الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لا تقبل صلاة بغير طهور

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

135 [ ص: 15 ] 2 - باب: لا تقبل صلاة بغير طهور

135 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ". قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. [6954 - مسلم: 225 - فتح: 1 \ 34]

التالي السابق


هذه الترجمة هي لفظ حديث صحيح من طريق ابن عمر بزيادة:

"ولا صدقة من غلول" أخرجه مسلم في "صحيحه"، وإنما عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة، مع أن حديث ابن عمر هذا مطابق لما ترجم له لأجل سماك بن حرب المذكور في إسناده؛ فإنه ليس من شرطه، وإن أخرج له تعليقا.

قال البخاري: حدثني إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ". قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط.

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا إلى قوله: "يتوضأ".

ثانيها: في التعريف برواته:

وقد سلف التعريف بهم أجمع مفرقا، وجميع رجاله خرج لهم في [ ص: 16 ] الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا إسحاق بن راهويه؛ فإن ابن ماجه لم يخرج له، وجميعه يمانيون خلا ابن راهويه، وهذا السائل لا يحضرني اسمه فليبحث عنه.

ثالثها:

حضرموت: من بلاد اليمن كما قاله صاحب "المطالع"، وهذيل تضم ميمه، وقال الجوهري: حضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضا، وهما اسمان جعلا واحدا، إن شئت بنيت الاسم الأول على الفتح وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف، قلت: هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني فقلت: هذا حضرموت، أعربت "حضرا" وخفضت "موتا"، وكذلك القول في "سام أبرص"، ورامهرمز، والنسبة إليه: حضرمي، والتصغير: حضيرموت، (تصغر) الصدر منهما، وكذلك الجمع، يقال: فلان من الحضارمة.

رابعها: في أحكامه وفوائده:

الأولى: القبول: يراد به شرعا: حصول الثواب، وقد تختلف.. الصحة؛ بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافا، وشارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عند الشافعية.

[ ص: 17 ] فأما ملازمة القبول للصحة؛ ففي قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" والمراد بالحائض: من بلغت سن (الحيض)، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة. والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء.

فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ"، عام في عدم القبول من جميع المحدثين في جميع أنواع الصلاة.

والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرا وباطنا، وكذا العكس.

ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.

فالقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف ضر في نفي القبول مع نفي الصحة، كما هو محكي عن الأقدمين.

[ ص: 18 ] إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو (تخريج) جواب.

ويرد على من فسر القبول بكون العبادة مثابا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببا للثواب في ظواهر لا تحصى.

الثانية: الحدث: عبارة عما نقض الوضوء، ومحل الخوض في تفاصيله كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها - ولله الحمد- وسيأتي بعضها حيث ذكره البخاري، وقد فسره أبو هريرة - راوي الحديث- بنوع من الحدث حين سئل عنه فقال: فساء أو ضراط، كما سلف، وكأنه أجاب السائل عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو عما يقع في الصلاة، فإن غيره كالبول مثلا لا يعهد فيها، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم فيما سيأتي في حديث آخر: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".

ونبه به على التسوية بين الحدث الواقع في الصلاة وغيرها؛ لئلا يتمثل الفرق بين أن يحصل الشك فيه في الصلاة فيتمادى، أو خارجها فيتوضأ كما فرق به بعضهم.

ثم الحدث بموضوعه يطلق على الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس، والأصغر كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثا، وقد [ ص: 19 ] يسمى: المنع المرتب عليه حدثا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعا، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر.

وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما، وليس ذلك ببدع؛ فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصا بوقت مع كونه رافعا للحدث اتفاقا، ولا يلزم من انتهائه في ذلك (الوقت) بانتهاء وقت الصلاة أن (لا) يكون رافعا للحدث، ثم زال ذلك الوجوب كما سلف.

وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء على معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب التيمم عليه زائل.

الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: "حتى يتوضأ"؛ نفى القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا، وتحقيقه أن "صلاة" اسم جنس وقد أضيف؛ فيعم.

الرابعة: هذا الحديث محمول على تارك الوضوء بلا عذر، أما من تركه بعذر وأتى ببدله؛ فالصلاة مقبولة قطعا; لأنه قد أتى بما أمر به،

[ ص: 20 ] على أن التيمم من أسمائه الوضوء، قال صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" وهو حديث صحيح

الخامسة: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطيتها للصلاة، وهو إجماع.

واختلفوا، متى فرضت الصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام (سنة) ثم نزل فرضه في آية التيمم.

وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا، ثم اختلفوا في أنه هل يجب على كل قائم إلى الصلاة، أو على المحدث خاصة؟ والذي أجمع عليه أهل الفتوى الثاني كما سلف.

وأما الوضوء لغير الفرائض؛ فذهب بعضهم إلى أنه بحسب [ما يفعل] له من نافلة أو فريضة، وهو عجيب، لا جرم رده بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟ وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال، حكاه القاضي عياض وهو المتعين، وغيره مطرح.

[ ص: 21 ] السادسة: استدل المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من انتفاء القبول انتفاء الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة، ولا تيمم في حق فاقد الطهورين، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها على أحد الأقوال للشافعي.

وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابه، وقول جماعة من العلماء؛ فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة لا تجب إلا بأمر جديد.

وهذا كله على مذهب من يقول: إن الطهارة شرط للصحة، أما من يقول: إنها شرط للوجوب كمالك وابن نافع؛ فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي، ولا يقضي إن خرج الوقت; لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء، فلا يقضي.

لكن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت فيأتي بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب.

وهذه المسألة فيها أربعة أقوال للشافعي:

أحدها: ما قدمناه.

[ ص: 22 ] وثانيها: تحرم الصلاة وتجب الإعادة.

وثالثها: تستحب الصلاة وتجب الإعادة.

وأصحها: تجب الصلاة وتجب الإعادة، وهي عند المالكية أيضا، لكن عندهم قول: إنه لا يصلي ولا يقضي كما سلف، فهذا خامس إذا.

السابعة: قد استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء أكان خروجه اختياريا أم اضطراريا؛ لعدم تفريقه صلى الله عليه وسلم بين حدث وحدث في حالة دون حالة.

وقد حكي عن مالك والشافعي - في قوله القديم- وغيرهما أنه إذا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرده.

[ ص: 23 ] الثامنة: قام الإجماع على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذلك بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر.

وحكي عن الشعبي، ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء، وهو باطل; لعموم هذا الحديث والإجماع. ومن الغريب أن قولهما قال به بعض الشافعية كما أفدته في "شرح المنهاج".

فرع: لو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم، ولا يكفر عندنا وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يكفر؛ لتلاعبه.

التاسعة: قد يستدل بالحديث على رفع الشك واستصحاب يقين الصلاة; لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا (يقبل الله) صلاة من أحدث" ولا يقال: أحدث إلا مع اليقين.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث