الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

5881 ص: فإن قال قائل : فما معنى نهي رسول الله -عليه السلام - عن الحبس الذي رويته عنه في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ؟

قيل له : قد قال الناس في ذلك قولين :

أحدهما : القول الأول الذي ذكرناه عند روايتنا إياه .

والآخر : أن ذلك أريد به ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، فكانوا يحبسون ما يجعلونه كذلك ، فلا يورثونه أحدا ، فلما أنزلت سورة النساء وبين الله -عز وجل - فيها المواريث ، وقسم الأموال عليها ; قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا حبس " .

التالي السابق


ش: لما بين أن الوقف صحيح نافذ ، فإن كان في الصحة فمن جميع المال ، وإن كان في المرض فمن الثلث ، ولا سبيل للورثة عليه ، وأقام عليه دليلا من السنة والقياس انتهض سائل فقال : إذا كان الأمر كذلك ، فما يكون معنى نهيه -عليه السلام - عن الحبس الذي روي عن ابن عباس مرفوعا ، وعن شريح موقوفا عليه ؟ !

فأجاب عن ذلك بقوله : "قيل له . . . . " إلى آخره ، بيانه : أن العلماء أجابوا عن ذلك بجوابين : منهم من قال : إن هذا كان قبل نزول الفرائض ، وقد مضى الكلام فيه .

[ ص: 406 ] ومنهم من قال : "إن ذلك أريد به ما كان أهل الجاهلية . . . . " إلى آخره ، وهذا القول منقول عن الشافعي ومالك ، فقال البيهقي في "الخلافيات " : أنا أبو عبد الله الحافظ محمد بن عبد الله والأستاذ أبو الطاهر محمد بن محمش الفقيه من أصل كتابه ، قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول : سمعت الشافعي يقول : قال مالك : "الحبس الذي جاء محمد -عليه السلام - بإطلاقه هو الذي في كتاب الله -عز وجل - ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام قال محمد بن عبد الله : كلم به مالك أبا يوسف عند أمير المؤمنين " .

وأخرجه في "سننه الكبرى " : من حديث ابن عبد الحكم أيضا ، سمعت الشافعي يقول : "اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين ، فتكلما في الوقوف وما يحبسه الناس ، فقال يعقوب : هذا باطل ، قال شريح : جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بإطلاق الحبس ، وقال مالك : إنما جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة .

فأما الوقوف فهذا وقف عمر - رضي الله عنه - حيث استأذن النبي -عليه السلام - فقال : "حبس أصلها وسبل ثمرتها " ، وهذا وقف الزبير - رضي الله عنه - . فأعجب الخليفة ذلك منه وبقي يعقوب " قلت : يعني انقطع .

و"البحيرة " من البحر وهو الشق ، كانوا إذا ولدت إبلهم سقبا بحروا أذنه -أي شقوها - وقالوا : اللهم إن عاش ففتي ، وإن مات فذكي ، فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة .

وقيل : البحيرة هي بنت "السائبة " ، كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، وتركوها مسيبة لسبيلها ،

[ ص: 407 ] وسموها السائبة ، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها وخلوا سبيلها وحرم منها ما حرم من أمها وسموها البحيرة .

وقيل : السائبة كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو شفاء من مرض أو غير ذلك قال : ناقتي سائبة ، فلا تمنع من ماء ولا مرعى ، ولا تحلب ولا تركب ، وكان الرجل إذا أعتق عبدا فقال : هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث ، وأصله من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت .

"والوصيلة " : هي الشاة ولدت ستة أبطن اثنين اثنين وولدت في السابعة ذكرا أو أنثى قالوا : وصلت أخاها فأحلوا لبنها للرجال ، وحرموه على النساء .

وقيل : إن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء ، وإن كانت أنثى تركت في الغنم ، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاه ولم يذبح ، وكان لبنها حراما على النساء .

"والحام " : هو الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم . قال الفراء : إذا لقح ولد ولده فقد حمى ظهره ، فلا يركب ، ولا يجز له وبر ، ولا يمنع من مرعى ، فهو فاعل من حمى يحمي حماية ، إذا وقيت عنه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث