الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها )

هذا الفرق بالغ أبو حنيفة في اعتباره حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل المال الربوي ورد الزائد فإذا باع درهما بدرهمين أوجب العقد درهما من الدرهمين ويرد الدرهم الزائد وكذلك بقية الربويات وبالغ قبالته أحمد بن حنبل في إلغاء هذا الفرق حتى أبطل الصلاة بالثوب المغصوب [ ص: 83 ] والوضوء بالماء المسروق والذبح بالسكين المغصوبة وسوى فيه بين موارد النهي وتوسط مالك والشافعي بين المذهبين فأوجبا الفساد في بعض الفروع دون بعض ، وأنا أذكر حجج الفريقين ثم أذيل بمسائل توضح الفرق .

احتج أبو حنيفة رحمه الله بأن النهي إذا كان في نفس الماهية كانت المفسدة في نفس الماهية والمتضمن للمفسدة فاسد فإن النهي إنما يعتمد المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح كالنهي عن بيع الخنزير والميتة وبيع السفيه ، وتحريره أن أركان العقد أربعة : عوضان وعاقدان فمتى وجدت الأربعة من حيث الجملة سالمة عن النهي فقد وجدت الماهية المعتبرة شرعا سالمة عن النهي فيكون النهي إنما تعلق بأمر خارج عنها ومتى انخرم واحد من الأربعة فقد عدمت الماهية ؛ لأن الماهية المركبة كما تعدم لعدم كل أجزائها تعدم لعدم بعض أجزائها فإذا باع سفيه من سفيه خمرا بخنزير فجميع الأركان معدومة فالماهية معدومة والنهي والفساد في نفس الماهية وإذا باع رشيد من رشيد ثوبا بخنزير فقد فقد ركن من الأربعة وهو أحد العوضين فتكون الماهية معدومة شرعا ولا فرق في ذلك بين واحد من الأربعة أو اثنين أو أكثر .

فإذا باع رشيد من رشيد فضة بفضة فالأركان الأربعة موجودة سالمة عن النهي الشرعي فإذا كانت إحدى الفضتين أكثر فالكثرة وصف حصل لأحد العوضين فالوصف متعلق النهي دون الماهية فهذا هو تحرير كون النهي في الماهية أو في أمر خارج عنها وخرج على ذلك جميع عقود الربا وجميع ما هو من هذا الضابط على ما ذكرته في المثال فمتى وجدت الأركان كلها وأجزاء الماهية فالنهي في الخارج ومتى كان النهي في جزء من أجزاء الماهية أو في جميع أجزائها فالنهي في الماهية إذا تقرر هذا قال أبو حنيفة أصل الماهية سالم عن المفسدة والنهي إنما هو في الخارج عنها فلو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد ، ولو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير جائز فإن التسوية بين مواطن الفساد وبين السالم عن الفساد [ ص: 84 ] خلاف القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي .

والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب وهو فقه حسن واحتج أحمد بن حنبل رضي الله عنه بأن النهي يعتمد المفاسد ومتى ورد نهي أبطلنا ذلك العقد وذلك التصرف بجملته ، فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف أما بدونه فلم يتعرض له المتعاقدان فيبقى على الأصل غير معقود عليه فيرد من يد قابضه بغير عقد ، وكذلك الوضوء بالماء المغصوب معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ومن صلى بغير وضوء حسا فصلاته باطلة ، فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة فهي كلها معدومة شرعا فتكون معدومة حسا ومن فرى الأوداج بغير أداة حسا لم تؤكل ذبيحته فكذلك ذبيحة الذابح بسكين مغصوبة وعلى هذا المنوال .

وأما نحن فتوسطنا بين المذهبين فقلنا بالفساد لأجل النهي عن الوصف في مسائل دون مسائل ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل [ ص: 85 ] المسألة الأولى ) الصلاة في الدار المغصوبة قلنا نحن والشافعية والحنفية بصحتها وقال الحنابلة ببطلانها فنحن نلاحظ أن متعلق الأمر قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة غير أن المصلي جنى على حق صاحب الدار فالنهي في المجاور والحنابلة مشوا على أصلهم في التسوية بين الأصل والوصف .

( المسألة الثانية ) غاصب الخف إذا مسح عليه عندنا صحت طهارته وصلاته وعند الحنابلة تبطل والمدرك عندنا أنه محصل للطهارة بكمالها على الوجه المطلوب شرعا وإنما هو جان على حق صاحب الخف كالصلاة في الدار المغصوبة وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين هذا الفرع وبين المحرم إذا مسح على الخف أن المحرم مخاطب في طهارته بالغسل ولم يأت به فلم تحصل به حقيقة المأمور به بكماله بخلاف الغاصب حصل حقيقة المأمور به بكماله مع حقيقة النهي فكان النهي في المجاور ، وكثيرا ما يسأل عن الفرق بين هاتين المسألتين فيفرق بينهما بأمور وعبارات ليس فيها إبانة عن المقصود وسر الفرق ما ذكرته لك من وجود كمال حقيقة المأمور به في الغاصب وعدم وجودها في المحرم ففي صورة الغاصب نهي عن مجاور وفي صورة المحرم عدم المأمور به فبقيت الذمة مشغولة بالمأمور فالبابان مختلفان من هذا الوجه وإن اشتركا في أن كل واحد منهما عاص باللبس

. ( المسألة الثالثة ) الذي يصلي في ثوب مغصوب أو يتوضأ بماء مغصوب أو يحج بمال حرام كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة خلافا لأحمد والعلة وما تقدم أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة وصورة التطهر قد وجدت من حيث المصلحة لا من حيث الإذن الشرعي وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة كان النهي مجاورا وهي الجناية على الغير كما في الدار المغصوبة فإن قلت لا نسلم وجود حقيقة المأمور به ؛ لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فتكون السترة معدومة حسا مع العمد وذلك مبطل للصلاة وكذلك الوضوء بعين هذا التقرير ولا يمكنني أن أقول ذلك في الحج فإن النفقة لا تعلق لها بالحج ؛ لأنها ليست ركنا ولا صرفت في ركن بل نفقة [ ص: 86 ] الطريق لحفظ حياة المسافر بخلاف المحرم هاهنا صرف فيما هو شرط فكان الشرط معدوما قلت نمنع أن الله تعالى أمر بالطهارة والسترة واشترط فيهما أن تكون الأداة مباحة بل حرم الغصب مطلقا وأوجب الطهارة مطلقا ولم يقيد واحدا منهما ألبتة فكما يتحقق الغصب وإن قارن مأمورا يتحقق المأمور وإن قارن تحريما فما أمر الله تعالى إلا بالصلاة ولم يشترط فيها بقعة مباحة بل أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطا كما أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته .

وكذلك لو عزم في صلاته على قتل إنسان لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم فكذلك في هذه المواطن فإن قلت فما الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل الربا ولم لا وافقت الحنفية في تصحيح العقد فيها كما صحت العبادة مع ثبوت النهي في الوصف وفي الجميع النهي في الوصف دون الأصل والحنفية طردت أصلها وأنت لم تطرد أصلك ، وكذلك الشافعية قلت السر في ذلك أن تلك الحقائق متعلقات العقود والرضا لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين فلو صححنا العقد في البعض لنقلنا ملك البائع بغير رضاه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه } وهذا لم تطب نفسه إلا بما تعلق العقد به فكان الدرهم الباقي بعد إسقاط الدرهم الزائد باقيا على ملك باذله لعدم تناول العقد مقابلته بمثله بل بمثليه ، وأما في هذه الصور حيث قلت بالصحة فالموجود كمال متعلق الأمر فقلت بالصحة لكمال وجود المتعلق وهناك لم يوجد كمال المتعلق وهذا فرق جلي جليل فإن قلت من رضي بأن يكون درهمان من عنده بإزاء درهم فقد رضي بأن يكون درهم واحد من قبله بإزاء درهم واحد بطريق الأولى فقوله لم يحصل الرضا ممنوع بل الرضا حاصل .

قلت الجواب عن هذا السؤال من وجهين الأول هب أن باذل الدرهمين راض فباذل الدرهم غير راض ببذله بإزاء درهم واحد وإنما رضي ببذله بإزاء درهمين سلمنا حصول الرضا لكن الرضا لا يكفي وحده في نقل الأملاك فإنه لو رضي بنقل ملكه وهو ساكت من غير قول ولا فعل ولم ينتقل ملكه فيما علمته إجماعا بل لا بد من عقد أو ما يقوم مقامه ، أما الرضا وحده فليس هو سببا شرعيا بل السبب الشرعي هو الدال على الرضا وهذا السبب له متعلق ولم يوجد فوجب أن لا يقضى باللزوم حينئذ فهذا هو سر الفرق بين الربويات والعبادات فتأمل ذلك فهو حسن

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

[ ص: 81 - 82 ] قال ( شهاب الدين الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج إلى قوله وهذا فقه حسن ) قلت ما قاله حكاية مذهب وتقريره وذلك صحيح غير ما قاله من أن الماهية المركبة كما تعدم لعدم كل أجزائها تعدم بعدم بعض أجزائها فإن ذلك ليس بصحيح فإنه إذا عدم بعض الأجزاء لم تتركب تلك الماهية فلا يكون [ ص: 83 ] ذلك الجزء المعدوم جزءا منها إلا بالتوهم وبتقدير أن يكون جزءا في غير هذا الفرض أما في هذا فلا وغير ما قاله من أن ذلك الذي قرره عن أبي حنيفة فقه حسن وهو قوله .

( قال أبو حنيفة أصل الماهية سالم عن المفسدة والنهي إنما هو في الخارج عنها فلو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد ولو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير جائز فإن التسوية بين مواطن الفساد وبين السالم عن الفساد [ ص: 84 ] خلاف القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب ) قلت لقائل أن يقول ليس الأمر كذلك فإن الوصف إذا نهى عنه سرى النهي إلى الموصوف ؛ لأن الوصف لا وجود له مفارقا للموصوف فيئول الأمر إلى أن النهي يتسلط على الماهية الموصوفة بذلك الوصف فتكون الماهية على ضربين عار عن ذلك الوصف فلا يتسلط النهي عليه ومتصف بذلك الوصف فيتسلط النهي عليه .

قال ( واحتج أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه بأن النهي يعتمد المفاسد إلى قوله ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل ) قلت فيما قاله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه في الوضوء بالماء المغصوب وما أشبهه ومن تسويته بينه وبين مسألة الربا نظر فإن هذه الأمور لم يتسلط النهي فيها على الماهية ولا على وصفها بل تسلط على الغصب من غير تعرض لكونه في وضوء أو غير وضوء بخلاف مسألة الربا فإنه وإن كان النهي في الآية ظاهره التسلط على الربا من غير تعرض لكونه في البيع أو لا فإن الحديث قد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم { لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا [ ص: 85 ] بمثل } فسلط النهي على البيع المشتمل على الزيادة ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه .

قال لا تتوضأ بالماء المغصوب فبين الموضعين فرق من هذا الوجه لا خفاء فيه والله أعلم .

قال ( المسألة الأولى الصلاة في الدار المغصوبة إلى آخرها ) قلت لم يزد على حكاية المذاهب ومستندها ولا كلام في ذلك .

قال ( المسألة الثانية غاصب الخف إذا مسح عليه صحت طهارته وصلاته عندنا وعند الحنابلة تبطل إلى آخرها ) قلت ما قاله في ذلك صحيح إلى منتهى المسألة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث