهل بشيء فليتم ما بدأ به ولا يفسخه، وفي أحاديث الباب دلالة لما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب الشافعي، ومالك أنه إذا طاف، وسعى، وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هديا أم لا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث