الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

901 (55) باب

ما جاء في سجود القرآن

[ 464 ] عن ابن عمر ، قال : ربما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن ، فيمر بالسجدة فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده ، حتى ما يجد أحدنا مكانا يسجد فيه في غير صلاة .

رواه البخاري (1075)، ومسلم (575) (104)، وأبو داود (1411 - 1413) .

التالي السابق


(55) ومن باب : سجود القرآن

قوله : ربما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن فيمر بالسجدة ، فيسجد بنا ، حتى ازدحمنا عنده هذا يدل على أن سجود القرآن أمر مشهور معمول به في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد استمر العمل عليه ، ولذلك قال مالك : الأمر عندنا : إن عزائم القرآن : إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء ، وبدليل فعل عمر وغيره . وقد اختلف العلماء في حكمه ، وعدده ، ومحله ، ووقته ، وشرطه ، فلترسم في ذلك مسائل :

المسألة الأولى : ذهب أبو حنيفة إلى وجوبه عند قراءة موضع السجدة ، [ ص: 195 ] محتجا في ذلك بما في كتاب الله من الأمر بالسجود ; كقوله : فاسجدوا لله واعبدوا [ النجم :62 ] وكقوله : واسجد واقترب [ العلق :19 ] ، وغير ذلك . وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ، يقول : يا ويله ! أمر ابن آدم بالسجود فسجد ، فله الجنة ، وأمرت بالسجود فعصيت ، فلي النار .

وجمهور الفقهاء على أن سجود التلاوة ليس بواجب ، وصرفوا ما ذكر من الأمر بالسجود إلى الصلاة الواجبة . واختلف أصحابنا هل هو سنة أو فضيلة ؟ على قولين ، فإذا قلنا : إنه ليس بواجب ، فالأولى أن يكون سنة ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد داوم عليه وفعله في جماعة ، وفعله الناس بعده ، فتأكد أمره ، فيكون سنة ، والله أعلم .

المسألة الثانية : واختلف في عدد سجدات القرآن ، فأقصى ما قيل في عددها : خمس عشرة ; أولها : خاتمة الأعراف ، وآخرها : خاتمة العلق ، قاله ابن حبيب من أصحابنا ، وابن وهب في رواية ، وإسحاق . وقيل : أربع عشرة . قاله ابن وهب ، وأسقط ثانية الحج ، وهو قول أبي حنيفة وأهل الرأي ، وقول الشافعي ، إلا أنه أسقط سجدة ص ، وأثبت آخرة الحج ، وقيل : إحدى عشرة ، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل ، وهو مشهور مذهب مالك وأصحابه ، وروي عن ابن عمر وابن عباس . وقيل : عشرة ، وأسقط آخرة الحج ، و ص ، وثلاث المفصل ; ذكر عن ابن عباس . وقيل : إنها أربع سجدات : الم تنزيل ، و حم تنزيل ، والنجم ، والعلق . وسبب الخلاف : اختلاف النقل في الأحاديث والعمل ، واختلافهم في الأمر بالسجود في القرآن : هل المراد به سجود التلاوة ، أو سجود الفرض ، والله أعلم .

[ ص: 196 ] المسألة الثالثة : وأما محله : فمهما قرأ القرآن ، ومر بموضع سجدة سجد إذا كان في وقتها على ما يأتي ، وإن كان في صلاة ففي النافلة إن كان منفردا ، وفي جماعة يأمن التخليط فيها . فإن كان في جماعة لا يأمن فيها ذلك ، فالمنصوص جوازه ، وقيل : لا يسجد فيها . وأما في الفريضة : فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها ، سواء كانت صلاة سر أو جهر ، جماعة أو فرادى ، وهو معلل بكونها زيادة في أعداد السجود في الفريضة . وقيل : هو معلل بخوف التخليط على الجماعة ، وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ، ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط .

المسألة الرابعة : وأما وقته ، فقيل : يسجد في سائر الأوقات مطلقا ; لأنها صلاة لسبب ، وهو قول الشافعي وجماعة . وقيل : ما لم يسفر الصبح ، أو : ما لم تصفر الشمس بعد العصر . وقيل : لا يسجد بعد العصر ، ولا بعد الصبح . وقيل : يسجد بعد الصبح ما لم يسفر ، ولا يسجد بعد العصر . وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا ، وسبب الخلاف : معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها ، لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح ، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين ، والله أعلم .

المسألة الخامسة : في شرطه . قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى : لا خلاف أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة ; من طهارة حدث ونجس ، ونية ، واستقبال قبلة ، ووقت ، على ما تقدم . وهل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده ، وتكبير وتسليم ؟ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع يديه للتكبير لها ، ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة ، واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة ، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء ، ولا سلام لها عند الجمهور . وذهب جماعة من السلف وإسحاق بن [ ص: 197 ] راهويه : إلى أنه يسلم منها . وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام ، وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب .

وقوله : حتى ما يجد أحدنا مكانا يسجد فيه ، وفي لفظ آخر : مكانا لجبهته . اختلف فيمن اعتراه ذلك ، فقال الداودي : مالك يرى لمن نزل به مثل ذلك أن يسجد إذا رفع غيره ، وكان عمر يرى أن يسجد على ظهر أخيه . واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة في خطبته ، فقال مالك : يمر في خطبته ولا يسجد ، وقال الشافعي : ينزل ويسجد ، وإن لم يفعل أجزأه . وقد روي عن عمر في الموطأ ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنهما نزلا وسجدا ، رواه أبو داود وهو صحيح .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث