الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها ) هاتان القاعدتان تلتبسان على كثير من الفقهاء الفضلاء مع أن القاعدة الأولى قاعدة امتناع [ ص: 27 ] واستحالة عقلية لا سبيل إلى أن يقع شيء منها في الشريعة والقاعدة الثانية واقعة في الشريعة في مواقع الإجماع ومواقع الخلاف ولقد حضرت يوما في مجلس فيه فاضلان كبيران من الشافعية فقال أحدهما للآخر : ما معنى قول العلماء الرد بالعيب رفع للعقد من أصله أو من حينه قولان أما من حينه فمسلم معقول .

وأما من أصله فغير معقول بسبب أن العقد واقع في نفسه وهو من جملة ما تضمنه الزمان الماضي ، والقاعدة العقلية أن رفع الواقع محال وإخراج ما تضمنه الزمان الماضي محال فما معنى قولهم إنه رفع للعقد من أصله ؟ قال له الآخر : معنى ذلك أنه يرجع إلى رفع آثاره دون نفس العقد فقال له : الآثار والأحكام هي أيضا واقعة من جملة الواقعات وقد تضمنها أيضا الزمان الماضي فيستحيل رفعها كالعقد ويمتنع إخراجها من الزمان الماضي كسائر الماضيات ، فقال له الآخر : هذا السؤال يرد على مثلي وأظهر الغضب والنفور لقلقه وقوة السؤال وافترقا عن غير جواب وما سبب ذلك إلا الجهل بهذا الفرق وها أنا أوضحه لك بذكر مسائل أربع .

( المسألة الأولى ) الرد بالعيب المتقدم ذكرها والسؤال فيها فنقول العقد واقع ولا سبيل إلى رفعه لكن من قواعد الشرع التقديرات وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود فهذا العقد وإن كان واقعا لكن يقدره الشرع معدوما أي يعطيه الآن حكم عقد لم يوجد لا أنه يرفع بعد وجوده فاندفع الإشكال وفائدة الخلاف تظهر في ولد الجارية والبهائم المبيعة لمن تكون وكذلك الغلات عند من يقول بذلك هل تكون في الزمان الماضي للبائع إن قدرناه معدوما من أصله أو المشتري إن جعلناه مرفوعا من حينه فهذا كله فقه مستقيم وليس فيه مخالفة قاعدة عقلية حتى يلزم ورود الشرع بخلاف العقل وهو من قاعدة تقدير رفع الواقعات لا من قاعدة رفع الواقعات .

( المسألة الثانية ) رفض النيات في العبادات كالصلاة والصوم والحج والطهارة ورفع هذه العبادات بعد وقوعها في جميع ذلك قولان والمشهور في الحج والوضوء عدم الرفع وفي الصلاة والصوم صحة الرفض وذلك كله من المشكلات فإن النية وقعت وكذلك العبادة فكيف يصح رفع الواقع وكيف يصح القصد إلى المستحيل بل النية واقعة قطعا والعبادة محققة جزما فالقصد لرفض ذلك وإبطاله قصد للمستحيل ورفع الواقع وإخراج ما اندرج في الزمن الماضي منه وكل ذلك مستحيل كما تقدم ذلك في الرد بالعيب .

والجواب عنه أن ذلك من باب التقديرات الشرعية بمعنى أن صاحب الشرع يقدر هذه النية أو هذه العبادة في حكم ما لم يوجد لا أنه يبطل [ ص: 28 ] وجودها المندرج في الزمن الماضي بل يجري عليها الآن حكم عبادة أخرى لم توجد قط وما لم يوجد قط يستأنف فعله فيستأنف فعل هذه فهي من قاعدة تقدير رفع الواقعات لا من قاعدة رفع الواقعات فإن قلت وأي دليل وجد في الشريعة يقتضي تمكن المكلف من هذا التقدير ، وأن هذا التقدير يتحقق ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان الماضي بطريق التقدير والقصد إليها فيقصد الإنسان إبطال ما مضى له من جهاد وهجرة وسعي في طلب العلم وغير ذلك من الأعمال بل يكون إذا قصد إلى إبطال ما تقدم له من الإيمان بمجرد القصد لعدم اعتباره من غير كفر ولا ردة ولا معنى من المعاني المنافية للإيمان أن يصير كافرا غير مؤمن في الزمان الماضي وأن حكم إيمانه المتقدم الآن حكم عدمه وحكم جميع أعماله الصالحة كلها كذلك .

وكذلك يقصد إلى إبطال زناه وسرقته وحرابته وأكله الربا وأموال اليتامى وغير ذلك من المناحس والقبائح أن يصير حكمها الآن حكم المعدوم في الزمان الماضي فيستريح من مؤاخذتها ؛ لأن عدم المؤاخذة هي أثر هذا التقدير وجميع ذلك لم يقل به ولا قال فقيه بفتح هذا القياس ولم نجده إلا في هذه المسائل الأربع وجميع ما يمكن أن يقال فيه من التعليل أمكن وجوده في جميع تلك الصور أو في بعضها ولم يرد في هذه الصور الأربع نص يخصصها بهذا الحكم ويمنع من القياس عليها بل المقرر في الشريعة أن عدم اعتبار ما وقع في الزمن الماضي يتوقف على أسباب غير الرفض كالإسلام يهدم ما قبله والهجرة تهدم ما قبلها وكذلك التوبة والحج وعكسها في الأعمال الصالحة لها ما يبطلها وهي الردة والنصوص دلت على اعتبار هذه الأسباب أما الرفض فما نعلم أحدا ذكر دليلا شرعيا يقتضي اعتباره وأن مجرد القصد مؤثر في الأعمال هذا التأثير قلت هذا سؤال حسن قوي متجه ولم أجد شيئا له اتجاه يقتضي اندفاعه على الوجه التام فالأحسن الاعتراف به .

( المسألة الثالثة ) إذا قال لامرأته : إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق من أوله فإنها مباحة الوطء بالإجماع إلى قدوم زيد فإذا قدم زيد آخر الشهر هل تطلق من الآن أو من أول الشهر وهو الذي يراه ابن يونس من أصحابنا مقتضى المذهب فيقضي بوقوع الطلاق فيه والتحريم في أول الشهر فيرفع الإباحة الكائنة في وسط الشهر وهي كانت واقعة فيلزم رفع الواقع وهو محال كما تقدم .

والجواب أنه من باب التقدير الشرعي بمعنى أنا نقدر أن تلك الإباحة في حكم العدم لا أنا نعتقد أنها ارتفعت من الزمن الماضي بل حكمها الآن حكم المرتفعة وقد تقدمت هذه المسألة في باب فرق الشروط والبحث فيها مع الشافعي فلتطالع من هناك فإنه مستوفى .

( المسألة الرابعة ) إذا أعتق عن غيره فإنا نقدر له الملك قبل العتق عنه مع أن الواقع عدم ملكه له قبل العتق وذلك العدم من جملة الواقعات [ ص: 29 ] والواقع من عدم أو وجود في الزمن الماضي يستحيل رفعه فكيف يرتفع عدم الملك ويثبت نقيضه وهو الملك ، والجواب عنه أنه من باب التقدير فيقدر ذلك العدم في حكم المرتفع لا لأنا نرفعه بل نعطيه الآن حكم الارتفاع من إجزاء العتق وثبوت الولاء وغير ذلك ، وكذلك تقدر ملك الدية في قتل الخطأ من قبل الموت بالزمن ليصح الإرث خاصة وهذه التقادير كثيرة في الشريعة وقد بينت ذلك كله مستوفى في كتاب الأمنية في إدراك النية وأنه لا يخلو باب من أبواب الفقه عن التقدير وهذه الفروع كلها تقتضي الفرق بين قاعدة ارتفاع الواقع وبين قاعدة تقدير ارتفاع الواقع وأن الأول مستحيل مطلقا والثاني ممكن مطلقا وبالله التوفيق .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها إلى آخره ) قلت : جميع ما قاله في هذا الفرق صحيح [ ص: 27 ] غير قوله بتقدير الملك للمعتق عنه فإنه .

وإن كان التقدير مما ثبت له حكم في مواضع فلا حاجة في هذه المسألة إليه ولا دليل عليه وغير قوله بتقدير ملك الدية في قتل الخطأ فإنه ليس موضع تقدير الملك أعني بعد إنفاذ المقاتل ، وقبل زهوق الروح بل هو موضع تحقيق للملك والله تعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث