الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

4000 4243 - حدثنا الحسن، حدثنا قرة بن حبيب، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر. [فتح: 7 \ 495]

التالي السابق


كانت هذه الغزوة في جمادى الأولى سنة سبع، وأبعد من قال: إنها في سنة ست، وهي على ثمانية برد من المدينة، وفرق فيها الرايات، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر، إنما كانت الألوية، فكانت رايته السوداء من برد لعائشة تدعى العقاب ولواؤه أبيض، ودفعه إلى علي، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم: يا منصور أمت.

ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث نحو الثلاثين:

أحدها:

حديث بشير بن يسار -بضم أوله- أن سويد بن النعمان أخبره، أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ.

[ ص: 352 ] وهذا الحديث سلف في الطهارة بالإسناد المذكور والمتن، فراجعه .

وفيه: جواز الشركة في الأزواد.

ومعنى (ثري): بل بالماء.

وقوله: (ولم يتوضأ) قيل: المراد غسل اليدين والأصح الشرعي، ثم نسخ كما سلف هناك.

ثانيها: حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم: يا عامر ألا تسمعنا، من هنيهاتك. وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول:


اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا     فاغفر فداء لك ما أبقينا
وثبت الأقدام إن لاقينا     وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أبينا     وبالصياح عولوا علينا



فقال - صلى الله عليه وسلم -: "من هذا السائق؟ " وساق الحديث في فتح خيبر، وإلقاء لحوم الحمر الأهلية، وعود سيفه عليه فمات.


الشرح:

قوله: (من هنيهاتك) أي: من أراجيزك، وهو تصغير هنة أنثها بنية الأرجوزة أو الكلمة أو نحوها، وجعل أصلها الهنا كما قال قوم: تصغير السنة سنيهة وتمد سنيها، وقيل في تصغيرهما: هنية وسنية.

قال السهيلي: وهو كناية عن كل شيء لا يعرف اسمه أو يعرفه فكنى عنه أراد أن يحدو بهم، والإبل تستحث بالحداء، ولا يكون الحداء

[ ص: 353 ] إلا شعرا، وأول من سن حداء الإبل مضر بن نزار لما سقط عن بعيره، فكسرت يده، فبقي يقول: وا يداه، وا يداه.

والرجز شعر وإن لم يكن قريضا، وقد قيل ليس بشعر وإنما هو أشطار أبيات، وأما الرجز الذي هو شعر سداسي الأجزاء نحو مقصورة ابن دريد، ورباعي الأجزاء نحو قوله:


يا مر يا خير أخ     نازعت در الحلمة



وقوله: (وكان عامر رجلا شاعرا).

عامر هذا هو ابن الأكوع أخو سلمة بن الأكوع، كما صرح به مسلم في "صحيحه" وكذا صرح به ابن سعد وغيره ، وعند ابن إسحاق عامر عم سلمة . ووقع في "الروض" أن ابن إسحاق قال: قال - صلى الله عليه وسلم - لسلمة بن الأكوع: "أسمعنا من هنياتك" ، والموجود عند ابن إسحاق ما سلف.

وقوله: (يحدو) أي: يزجر الإبل ويغني لها.

وقوله: (فاغفر فداء) هو بفتح الفاء وكسرها، فإذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت، لكن هنا مع الكسر تقصر للضرورة، والفتح على الأصل، قيل: الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي: اغفر لنا تقصيرنا في حقك وطاعتك، إذ لا يتصور أن يقال مثل هذا الكلام لله تعالى.

[ ص: 354 ] قال المازري: وفي بعض الروايات: فاغفر لذا بذال ولا اعتراض عليها; لأن الرب لا يخاطب بالفداء; لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله لبعض الأشخاص، ولعله وقع من غير قصد لمعناه (...) يداه، أو يكون من ضروب الاستعارة; لأن الفادي لغيره قد بالغ في رضا المفدى حتى بذل نفسه في محابه أو يكون المراد رجلا يخاطبه، وقطع بذلك بين الفعل والمفعول، كأنه يقول: فاغفر، ثم عاد إلى رجل ينبهه، فقال: فداء لك، ثم عاد إلى الأول، فقال: ما أبقينا. وفيه تعسف.

وقوله: (ما أبقينا). كذا في الأصول، أي: ما خلفنا مما اكتسبنا، أو يكون معناه: ما أبقينا من الذنوب، فعلم تحقق التوبة منه كما ينبغي، ويروى: اقتفينا. أي: ما تتبعنا من الخطايا من قفوت الأمر واقتفيته، وفي التنزيل: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] ويروى: ما اتقينا.

وقوله: (وبالصياح عولوا علينا). أي: أجلبوا علينا بالصوت مأخوذ من العويل، يقال: أعولت القوس: إذا صوتت، وهذا قول الخطابي .

قال ابن التين: الظاهر أنه مأخوذ من التعويل، أي: استعانوا علينا بالصياح، يقال: عولت بفلان وعليه: إذا استعنت به. قلت: وفي كتاب "العين" عولت بكذا: استعنت به .

وقولهم: (لولا أمتعتنا به). وأصل التمتع التعمير، ومنه متع النهار إذا طال، وقيل: معنى أمتعتنا به: نفعتنا به، ومنه أمتعني الله بك، أي: نفعني. والمخمصة: المجاعة.

[ ص: 355 ] وقوله في القدور: (أو نهريقها) هو بفتح الهاء.

وقوله: (فأصاب عين ركبته)، أي: رأسها، والذباب: حد الرأس.

وقوله: (ساق يهودي) هو مرحب، كما في مسلم .

وقوله: (أو نهريقها ونغسلها قال: "أو ذاك") ذكره بعد قوله أو نكسرها يؤخذ منه جواز غسل الآنية النجسة ومنه آنية المجوس، إذا قلنا أن نهيه عنها على جهة الإعلام بتحريمها لا على كراهتها.

وقوله قبله: ("على أي لحم"، قالوا: لحم الحمر الإنسية). يجوز رفع (لحوم) ونصبه، فالأول على أنه خبر المبتدإ، والثاني على تقدير لحم حمر، فلما سقط الخافض نصب، ويجوز خفضه على بعد في إعمال حرف الخفض وإن حذف من الكلام.

وقوله: (قفلوا) أي: رجعوا.

وقوله: (قال سلمة رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيدي، قال: "ما لك؟ ").

وروي في كتاب الأدب: رآني رسول الله شاحبا .

وقوله: "لجاهد مجاهد" الجاهد: من يرتكب المشقة، والمجاهد: من يجاهد في سبيل الله، وهو مشتق منه.

وقوله: "قل عربي مشى بها مثله" أي: قام بها وارتكبها، وروي: مشابها مثله. وروي: نشأ بها، وذكره البخاري بعد فقال: (وحدثنا قتيبة، ثنا حاتم قال: نشأ بها) النشء: أحداث الناس وهم النشأ،

[ ص: 356 ] ومنه نشأ فلان، وهو اضطراب من رواة الكتاب كما قاله السهيلي فمن قال: مشى بها فالهاء عائدة على المدينة، كما تقول: ليس بين لابتيها مثل فلان، يقال هذا في المدينة والكوفة، ولا يقال في بلد ليس حوله لابتان، أي: جهتان. ويجوز أن الهاء عائدة على الأرض كما قال تعالى: كل من عليها فان [الرحمن: 26] ومن قال: مشابها مفاعلا من الشبه فهو حال من عربي، والحال من النكرة لا بأس به إذا دلت على تصحيح معنى، كقوله: فصلى وراءه رجال قياما ، الحال هنا مصححة لفقه الحديث، أي: صلوا في هذه الحال . وقد أسلفنا الكلام على الحمر الأهلية في غير موضع منها قبل الجزية فراجعه من ثم.

الحديث الثالث:

حديث حميد، عن أنس - رضي الله عنه - أنه - عليه السلام - أتى خيبر ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس. فقال - عليه السلام -: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

ثم ساقه من حديث ابن سيرين عن أنس بنحوه.

وزيادة التكبير ولحوم الحمر، ومن هذا الوجه جاءه جاء. فقال: أفنيت الحمر. فنادى بتحريمها.

ومن حديث ثابت عن أنس بنحوه، وساق قصة صفية وأنها صارت إلى دحية، ثم صارت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل عتقها صداقها.

[ ص: 357 ] وحديث ابن صهيب عن أنس في قصة صفية قال أنس: أصدقها نفسها.

وهذا سلف في الصلاة في باب الفخذ عورة، والماضي سلف في الجهاد في باب: التكبير في الحرب .

و (الخميس): الجيش كما سلف في الصلاة، والنهي عن لحوم الحمر الأهلية للتحريم عند الجمهور، والرجس: القذر والنتن، وقيل: العذاب، فيحتمل أن يريد تؤديه إلى العذاب، والمكاتل: جمع مكتل بمثناة فوق شبيه الزنبيل، قال أبو نصر: يسع خمسة عشر صاعا ، وقال ابن سيده: المكتل والمكتلة: الزنبيل الذي يحمل فيه العنب إلى الجرين ، فتفاءل - عليه السلام -; لأن المساحي والقفاف آلات الهدم فكان كذلك.

وقوله: (فأكفئت القدور) كذا هنا وفي الجهاد.

قال ابن التين: وصوابه: فكفئت، ويحتمل أن يريد أمالوها حتى أزالوا ما فيها، فيكون أكفئت صحيحا; لأن الكسائي قال: أكفئت الإناء: أملته، قلت: وقال الخليل: أكفأته: قلبته . وقال الأصمعي: كفأت الإناء وكل شيء أكفئه كفأ: قلبته، ولا يقال: أكفأه.

وقوله: (فخرجوا يسعون في السكك) في الطرق ومعنى (تفور باللحم): تغلي وروي كذلك .

[ ص: 358 ] وذكر البخاري بعد في حديث ابن أبي أوفى: (وبعضها نضجت) بكسر الضاد أي: طابت أعاده على معنى البعض لا على لفظه; لأنه كان يقول: وبعضها يطبخ إلا أن المعنى وطائفة نضجت.

وقوله في صفية: (فأعتقها وتزوجها)، قيل: ظاهره أن العتق تقدم النكاح، وليس كذلك; لأن الواو لا توجب ترتيبا، ولبيانه في الحديث الآخر: (وجعل عتقها صداقها). وقد سلف أن ذلك من خصائصه، ومنهم من أجازه.

فرع:

قال بعض العلماء: الأمة بنفس عتقها يسقط إجبار السيد إياها على النكاح، وثبت لها الخيار في نفسها، فإذا شرطت على نفسها التزويج قبل العتق فإنه سقط بذلك حقها من الخيار قبل ثبوت ذلك الحق لها، وإسقاط الحق قبل وجوبه لا يصح، كالشفعة إذا أسقطها من هي له قبل بيع الشقص.

آخر: قال رجل: أعتق جاريتك وزوجنيها ولك ألف ففعل وأبت الأمة أن تتزوجه، ففي مذهب مالك أقوال:

أحدها: أن الألف لازمة للرجل وللأمة أن لا تتزوج به .

ثانيها: أن للسيد من الألف قيمة الأمة ويسقط الزائد.

ثالثها لأصبغ: تسقط الألف على قيمتها وصداق المثل، فيكون للسيد ما قابل الأمة، ولا شيء لها فيما سوى ذلك.

فصل:

وفي إغارته - صلى الله عليه وسلم - في وجه الصباح طلب البكور وظهور من يأتيه.

[ ص: 359 ] وفيه أيضا: إباحة المشي ليلا وإتعاب الدواب للحاجة.

وفيه أيضا: أن من بلغته الدعوة من الكفار لا يلزم دعاؤه، ويجوز إغارته. وقد اختلف العلماء في الدعاء قبل القتال والحالة هذه، فكان مالك يقول: الدعوة أصوب بلغهم ذلك أو لم يبلغهم إلا أن يعجلوا المسلمين أن يدعوهم، وفي رواية ابن القاسم عنه: لا يبيتوا حتى يدعوا.

ونقل البويطي عن الشافعي مثله لا تقاتلوا حتى تدعوا إلا أن تعجلوا عن ذلك، فإن لم يفعل، فقد بلغتهم الدعوة.

وفي رواية المزني: أن من لم تبلغهم الدعوة لا يقاتلون حتى تبلغهم، فإن قيل ذلك على عاقلته الدية. وفي رواية فمن بلغتهم الدعوة، فلا بأس أن يغار عليهم بلا دعوة.

وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن دعوهم فحسن، ولا بأس بالإغارة.

وقال الحسن بن صالح: يعجبني كلما حدث إمام بعد إمام أحدث دعوة لأهل الشرك ، ولا بأس به. دليله حديث سهل في الباب ودعاؤهم إلى الإسلام وهو ظاهر في الدعاء أولا، وقد سلفت المسألة واضحة في الجهاد في باب: الدعاء قبل القتال.

الحديث الرابع:

حديث سهل بن سعد في التقائه مع المشركين. الحديث بطوله وقد سلف في الجهاد في باب: لا يقال فلان شهيد، سندا ومتنا ، وهو

[ ص: 360 ] كالدلالة على أنه استحل قتل نفسه أو علم الشارع منه نفاقا، كما نبه عليه البيهقي وأسلفناه هناك.

ثم اعلم أنه ذكر هنا أنه قال: فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه، وذكر في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المذكور بعده أنه أهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه، وظاهره تعدد الواقعة.

وقول ابن التين أنه مخالف له هو كما قال، لكن ما حملناه عليه أولى.

الحديث الخامس:

حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل ممن معه يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس أن يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهما، فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: "قم يا فلان فأذن أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر". تابعه معمر، عن الزهري.

وقال شبيب، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني ابن المسيب وعبد الرحمن بن كعب، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 361 ] وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. تابعه صالح عن الزهري. وقال الزبيدي: أخبرني الزهري، أن عبد الرحمن بن كعب أخبره، أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني من شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر. قال الزهري: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله وسعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الشرح:

معنى (تابعه معمر عن الزهري) يعني: تابع شعيبا، وهذه أخرجها مسلم عن عبد الرزاق عنه ، وأسلفها البخاري في الجهاد في (باب) : "إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر" .

وقوله: (وقال ابن المبارك) إلى آخره. أخرجه النسائي أيضا لكن عن عمران بن بكار [عن أبي اليمان] ، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد به .

وأخرجه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن، قال مسلم: ونسبه غير ابن وهب، فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك .

[ ص: 362 ] قال المازري: كان بعضهم يقول: وهم ابن وهب في إسناده فيقول: عن الزهري، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن كعب. ففسره مسلم وأصلحه كذلك، قال: ونسبه غير ابن وهب، وقال: هكذا قال أحمد بن صالح وغيره، عن ابن وهب، وقال الدارقطني: خالف ابن وهب في هذا القاسم بن مبرور، عن عبد الله بن عبد الله بن كعب، وهو الصواب، وقال بعضهم: قد نبه أبو داود في "السنن" على وهم ابن وهب في هذا ، وكذلك النسائي وذكر الصواب في ذلك .

وأخرجه أبو نعيم في "دلائله" من حديث عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ثم قال: اتفقوا على أنهم كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، فذكر القصة. وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن ذلك كان بأحد، ثم ساقه .

وقال الجياني: الصواب عندي قول الزهري: وأخبرني عبد الرحمن ابن عبد الله وسعيد، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما عبد الله بن كعب بن مالك فلا أعلم له دخولا في هذا الإسناد.

قال الذهلي: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، فذكره. ورواه الذهلي أيضا، عن أحمد بن شبيب، ثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب بلفظ: حنين، فلا أدري ممن الوهم. ومتابعة صالح رواها الذهلي، عن عبد العزيز ابن عبد الله الأويسي، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح.

[ ص: 363 ] وقال الأويسي: حنين، فوهم ومتابعة الزبيدي رواها أيضا عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أخبره أن عمه عبد الله بن كعب قال: أخبرني من شهد خيبر .. ، قال الذهلي: فمعمر وشعيب قد اشتملا على الحديث كله فاستقصياه كله عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ولم يستقصه صالح ولا الزبيدي. قال الجياني: كان الزهري يتفوه بالحديث من طرق شتى لسعة علمه، وكل أصحابه الحفاظ يروي عنه الحديث كما سمعه، فكل هذه الطرق صحاح محفوظة لا يدفع بعضها بعضا ما خلا حديث أحمد بن شبيب، وقد واطأ الزبيدي على إرسال آخر هذا الحديث، عن ابن كعب وابن المسيب: موسى بن عقبة وابن أخي الزهري عن [الزهري].

ثم ساقه من حديث إبراهيم بن حمزة، عن محمد بن فليح، عن موسى، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وابن عبد الله بن كعب أنه - صلى الله عليه وسلم - ..

ومن حديث إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، فذكره. قال أبو علي: في كتاب "التمييز على مسلم" في هذا الإسناد نوع آخر من التصحيف، وكله (نص) على أن الذي وقع في "الجامع" من ذكر عبد الله بن عبد الله وهم، وإنما صحيحه عبد الرحمن بن عبد الله، وكنت أقول: جاء هذا الوهم فيمن دون البخاري لولا أنه ساق الإسناد، كذا في "تاريخه" عن عبد الله بن

[ ص: 364 ] عبد الله
وسعيد ، قال محمد بن يحيى: وأما يونس فحديثه عندنا غير محفوظ، حيث جعله عن سعيد وابن كعب، عن أبي هريرة واشتمل على الحديث كله، ولم يميز منه شيئا، فوهم في الإسناد والمتن جميعا -أعني: حديث أحمد بن شبيب- حيث أسند الحديث بكماله عن عبد الرحمن، وعبد الرحمن لم يرو إلا بعضه .

الحديث السادس:

حديث أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر - أو قال: لما توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم: بالتكبير: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اربعوا على أنفسكم .. " الحديث.

وقد سلف في الجهاد في باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير .

ومعنى ("اربعوا"): ارفقوا وهو بكسر الهمزة، يقال: ربع عليه يربع ربعا: إذا كف عنه، واربع على نفسك: كف عنها وارضى بها.

الحديث السابع:

حدثنا المكي بن إبراهيم، ثنا يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.

هذا من ثلاثياته العالية، ومن أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم -.

[ ص: 365 ] والنفث: نفث الراقي ريقه وهو أقل من التفل في قول ابن فارس . وقال أبو عبيد: هو شبيه بالنفخ، وأما التفل فلا يكون إلا ومعه ريق .

الحديث الثامن: حديث سهل السالف قريبا .

والبخاري ساقه هنا عن عبد الله بن مسلمة، ثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، وساقه هناك عن قتيبة، عن يعقوب، عن أبي حازم، عن سهل، وهو ما ساقه في الجهاد وكما قدمناه، فأراد هنا إردافه عن شيخ آخر.

الحديث التاسع:

حديث أبي عمران قال: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة، فقال: كأنهم الساعة يهود خيبر. فيه إخبار أن هذه كانت حالتهم، وكذا ساقه البخاري.

الحديث العاشر:

حديث سلمة قال: كان علي تخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر، وكان رمدا .. الحديث. وفيه: فأعطاه الراية، ففتح عليه.

الحديث الحادي عشر:

حديث سهل بن سعد مثله. وفيه: "لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". فبات الناس يدوكون. وفي آخره: أنه أعطاها لعلي بعد أن بصق في عينيه فبرأ. وفيه: "ثم ادعهم إلى الإسلام، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".

[ ص: 366 ] وسلف في مناقب علي .

ومعنى (يدوكون) يخوضون والدوكة: الاختلاط والخوض. وبرأ على وزن ضرب، ويجوز: برئ على وزن علم، و"حمر النعم": لون محمود، والنعم: الإبل خاصة تذكر وتؤنث كما سلف، فإذا قلت: أنعام قل على الإبل والبقر والغنم، ومعناه: أن تكون لك فتصدق بها. وقيل: تقتنيها وتملكها. وقيل: النعم مثل الأنعام.

وفيه: منقبة ظاهرة لعلي - رضي الله عنه -.

الحديث الثاني عشر:

حديث عمرو -مولى المطلب- عن أنس - رضي الله عنه - قال: قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروسا، فاصطفاها النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الصهباء حلت، فبنى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال لي: "آذن من حولك". فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.

هذا الحديث سلف في البيوع قريبا من السلم .

الحديث الثالث عشر:

حديث حميد، عن أنس - رضي الله عنه - أنه - عليه السلام - أقام على صفية بنت حيي بطريق خيبر ثلاثة أيام، حتى أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب.

[ ص: 367 ] الحديث الرابع عشر:

حديثه أيضا عنه: أقام - عليه السلام - بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطأ لها خلفه، ومد الحجاب.

الحيس في الحديث الأول هو ما ذكر في الحديث الثالث: التمر والأقط والسمن وعبارة الهروي أنه ثريد من أخلاط.

وفيه: أن الوليمة بعد البناء، وبه صرح ابن الجلاب من المالكية.

وقوله: (يحوي) هو بتشديد الواو، قال القاضي عياض: كذا رويناه، وذكر ثابت والخطابي يحوي، ورويناه كذلك عن بعض رواة البخاري وكلاهما صحيح، وهو أن يجعل لها حوية وهو كساء محشو بليف يدار حول سنام الراحلة، وهي مركب من مراكب النساء، وقد رواه ثابت: يحول، باللام وفسره: يصلح لها عليه مركبا .

والعباءة ممدودة وهي ضرب من الأكسية وكذلك العباة. والعروس: نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث مادام في تعريسهما أياما. قال ابن فارس: وأحسن ذلك أن يقال للرجل معرس; لأنه قد أعرس أي: اتخذ عرسا .

[ ص: 368 ] فائدة:

عمرو الراوي عن أنس في الحديث هو عمرو بن أبي عمرو ميسرة أبي عثمان مولى آل المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمرو بن مخزوم، من رجال مسلم أيضا.

وقال أحمد: لا بأس به، وكذا قال ابن معين، وروى عباس الدوري عنه أنه لا يحتج بحديثه. مات في أول خلافة أبي جعفر، وكان المطلب ابن حنطب من أسارى بدر، فمن عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغير فداء لفقره وعجزه عن فداء نفسه، وليس لأبيه حنطب صحبة ولا رواية وقد ذكره أبو عمر ابن عبد البر في "استيعابه" ووهم وذكر له حديثا رواه المغيرة ابن عبد الرحمن ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبيه، عن جده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر" .

والصواب فيه: عن المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، عن أبيه، عن جده، فوقع الوهم في إسقاط المطلب الأعلى، بدليل أن أبا عمر قال في ترجمة ولده المطلب بن حنطب: روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أبو بكر وعمر .. " الحديث .

الحديث الخامس عشر:

حديث عبد الله بن مغفل -أي بالغين المعجمة والفاء- قال: كنا محاصري قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفت فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاستحييت.

[ ص: 369 ] وقد سلف في أواخر الخمس . ومعنى نزوت: وثبت، والجراب بالكسر أفصح من الفتح، وفيه حجة لمن قال بإباحةلحوم ذبائح أهل الكتاب وهو ما في "المبسوط" وقول ابن نافع وفي كتاب محمد هي محرمة وكرهها ابن القاسم.

وقوله: (فاستحييت) كذا في الأصول بياءين وذكره ابن التين بياء واحدة وقال: كذا وقع، وذلك جائز; لأنه يقال: استحى واستحيى، والثاني: لغة القرآن.

الحديث السادس عشر:

حديث نافع وسالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه - عليه السلام - نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، و عن لحوم الحمر الإنسية.

نهى عن أكل الثوم هو عن نافع وحده. وعن سالم: لحوم الحمر الإنسية.

هذا الحديث من أفراده وظاهر النهي عليه وعلى غيره، لكن في أفراد مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في قصة خيبر أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في المسجد"، فقال الناس: حرمت، حرمت. فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها" . وهو ظاهر في الكراهة فقط، ومثله ما في مسلم من حديث أبي أيوب: أحرام هو؟ قال: "لا، ولكني أكرهه من أجل

[ ص: 370 ] ريحه" قال: فإني أكره ما كرهت، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتى. يعني: يأتيه جبريل ، وفي البخاري أيضا أنه كان لا يأكله، وفيه: "كل فإني أناجي من لا تناجي" والأشبه عند الشافعية أنه كان مكروها في حقه لا حراما .

فائدة:

هذا الحديث رواه البخاري، عن عبيد بن إسماعيل، وفي بعض نسخه: عبيد الله. قال الجياني: هو عبيد الهباري، يقال: كان اسمه عبد الله فغلب عليه عبيد حتى صار كاللقب .

الحديث السابع عشر:

حديث علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.

المراد بمتعة النساء: نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل، وجاء هنا النهي عنها يوم خيبر، وفي "صحيح مسلم" من حديث سبرة بن معبد أنها حرمت عام الفتح ، ولا تصح رواية أنها عام تبوك ، وروي: عام حجة الوداع ، ثم حرمت إلى يوم القيامة، وستكون لنا عودة في

[ ص: 371 ] النكاح -إن شاء الله- فإنه أليق به، وقد أوضحناه بفروعه في "شرح العمدة" أيضا.

وقال السهيلي: النهي عنه في خيبر لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر . ومعنى الحديث النهي عن المتعة بعد ذلك اليوم ، قلت: رواية علي تخالفه، لكن قال البيهقي: إن ابن عيينة كان يزعم ذلك أيضا، قال: ويشبه أن يكون كما قال . قلت: وهو أغرب ما وقع في الشريعة، أبيح، ثم نهي عنه في خيبر، ثم أبيح في عمرة القضاء وأوائل الفتح، ثم نهي عنه، ثم أبيح، ثم نهي عنه إلى يوم القيامة.

الحديث الثامن عشر:

حديث نافع عن ابن عمر أيضا في نهيه يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

وحديث نافع وسالم عنه به.

وحديث جابر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في الخيل.

ثم ذكر حديث ابن أبي أوفى من طرق فيها.

وقد سلف حديث سلمة وأنس مثله، ثم ذكر حديث البراء نحوه.

وفي لفظ: أمرنا في غزوة خيبر أن نلقي الحمر الأهلية نيئة ونضيجة، ثم لم يأمرنا بعد بأكله.

[ ص: 372 ] والنيئ بالكسر ما لم ينضج، وبالفتح: الشحم.

ثم ذكر عن ابن عباس: لا أدري أنهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل أنه حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمه في يوم خيبر. وهو أحد التعاليل.

وقد سلف، والبخاري روى هذا الأخير، عن محمد بن أبي الحسين وهو أبو جعفر محمد بن جعفر بن أبي الحسين السمناني الحافظ من أفراده، عن عمر بن حفص بن غياث النخعي الكوفي، روى البخاري ومسلم عنه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين ورويا هنا عن رجل عنه.

الحديث التاسع عشر:

بعد ذلك حدثنا الحسن بن إسحاق، ثنا محمد بن سابق، ثنا زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل سهما. قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم.

تفسير نافع حجة للجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد خلافا لأبي حنيفة حيث قال: للفرس سهم، وقد أسلفنا الكلام على ذلك واضحا في الجهاد في باب سهام الفرس فراجعه.

و (الحسن) هذا شيخ البخاري هو أبو علي الحسن بن إسحاق بن زياد المروزي مولى بني ليث يلقب حسنويه الشاعر الثقة من أفراده مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، و (محمد بن سابق) كوفي بزاز نزل بغداد، روى له مسلم أيضا عن رجل عنه، وروى عنه البخاري في الوصايا فقط في باب قضاء الوصي ديون الميت، فقال: حدثنا

[ ص: 373 ] محمد بن سابق أو الفضل بن يعقوب عنه، ثنا شيبان ، وروى عن جماعة عنه في مواضع أخر، مات سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة ومائتين وباقي الإسناد لا يسأل عنه.

الحديث العشرون:

حديث سعيد بن المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك. فقال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد". قال جبير: ولم يقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا.

وقد سلف واضحا في الخمس بعد الجهاد .

وقوله: "واحد" كذا سلف هناك أيضا، وذكره ابن التين بلفظ: (شيء) بدل (أحد) ، ثم قال: أي: واحد.

الحديث الحادي بعد العشرين:

حديث أبي موسى - رضي الله عنه - قال: بلغنا مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين أنا وأخوان لي، فذكر الهجرة إلى النجاشي قال: فوافقنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر.

وقوله - عليه السلام - لأسماء بنت عميس: ("ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، وله -يعني: عمر- ولأصحابه هجرة .. ") الحديث بطوله.

وقد سلف قطعة منه في الخمس .

[ ص: 374 ] قول أسماء: (رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا) أي: أفواجا متفرقين وهو جمع رسل، كل شيء أرسلته فهو رسل.

وقولها قبله: (وايم الله) هي ألف وصل، وقيل: قطع بفتح الهمزة، وقيل: بكسرها، يقال: إيم الله وإيمن الله ومن الله، وقيل: أيمن جمع يمين، ثم كثر في كلامهم فحذفوا النون كما قالوا في لم يكن: لم يك.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ("إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل") صوابه: يرحلون بالحاء، كما نبه عليه الدمياطي.

وقوله: ("أن تنتظروهم") كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ: " تنظروهم" ثم قال: أي: تنتظروهم، وهو مثل: انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: 13] ومعنى كلامه أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله ولا يبالون بما أصابهم في ذلك.

الحديث الثاني بعد العشرين:

حديث أبي موسى رضي الله قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا.

قد سلف في الخمس، وأسلفنا في إعطائهم تأويلات.

وقال أبو حنيفة: من جاء بعد القتال وإحراز الغنيمة وقبل الخروج من دار الحرب يسهم له .

وحديث: "الغنيمة لمن شهد الوقعة"، يرده ولا ينفي المعونة عنه أيضا .

[ ص: 375 ] الحديث الثالث بعد العشرين:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إلى وادي القرى، ومعه عبد يقال له مدعم، أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلى والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا". فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشراك أو شراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "شراك من نار أو شراكان من نار".

الشرح:

قوله: (الضباب) كذا هو في الأصول، وصوابه: الضبيب بالتصغير، كما نبه عليه المحدثون، وعن أهل النسب: الضبني بفتح الضاد وكسر الموحدة ونون نسبة إلى ضبينة بطن من جذام، وهذا المهدي اسمه رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي، ثم الضبني، قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هدنة الحديبية قبل خيبر في جماعة من قومه، فأسلموا وعقد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قومه، قاله الواقدي ، وكذا ضباب بكسر الضاد وهو ابن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.

[ ص: 376 ] وقوله: (عائر) أي: جائر عن قصده، قاله الخطابي . وقال ابن فارس: هو الذي لا يدرى من أين يأتي .

الحديث الرابع بعد العشرين:

حديث زيد، عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر المسلمين ببانا ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.

ثم ساق من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر.

وهذا سلف في الجهاد في الغنيمة لمن شهد الوقعة، والمزارعة .

قوله: (ببانا) هو بباء موحدة، ثم مثلها مشددة، ثم ألف، ثم نون، يريد التسوية في القسم وكان يفضل المهاجرين وأهل بدر في العطاء.

قال أبو عبيد: (ببانا ليس لهم شيء) يعني: شيئا واحدا .

وقال الخطابي: لا أحسب هذه اللفظة عربية ولم أسمعها في غير هذا الحديث .

[ ص: 377 ] قال ابن فارس والجوهري: يقال هم ببان واحد، كما يقال: بأج واحد فعلان، وقيل: على طريقة واحدة.

وقال الطبري: هو المعدم الذي لا شيء معه، أي: لولا أن أتركهم فقراء أي: متساوين في الفقر، ومشهور مذهب مالك أن الأرض لا تقسم، وحجة عمر قوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله إلى والذين جاءوا من بعدهم [الحشر: 7 - 10 ] قال: ما أرى هذه الآية إلا مستوعبة لجميع المسلمين حتى الراعي بعدن، فطولب بقسمتها، فامتنع، فألح عليه بلال، فقال: اللهم اكفني بلالا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك، وتلاه عثمان وعلي - رضي الله عنه - مثله، وقد غنم - صلى الله عليه وسلم - غنائم وأراضي ولم ينقل عنه أنه قسم فيها إلا خيبر، وذكر أنه إجماع السلف، فإن رأى الإمام في وقت من الأوقات قسمتها رأيا لم يمتنع ذلك فيها.

الحديث الخامس بعد العشرين:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله، قال له بعض بني سعيد بن العاصي: لا تعطه. فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل ..

الحديث.

سلف في الجهاد في باب الكافر يقتل المسلم .

ثم قال: ويذكر عن الزبيدي، عن الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة فذكره.

وقوله: (تدلى علينا من قدوم الضان) بالنون غير مهموز جبل لدوس، وقدوم بفتح القاف وتخفيف الدال: ثنية.

[ ص: 378 ] وقوله بعد: (من رأس ضال): السدر وهو وهم، وقيل: يقال: في الجبان ضال وضان، وراجع ذلك فيما سلف تجده واضحا.

والوبر: دويبة تشبه السنور، قاله الخطابي : وأحسب أنها تؤكل; لوجوب الفدية فيها عن بعض السلف وكأنه صغر بأبي هريرة ونسبه إلى قلة القدرة على القتال.

ثم ذكر حديث عمرو بن يحيى بن سعيد: أخبرني جدي، أن أبان بن سعيد أقبل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم عليه، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، هذا قاتل ابن قوقل. فقال أبان لأبي هريرة: واعجبا لك وبر تدأدأ من قدوم ضان. ينعى علي امرأ أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده.

وإسلام أبان بين الحديبية وخيبر وهو الذي أجار عثمان يوم الحديبية حين بعثه - صلى الله عليه وسلم - رسولا إلى مكة، وقاتل النعمان بن مالك القوقلي يوم أحد صفوان بن أمية الجمحي ذكره أهل السير وسلف هناك.

وقوله: (تدأدأ) أصله تدهده، أي: تدحرج قلبت الهاء همزة وقد يكون الدأدأ صوت وقع الحجارة في السيل كأنه يقول: وبر هجم علينا، وهو قريب من معنى الأول.

قال القاضي: تدأدأ كذا لهم وعند المروزي تردى وتدلى ومعناهم متقارب أي: نزل من جبله، يقال: تدهده الحجر إذا انحط من علو إلى سفل ، ومعنى: (ينعى علي) أي: يعيبني ويوبخني.

وقوله: (ينعي علي امرأ) أي: قتل امرئ كقوله: واسأل القرية [يوسف:82].

[ ص: 379 ] وقوله: (ومنعه أن يهني بيده) أصله: يهينني فاجتمع نونان متحركان فأسكنت الأولى منهما وأدغمت في الثانية كقوله تعالى: قال ما مكني فيه ربي خير [الكهف: 95] فلما أسكنت النون الأولى اجتمع ساكنان الياء والنون، فحذفت النون; لالتقاء الساكنين.

والحديث الأول فيه أن أبا هريرة لما سأل (قال له بعض بني سعيد: لا تعطه)، والثاني: أن أبا هريرة قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تقسم لأبان وأصحابه. وفي سؤاله القسمة ما دل أن إسلامه بخيبر وهو كذلك.

خاتمة للباب:

ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر - رضي الله عنه - تسأله ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" .. الحديث بطوله.

وقول أبي بكر لعمر رضي الله عنهما: (وما عسيتهم أن يفعلوا بي) أي: وما حسبت أو تخوفت وأصله أن يكون كله رجاء، ويجوز في عسيت فتح السين وكسرها وهما قراءتان.

وقوله: (ولم ننفس عليك خيرا) أي: ننافسك.

وقوله: (فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر) كذا في الأصول رقي بالياء وذكره ابن التين بالألف وقال: كذا وقع، وصوابه: بالياء على وزن علم.

وقول أبي بكر: (لم آل فيها عن الخير) أي: لم أقصر أصله: ألوت آلو مثل: سموت: أسمو، فدخل الجازم فحذف الواو من آلو فبقي آل.

[ ص: 380 ] وقول علي: (ولكنك استبددت علينا بالأمر) أي: انفردت بالأمر والرأي قاله الخليل ، وذكره ابن التين بلفظ: استبدت، ثم قال: أصله استبددت بدالين، وكذلك عند أبي ذر، لكنه يجوز حذف إحداهما، كقوله تعالى: فظلتم تفكهون [الواقعة: 65] وقد سلف فقه الحديث في باب الخمس.

وقوله: (فعاشت -يعني فاطمة- بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر) قيل: عاشت بعده ثلاثة.

ثم ختم البخاري بحديث عكرمة، عن عائشة رضي الله عنها ولما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر.

وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما شبعنا -يعني من التمر- حتى فتحنا خيبر.

والبخاري روى عن الحسن، عن قرة.

والحسن هذا: يقال: هو الزعفراني كذا بخط الدمياطي، وزعم الكلاباذي أنه الحسن بن شجاع بن رجاء البلخي، وقيل: الحسن بن محمد بن الصباح .

خاتمة في قسمة خيبر:

ذكر ابن سعد عن بشير بن يسار أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أخذها عنوة [قسمها] على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم وجعل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين، وسهم النبي فيما

[ ص: 381 ] قسم بين المسلمين الشق والنطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقت الوطيحة والكتيبة وسلالم وما حيز معهن وشهدها مائة فرس .


قال المنذري: واختلف في فتحها هل كان عنوة أو صلحا أو جلا أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحا وبعضها عنوة، وبعضها جلا أهله رعبا، قال: وهذا هو الصحيح وعليه تدل السنن الواردة في ذلك ويندفع التضاد عن الأحاديث; وفي كل وجه أثر مروي.

وقال ابن عبد البر: الصحيح أنها فتحت عنوة كلها مغلوبا عليها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قسم جميع أرضها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية.

لم يختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا هل تقسم الأرض إذا غنمت البلاد أو توقف؟ فقال الكوفيون: الإمام مخير بين القسمة كما فعل الشارع بأرض خيبر، وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق.

وقال الشافعي: يقسم الأرض كلها كما قسم - صلى الله عليه وسلم - خيبر; لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار. وذهب مالك إلى إيقافها اتباعا لعمر، وأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة كما فعل عمر من إيقافها لمن يأتي بعد من المسلمين لأثر عمر السابق.

وفي لفظ: لولا أن يترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر سهمانا. وهو دال على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قال ابن إسحاق.

[ ص: 382 ] وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحا وبعضها عنوة، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليه الشبهة بالحصنين الذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم فلما لم تكن صلحا . لعمري إنه في الرجال والنساء والذرية لضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضها كحكم أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها، وإنما شبه على من قال: إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار -يعني: المذكور أولا- ولو صح هذا لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه; لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهما، فوقع سهمه - صلى الله عليه وسلم - وطائفة معه في ثمانية عشر سهما، ووقع سائر الناس في باقيها، وكلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر، وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحا، ولو كانت صلحا لملكها أهلها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا والصواب فيما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب .

قلت: حديث بشير اختلف في رواية يحيى له، فبعض أصحاب يحيى يقول فيه: عن بشير، عن سهل بن أبي حثمة . وبعضهم يقول: سمع بشير نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا

[ ص: 383 ] -فيما ذكره أبو داود- وبعضهم يقول: عن رجال من الصحابة ، ومنهم من يرسله. قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعزل النصف للمسلمين لما ينوب من النوائب.

ورواية محمد بن فضيل، عن يحيى، عنه، عن رجال من الصحابة أنه - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين النصف الباقي للوفود . فهاتان الروايتان مصرحتان بأن النصف له وللمسلمين المقسوم عليهم والنصف الباقي هو المدخر وأصرح من ذلك رواية سليمان بن بلال، عن يحيى، عن بشير المرسلة أنه - صلى الله عليه وسلم - قسمها ستة وثلاثين سهما، فعزل للمسلمين ثمانية عشر سهما، يجمع كل سهم مائة، سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم كسهم أحدهم، وعزل ثمانية عشر سهما، وهو الشطر لنوائبه، وكان ذلك الوطيح والكتيبة والسلالم وتوابعها . فقد يضمن هذا المدخر للنوائب الذي لم يقسم بين الغنائم هو الوطيح والسلالم الذين لم يجر لهما في الغنيمة ذكر صريح. والكتيبة التي كان بعضها صلحا وبعضها عنوة، وقد يكون غلب عليها حكم الصلح، فلذلك لم يقسم فيها قسم.

وما أسلفناه من أنهم كلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر فالمعروف أن غنائم خيبر كانت لأهل الحديبية من حضر الوقعة بخيبر ومن لم يحضرها، وهو جابر بن عبد الله، وذلك أن الله أعطاهم ذلك في شجرة الحديبية وأن أهل السفينة من لم يشهدوا الحديبية ولا خيبر، وكانوا فيمن قسم لهم من غنائم خيبر، وكذلك الدوسيون

[ ص: 384 ] والأشعريون، وذهب آخرون إلى أن بعضها فتح صلحا وبعضها عنوة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وابن شهاب.

ولأبي داود من حديث عبيد الله بن عمر -قال: أحسبه عن نافع، عن ابن عمر- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن له الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا لحيي بن أخطب فيه ذخيرة من حلي قومت بعشرة آلاف دينار، وكانت لا تزف امرأة إلا استعاروا ذلك الحلي، فقال - صلى الله عليه وسلم - لسعية: "أين مسك حيي؟ " قال: أذهبته الحروب والنفقات. فوجدوا المسك، فقتل ابن أبي الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم، وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ما بدا لك، ولكم الشطر . زاد البلاذري في "فتوحه": وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا .

ففي هذا أنها فتحت صلحا، والصلح انتقض فصار عنوة.

قال ابن إسحاق: وكان المتولي القسم جبار بن صخر وزيد بن ثابت، وكانا حاسبين قاسمين . قال ابن سعد: استعمل على الغنائم فروة بن عمرو البياضي -وعند ابن إسحاق أبو اليسر كعب بن عمرو - ثم أمر فجزئ خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها لله، وسائر السهمان أغفال فكان أول ما خرج سهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر ببيع

[ ص: 385 ] الأربعة أخماس في من يزيد، فباعها فروة، وقسم ذلك بين أصحابه، فكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت، وكانوا ألفا وأربعمائة والخيل مائتي فرس، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهما لكل مائة سهم وللخيل أربعمائة سهم، فكان الخمس الذي صار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة.

قال: وأعطى منه أهل بيته من بني المطلب والأيتام والسؤال، وأطعم من الكتيبة نساءه وبني عبد المطلب وغيرهم .

وفي "شرف المصطفى" أنه - صلى الله عليه وسلم - عرب العربي وهجن الهجين يوم خيبر فأسهم للعربي سهمين وللهجين سهما، وقاد - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ثلاثة أفراس لزاز والسكب والظرب، وقاد الزبير أفراسا.

وروى البلاذري من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قسمت خيبر على ألف وخمسمائة سهم وثمانين سهما; لأنهم كانوا ألفا وخمسمائة وثمانين رجلا، الذين شهدوا الحديبية منهم ألف وخمسمائة وأربعون رجلا، والذين كانوا مع جعفر بالحبشة أربعون رجلا . وهو غريب، فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن أهل السفينتين كانوا ستة عشر رجلا ، وأن قوما منهم قدموا قبل ذلك بنحو سنتين وليس لهم مدخل في هذا.

[ ص: 386 ] وللحاكم في "مستدركه" من حديث ابن أبي سبرة، عن فطر الحارثي خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشرة من يهود المدينة إلى خيبر، فأسهم لهم كسهمان المسلمين، ومعه أيضا عشرون امرأة فأخذ الخمس ولم يسهم لهن.

ولأبي عبيد في "أمواله" أنه - صلى الله عليه وسلم - قسمها أثلاثا إلا ثلاثا السلالم والوطيح والكتيبة فإنه تركها لنوائب المسلمين ، وللسهيلي: لما قسمها أخرج الخمس لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث