الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت

1673 1762 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا أبو عوانة ، عن منصور، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا نرى إلا الحج، فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يحل وكان معه الهدي، فطاف من كان معه من نسائه وأصحابه، وحل منهم من لم يكن معه الهدي، فحاضت هي، فنسكنا مناسكنا من حجنا، فلما كان ليلة الحصبة -ليلة النفر- قالت: يا رسول الله، كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري. قال: " ما كنت تطوفي بالبيت ليالي قدمنا؟ ". قلت: لا. قال: "فاخرجي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة، وموعدك مكان كذا وكذا". فخرجت مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فأهللت بعمرة، [ ص: 187 ] وحاضت صفية بنت حيي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عقرى حلقى، إنك لحابستنا، أما كنت طفت يوم النحر؟ ". قالت: بلى. قال: "فلا بأس، انفري". فلقيته مصعدا على أهل مكة، وأنا منهبطة -أو أنا مصعدة- وهو منهبط. وقال مسدد: قلت: لا. تابعه جرير، عن منصور في قوله: لا. [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 3 \ 586]

التالي السابق


ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه، عن عائشة، أن صفية حاضت، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أحابستنا؟ ".. الحديث. وقد سلف.

وعن أيوب، عن عكرمة، أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت، قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية. رواه خالد وقتادة، عن عكرمة.

ثم ساق من حديث ابن طاوس ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت.

قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر. ثم سمعته يقول بعد: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص لهن.

ثم ذكر حديث الأسود، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا الحج... وذكر الحديث. فحاضت هي، فنسكنا مناسكنا من حجنا، فلما كان ليلة الحصبة -ليلة النفر- قلت: يا رسول الله، كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري. قال: "ما كنت تطوفت بالبيت ليالي قدمنا؟ ". قلت: بلى. وقال مسدد: لا. وتابعه جرير، عن منصور [ ص: 188 ] في قوله: لا. قال: "فاخرجي مع أخيك إلى التنعيم" فأهللت بعمرة، وحاضت صفية بنت حيي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عقرى حلقى، أما كنت طفت يوم النحر؟" قالت: بلى. قال: "فلا بأس، انفري".

الشرح:

حديث عائشة الأول سلف كما قدمناه، وحديث عكرمة من أفراد البخاري، وكذا قول طاوس، عن ابن عباس ، وحديث عائشة أخرجه مسلم، والصواب في حديث عائشة كما قال ابن بطال رواية مسدد، وجرير، عن منصور، وقد بان ذلك في حديث أبي معاوية أنها قالت: "فحضت قبل أن أدخل مكة" وقال فليح: "فلما كنا بسرف حضت". فقال - عليه السلام -: "افعلي".. الحديث، فقدمت مكة وأنا حائض، فلما قدمنا منى طهرت، فذكر أن عائشة لم تكن متمتعة؛ لأنها لم تطف بالبيت حين قدمت مكة كما طاف من فسخ حجه في عمرة من أجل حيضها، ولذلك قالت: (كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري) فاعتمرت من التنعيم، ودل أيضا أنها لم تكن قارنة، ولو كانت قارنة لم تأسف على فوات العمرة، ولا قالت ما قالت، فثبت أنها مفردة.

ومعنى هذا الباب أن طواف الوداع ساقط عن الحائض; لأنه - عليه السلام - لما أخبر عن صفية أنها حاضت قال: "أحابستنا هي؟ " فلما أخبر أنها قد أفاضت قبل أن تحيض قال: "فلا إذا" وهو قول عوام أهل العلم، وخالف ذلك طائفة فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتى [ ص: 189 ] يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذلك حائضا لحيضها، ذكره الطحاوي.

قال ابن المنذر: وروي ذلك عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت قال: فأما زيد بن ثابت وابن عمر فقد روينا عنهما الرجوع. وقول عمر يرده الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أمرها أن تنفر بعد الإفاضة، ومن هذا الحديث قال مالك: لا شيء على من ترك طواف الوداع حتى يرجع إلى بلاده; لسقوطه عن الحائض.

وفيه: رد قول عطاء والكوفيين والشافعي ومن وافقه: إن من لم يودع البيت فعليه دم، فقولهم خلاف (حديث) صفية.

قلت: لا، فحديث صفية رخصة للحائض لا يتعداها لغير المعذور، والنفساء في هذا كالحائض، والظاهر أن المعذور كالخائف من ظالم، أو فوت رفقة، أو معسر، ونحو ذلك، كذلك.

وفي قوله: ("أحابستنا هي؟ ") دليل على أن طواف الإفاضة يحبس الحائض بمكة لا تبرح حتى تطوف بلا إفاضة; لأنه الركن فيه. وعلى هذا أئمة أهل العلم، قال مالك: إذا حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض حبس عليها كريها أكثر ما يحبس النساء الدم.

قال ابن عبد الحكم: ويحبس على النفساء أقصى ما تحبس النساء الدم في النفاس، ولا حجة للكري أن يقول: لم أعلم أنها حامل.

قال مالك: وليس عليها أن تعينه في العلف.

[ ص: 190 ] وقال ابن المواز: كنت أعرف حبس الكري حيث يحبس وحده يعرض لقطع الطريق.

وقال الشافعي: ليس على حمالها أن يحبس عليها، ويقال لها: احملي مكانك مثلك.

وقوله: ("عقرى حلقى") فيه: توبيخ الرجل أهله على ما يدخل على الناس بسببها، كما وبخ الصديق عائشة في قصة العقد.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث