الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

195 198 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة قالت: لما ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - واشتد به وجعه، استاذن أزواجه في أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ورجل آخر. قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس، فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا. قال: هو علي. وكانت عائشة رضي الله عنها تحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعدما دخل بيته واشتد وجعه: "هريقوا علي من سبع قرب، لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس". وأجلس في مخضب لحفصة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- ثم طفقنا نصب عليه تلك حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس. [664، 665، 679، 683، 687، 712، 713، 716، 2588، 3099، 3384، 4442، 4445، 5714، 7303 - مسلم: 418 - فتح: 1 \ 302]

[ ص: 330 ]

التالي السابق


[ ص: 330 ] وذكر فيه أربعة أحاديث:

الأول: حدثنا عبد الله بن منير، سمع عبد الله بن بكر، ثنا حميد، عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم. قلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة.

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث ذكره البخاري أيضا في علامات النبوة عن ابن منير، عن يزيد بن هارون وهو في البخاري خاصة.

ثانيها:

عبد الله (خ. ت. س) بن منير هذا هو الحافظ الزاهد.

وعبد الله بن بكر هو السهمي الحافظ الثقة، مات سنة ثمان ومائتين.

[ ص: 331 ] ثالثها:

المخضب: - بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمة-: إجانة تغسل فيها الثياب. ويقال له: المركن. قال القزاز: يكون عودا ومن فخار.

وقال ابن بطال: ويكون من حجارة ومن صفر. وقد سلف أنه من حجارة وأنه صغير، وسيأتي من حديث عائشة أنه أجلس في مخضب، وهو دال على كبره.

رابعها:

مراد البخاري - رحمه الله- بهذا الحديث وبما ساقه من الأحاديث أن الأواني كلها من جواهر الأرض ونباتها، طاهرة؛ فإنه لا كراهة في استعمالها.

خامسها:

هذه الصلاة قد جاء في البخاري فيما سيأتي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي بوضوء، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، حتى توضئوا من عند آخرهم.

[ ص: 332 ] سادسها:

قوله: (فقام من كان قريب الدار إلى أهله) جاء في البخاري فيما سيأتي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فتوضأ القوم، وكانوا زهاء ثلاثمائة.

ولمسلم: كان وأصحابه بالزوراء -والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمة- دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال: قلت لأنس: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة.

سابعها:

جاء هنا: (أتي: بمخضب من حجارة) وجاء في الباب الآتي بعد هذا: (فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء).

وفيه في موضع آخر من رواية الحسن، عن أنس: فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال: "توضئوا". فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء وكانوا سبعين أو نحوه، والظاهر أنها كانت أحوالا.

[ ص: 333 ] ثامنها:

فيه علم من أعلام النبوة، وهو تكثير القليل، توضؤ الرجال من فضل بعضهم من بعض، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثره وتكثير الطعام معجزات وجدت في مواطن مختلفة وأحوال متقاربة بلغ مجموعها التواتر، وقد صح تكثير الماء من حديث ابن مسعود أيضا وجابر وعمران.

قال الداودي: وفي الحديث مع بقية أحاديث الباب جواز التوضؤ بماء قد توضئ به.

الحديث الثاني:

قال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه.

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا مختصرا، وأخرجه في غزوة الطائف مطولا.

وأخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن العلاء، وعبد الله بن براد كلاهما عن أبي أسامة.

وذكره البخاري معلقا في باب: استعمال فضل وضوء الناس، وقد [ ص: 334 ] سلف، وفيه كما قال الداودي في "شرحه": جواز الوضوء بماء قد مج فيه.

الحديث الثالث:

قال البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، ثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ، فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه.

هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب: مسح الرأس كله.

والتور -بالتاء المثناة فوق- وهو شبه الطست، فارسي معرب مذكر، وحكي تأنيثه.

وقال ابن قرقول: هو مثل قدح من الحجارة، والصفر -بضم الصاد وشذ كسرها-: النحاس، سمي بذلك لصفرته، يقال له: الشبه; لأنه يشبه الذهب. وقال القزاز: هو النحاس الجيد.

قال ابن المنذر: روي عن علي بن أبي طالب أنه توضأ في طست، وعن أنس مثله.

وقال الحسن البصري: رأيت عثمان يصب عليه من أبريق -يعني: نحاسا- وهو يتوضأ.

وفي "الطهور" لأبي عبيد، عن ابن سيرين: كانت الخلفاء يتوضئون في الطست، قال أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة [ ص: 335 ] في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر، إلا شيئا يروى عن ابن عمر من الكراهة.

قلت: قد روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قال: قال معاوية: نهيت أن أتوضأ في النحاس. وحكاه ابن بطال عنه.

قال ابن المنذر في "إشرافه": رخص كثير من أهل العلم في ذلك،

وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور. وما علمت أني رأيت أحدا كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس والرصاص وشبهه، والأشياء على الإباحة وليس يحرم ما هو مباح بموقوف ابن عمر. أي: حيث كره الوضوء في الصفر وكان يتوضأ في حجر، أو خشب، أو أدم.

قال ابن بطال: وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه، وهذه الرواية أشبه بالصواب، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة والحجة البالغة.

قلت: وفي "مسند أحمد" بإسناد جيد عن زينب بنت جحش: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ في مخضب من صفر.

وفي "سنن أبي داود" بإسناد ضعيف عن عائشة: كنت أغتسل أنا [ ص: 336 ] ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تور من شبه.

وقال ابن جريج: ذكرت لعطاء كراهية ابن عمر للصفر فقال: أنا أتوضأ بالنحاس، وما يكره منه شيء إلا رائحته فقط.

وقال بعضهم: يحتمل كراهية ابن عمر له، لما كان جوهرا مستخرجا من معادن الأرض، شبهه بالذهب والفضة فكرهه; لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب في آنية الفضة، وقد روي عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا الوضوء في آنية الفضة، وهم يكرهون الأكل والشرب فيها.

ولما نقل ابن قدامة، عن ابن عمر كراهة الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، نقل كراهته عن اختيار الشيخ أبي الفرج المقدسي; معللا بأن الماء يتغير فيها. قال: وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس.

[ ص: 337 ] الحديث الرابع:

قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة قالت: لما ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - واشتد به وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ورجل آخر. قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس، فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا. قال: هو علي. وكانت عائشة رضي الله عنها تحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعدما دخل بيته واشتد وجعه: "هريقوا علي من سبع قرب، لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس". وأجلس في مخضب لحفصة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم- ثم طفقنا نصب عليه تلك حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس.

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة مواضع: هنا، وفي الصلاة في موضعين في: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي: إنما جعل الإمام ليؤتم به، مختصرا، والهبة، والخمس، وآخر المغازي في باب: مرضه صلى الله عليه وسلم، والطب. وأخرجه مسلم في الصلاة.

[ ص: 338 ] ثانيها:

ثقل -بفتح الثاء المثلثة ثم قاف- أي: اشتد مرضه. وقد قال بعده: واشتد وجعه.

ثالثها:

هذا الاستئذان كان بالتعريض لا بالتصريح; لأنه جاء أنه كان يقول: "أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ " يعرض لهن بذلك، نبه عليه الداودي.

رابعها:

قد يستدل به من يرى وجوب القسم عليه; لأجل الاستئذان، وفيه خلاف لأصحابنا، ومن يقول باستحبابه يقول: فعل ذلك للأفضل، وقد حكي خلاف أيضا في أن المريض إذا لم يقدر على الدوران على نسائه هل يكون تمريضه عند إحداهن راجعا إلى اختياره أو حقا لهن فيقرع بينهن؟

خامسها:

اختياره تمريضه في بيت عائشة دال على فضلها.

سادسها:

معنى (تخط رجلاه في الأرض): لا يستطيع رفعهما ووضعهما والاعتماد عليهما.

سابعها:

قوله: (بين عباس ورجل آخر) قد سلف أن الآخر علي بن أبي [ ص: 339 ] طالب، وقد جاء في رواية: بين الفضل بن عباس. وفي أخرى: بين رجلين أحدهما أسامة.

وطريق الجمع أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة -شرفها الله- تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذا ليده الكريمة، أو أدومهم لها إكراما له واختصاصا به، وعلي وأسامة والفضل يتناوبون اليد الأخرى؛ ولهذا صرحت بالعباس وأبهمت غيره، ويجوز أن يكون عدم تصريحها به؛ لأنه كان بينهما شيء.

ثامنها:

قوله: ("هريقوا علي") كذا في الرواية: "هريقوا" وذكره ابن التين بلفظ: "أهريقوا" ثم قال: صوابه: أريقوا أو هريقوا، على أن يبدل من الهمزة هاء، فأما الجمع بينهما ففيه بعد، وإنما يجتمعان في الفعل المستقبل.

وقال الجوهري: هراق الماء يهريقه هراقة؛ أي: صبه، وأصله: أراق يريق إراقة، وإنما قالوا: أنا أهريقه ولا يقولون: أنا أأريقه لاستثقال الهمزتين، وقد زال ذلك بعد الإبدال، ثم حكى لغتين أخريين فيه: أهرق يهرق، وأهراق: يهريق.

تاسعها:

إنما أمر - والله أعلم- بأن يهراق عليه من سبع قرب على وجه التداوي، كما صب - صلى الله عليه وسلم - وضوءه على المغمى عليه، وكما أمر المعين [ ص: 340 ] أن يغتسل به، وليس كما ظن من غلط وزعم أنه - صلى الله عليه وسلم - اغتسل من إغمائه، نبه على ذلك المهلب، وعن الحسن أن الغسل واجب على المغمى عليه، وعن ابن حبيب: عليه إن طال ذلك به، والعلماء متفقون غير هؤلاء أن من أغمي عليه فلا غسل عليه إلا أن يجنب.

عاشرها:

فيه: إجازة الرقى والتداوي للعليل، وإنما يكره ذلك لمن ليست به علة أن يتخذ التمائم ويستعمل الرقى، وعليه يحمل حديث "لا يسترقون" قاله الداودي في "شرحه"، ومن كره التداوي فإنما كرهه خوف اعتقاد أنها نافعة بطبعها، كما يقوله الطبائعيون.

حادي عشرها.

قصده إلى سبع قرب تبركا بهذا العدد; لأن الله تعالى خلق كثيرا من مخلوقاته سبعا، وقد أفرده بعض المتأخرين بالتأليف.

الثاني عشر:

قوله: (لم تحلل أوكيتهن) تحتمل ثلاثة أشياء كما نبه عليه ابن الجوزي: التبرك عند ذكر الله عند شدها وحلها، وطهارة الماء إذ لم تمسه يد قبل حل الوكاء فيكون أطيب للنفس، وبرده إذ لم يسخن بحرارة الهواء.

الثالث عشر:

قوله: (لعلي أعهد إلى الناس)؛ أي: لعله يخف عني ما أجد،

[ ص: 341 ] وأخبر الناس بشيء يعملون عليه.

الرابع عشر:

قولها: (وأجلس في مخضب) جاء أنه من نحاس. رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة - أو عمرة- عن عائشة وفي هذه الرواية: "لعلي أستريح فأعهد إلى الناس" وهو مؤيد ما أسلفناه.

وقال الداودي: المخضب: شيء كانوا يستعملونه من حجارة كالطست الكبير أو كالجفنة. وهو كما قال، لكنه هنا من نحاس كما سلف فاستفده.

الخامس عشر:

قولها: (ثم طفقنا)؛ أي: جعلنا. يقال: طفق؛ إذا شرع في فعل الشيء، ومنه قوله تعالى: وطفقا يخصفان عليهما [الأعراف: 22].

[ ص: 342 ] السادس عشر:

فيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشتد به المرض ليعظم الله له الأجر، وفي الحديث الآخر: "إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" وسيأتي في موضعه.

وفيه: أن المريض تسكن نفسه لبعض أهله دون بعض.

وفيه: الاغتسال بالماء; لما جعل الله فيه من البركة، وجعل منه حياة كل شيء.

وفيه: استعمال ما لم تمسه الأيدي; لأنه أعزم لبركته.

وفيه: استعمال السبع لما يرجى من خفة المرض.

وفيه: الأخذ بالإشارة. وقولها: (أن قد فعلتن)؛ يعني: أن قد أتيتن على ما أريد من ذلك.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث