الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح إلى قوله نصيبا مفروضا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2613 [ ص: 257 ] 22 - باب: قول الله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح إلى قوله : نصيبا مفروضا [النساء : 6 - 7]

وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم ، وما يأكل منه بقدر عمالته .

2764 - حدثنا هارون ، حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم - حدثنا صخر بن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان يقال له ثمغ ، وكان نخلا ، فقال عمر : يا رسول الله إني استفدت مالا وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدق به . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "تصدق بأصله ، لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، ولكن ينفق ثمره " . فتصدق به عمر ، فصدقته ذلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل ولذي القربى ، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف ، أو يوكل صديقه غير متمول به . [انظر : 2313 - مسلم: 1632 - فتح: 5 \ 392]

2765 - حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [النساء : 6] . قالت : أنزلت في والي اليتيم أن يصيب من ماله إذا كان محتاجا بقدر ماله بالمعروف . [انظر : 2212 - مسلم: 3019 - فتح: 5 \ 392]

[ ص: 258 ]

التالي السابق


[ ص: 258 ] ثم ساق حديث ابن عمر في صدقة عمر بثمغ وكان نخلا .

وفي آخره : (ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف ) إلى آخره ، وقد سلف ، والبخاري رواه عن هارون ، وهو ابن الأشعث الهمداني الثقة ، وهو من أفراده عن أبي سعيد مولى بني هاشم

واسمه : عبد الرحمن (خ س ق ) بن عبد الله بن عبيد البصري ، نزل مكة يلقب جردقة .

وذكر فيه أيضا حديث عائشة رضي الله عنها : ومن كان غنيا فليستعفف [النساء : 6] . قالت : أنزلت في والي اليتيم أن يصيب من ماله إذا كان محتاجا بقدر ماله بالمعروف .

وقد سلف أيضا ، ومعنى : وابتلوا اليتامى اختبروهم في عقولهم ، تميزهم وأذهانهم ، وذلك أن يختبر بعد البلوغ بشيء من ماله ، وظاهر القرآن أنه قبله ، والمراد بالنكاح هنا : الحكم بالإنفاق ، ومعنى : آنستم علمتم رشدا عقلا ، كما قاله أبو حنيفة ; لأنه لا يرى الحجر على حر مسلم وصلاحا في الدين ، أو صلاحا في الدين والمال كما قال الحسن والشافعي ، أو صلاحا وعلما بما يصلح ، والأنثى كالذكر عند الشافعي وأبي حنيفة ، ومشهور مذهب مالك أن يضاف إلى ذلك دخول الزوج بها إسرافا مجاوزة المباح ، فإن فرط قيل : أسرف إسرافا ; فإن قصر قيل : سرف يسرف وبدارا هو أن يأكله مبادرة أن يكبر فيحول بينه وبين ماله .

[ ص: 259 ] وقوله : فليستعفف قال زيد بن أسلم وغيره : نسختها : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء : 29] وهذا ليس تجارة . وقال جماعة : غير منسوخة واختلفوا في معناها ، فقالت عائشة ما في الكتاب ، وقال عمر : إن غنيت تركت وإذا احتجت أكلت بالمعروف .

وقاله ابن عباس ، وفي حديث مرفوع : "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك بماله " وعندنا يأكل أقل الأمرين من أجره ونفقته وقيل : أجرته .

وفي رد البدل قولان أصحهما : لا . وقيل : نعم ، وهو قرض ، وهو قول عطاء وجماعات ، وروي ذلك عن عمر وابن عباس ، وتأوله الداودي على قول عمر : (إنما ) أنا في هذا المال كولي اليتيم إذا استغنى عف ، وإن احتاج أكل ورد . وتأوله الجماعة على أنه لا يرد شيئا كما سلف .

وقال ابن بطال : ومن كان غنيا فليستعفف هو للندب ، وإن أكل بالمعروف لم يكن عليه حرج .

[ ص: 260 ] وقال ربيعة ويحيى بن سعيد : الأكل ها هنا لليتيم لا للولي ، إن كان فقيرا أنفق عليه بقدر فقره . وقال عكرمة وعروة والشعبي ، وروي عن ابن عباس : فليستعفف قال : يتقوت من ماله حتى لا يصيب من مال اليتيم شيئا .

والإشهاد من باب الندب خوف إنكار اليتيم ، وقيل : الإشهاد منسوخ بقوله : وكفى بالله حسيبا أي : شهيدا أو كافيا من الشهود وهذا قول أبي حنيفة أن القول قول الوصي في الدفع . وقيل : معناه فيمن اقترض منه فعليه أن يشهد عند الدفع ، وفسر : حسيبا في رواية أبي ذر : كافيا . وقيل : عالما . وقيل : مقتدرا . وقيل : محاسبا .

وقوله : للرجال نصيب نزلت بسبب أن الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث ، ويقولون : لا يرث إلا من طعن بالرمح . وذكر حديث عمر في الباب ; لذكره أكل الولي منه ، وليس من الباب في شيء كما قاله ابن التين ; لأن عمر شرط ذلك وشرط إطعام الصديق بخلاف الوصي .

(وثمغ ) بإسكان الميم ، وقد فسره بقوله : (وكان نخلا ) .

وقوله : (وهو عندي نفيس ) . أي : خطير يتنافس فيه . وقال الداودي : اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس ، وقال المهلب : إنما أدخل هذا الحديث في الباب ، لأن عمر حبس ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه ، كما جعل مال اليتيم إلى من يليه وينظر فيه ، فالنظر لهؤلاء الأصناف

[ ص: 261 ] كالنظر لليتامى ، لأنهم من جملة هذه الأصناف .

وقال ابن المنير : حديث عمر غير مطابق للترجمة ; لأن عمر هو المالك لمنافع وقفه ولا كذلك الموصي على أولاده ، فإنهم إنما يملكون المال بقسمة الله تعالى وتمليكه ، ولا حق لمالكه فيه بعد موته ، فكذلك كان المختار أن وصي اليتيم ليس له الأكل من ماله إلا أن يكون فقيرا فيأكل .

وفيه من الفقه :

أن عمر فهم عن الله تعالى أن لولي هذا المال أن يأكل منه بالمعروف كما قال تعالى ، وقوله (غير متمول ) كقوله تعالى : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فدل أن ما ليس بسرف أنه جائز لولي اليتيم أن يأكله .

وقوله : (لا جناح على من وليه ) ولم يخص غنيا من فقير .

فيه : إجازة أكل الغني مما يلي .

وقال ابن بطال : جمهور علماء التأويل إنما أباحوا للولي الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرا ، ولم يذكروا في ذلك الغني .

والفقهاء على أنه لا رد ، وقد روى حديث عمر ولم يذكر فيه الرد ، رواه سعيد عن قتادة عن أبي مجلز عنه ، ومن رأى الرد فذلك مخالف لظاهر القرآن .

[ ص: 262 ] وأباح ابن عباس للغني أن يشرب من لبن إبل اليتيم بالمعروف من أجل قيامه عليها وخدمته لها ، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضي ما أكل منها بالمعروف إذا أيسر ، والنظر في ذلك أيضا يبطل وجوب القضاء ; لأن عمر شبه مال الله بمال اليتيم ، وقد أجمعت الأمة : أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف ; لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله ، فلا حجة لهم في قول عمر : (ثم قضيت ) إن صح .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث