الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء أن المحرم من الاستطاعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

2382 (51) باب

ما جاء أن المحرم من الاستطاعة

[ 1196 ] عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال ......... إلا ومعها ذو محرم

رواه مسلم (1338) (414).

[ ص: 449 ]

التالي السابق


[ ص: 449 ] (51) ومن باب: ما جاء أن المحرم من الاستطاعة

ظواهر أحاديث هذا الباب متواردة على أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر سفرا طويلا إلا ومعها ذو محرم منها أو زوج ، وسيأتي القول في أقل السفر الطويل ، وقد مر منه طرف في كتاب الصلاة ، فيلزم من هذه الأحاديث أن يكون المحرم شرطا في وجوب الحج على المرأة لهذه الظواهر ، وقد روي ذلك عن النخعي والحسن ، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحاب الرأي وفقهاء أصحاب الحديث ، وذهب عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والأوزاعي ومالك والشافعي إلى أن ذلك ليس بشرط . وروي مثله عن عائشة رضي الله عنها ، لكن الشافعي - في أحد قوليه - يشترط أن يكون معها نساء أو امرأة ثقة مسلمة ، وهو ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل قوله " تخرج مع رجال أو نساء ; هل بمجموع ذلك أم في جماعة من أحد الجنسين ؟ وأكثر ما نقله أصحابنا عنه اشتراط النساء ، وسبب هذا الخلاف مخالفة ظواهر هذه الأحاديث لظاهر قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [آل عمران: 97] وذلك أن قوله : من استطاع ظاهره الاستطاعة بالبدن كما قررناه آنفا ، فيجب على كل من كان قادرا عليه ببدنه ، ومن لم تجد محرما قادرة ببدنها فيجب عليها . فلما تعارضت هذه الظواهر اختلف العلماء في تأويل ذلك ; فجمع أبو حنيفة ومن قال بقوله بينهما بأن جعل الحديث مبينا للاستطاعة في حق المرأة ، ورأى مالك ومن [ ص: 450 ] قال بقوله أن الاستطاعة بينة في نفسها في حق الرجال والنساء وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة ، ألا ترى أنه قد اتفق على أنه يجب عليها أن تسافر مع غير ذي محرم إذا خافت على دينها ونفسها ، وتهاجر من دار الكفر كذلك ، ولذلك لم يختلف في أنها ليس لها أن تسافر سفرا غير واجب مع غير ذي محرم أو زوج ، ويمكن أن يقال : إن المنع في هذه الأحاديث إنما خرج لما يؤدي إليه من الخلوة وانكشاف عوراتهن غالبا ، فإذا أمن ذلك بحيث يكون في الرفقة نساء تنحاش إليهن جاز - كما قاله الشافعي ومالك ، وأما مع الرجال المأمونين ففيه إشكال لأنه مظنة الخلوة وكشف العورة ، وقد أقام الشرع المظنة مقام العلة في غير ما موضع ، والله تعالى أعلم .

وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة " هو على العموم لجميع المؤمنات ; لأن " امرأة " نكرة في سياق النفي فتدخل فيه الشابة والمتجالة ، وهو قول الكافة . وقال بعض أصحابنا : تخرج منه المتجالة ; إذ حالها كحال الرجل في كثير من أمورها . وفيه بعد ; لأن الخلوة بها تحرم ، وما لا يطلع عليه من جسدها غالبا عورة ، فالمظنة موجودة فيها ، والعموم صالح لها ، فينبغي ألا تخرج منه ، والله تعالى أعلم .

وقوله " مسيرة ثلاث ، أو يومين ، أو يوم وليلة " لا يتوهم منه أنه اضطراب أو تناقض ، فإن الرواة لهذه الألفاظ من الصحابة مختلفون ، روى بعض ما لم يرو بعض ، وكل ذلك قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوقات مختلفة بحسب ما سئل عنه .

[ ص: 451 ] وأيضا فإن كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث ، فيصح أن يعين بعضها ، ويحكم عليها بحكم جميعها ، فينص تارة على الثلاث وتارة على أقل منها؛ لأنه داخل فيها ، وقد تقدم الخلاف في أقل مدة السفر في باب القصر .

وقوله " إلا ومعها ذو محرم منها " ، هذا يعم ذوي المحارم سواء كان بالصهر أو بالقرابة ، وهو قول الجمهور ، غير أن مالكا قد كره سفر المرأة مع ابن زوجها ، قال : وذلك لفساد الناس بعد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث