الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يقول في رفعه من الركوع وبعد انتصابه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ما يقول في رفعه من الركوع وبعد انتصابه

740 - ( عن أبي هريرة قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس } . متفق عليه وفي رواية لهم : ربنا لك الحمد ) .

التالي السابق


قوله : ( إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ) فيه أن التكبير يكون مقارنا لحال القيام وأنه لا يجزئ من قعود . وقد اختلف في وجوب تكبيرة الإحرام ، وقد قدمنا الكلام على ذلك . قوله : ( ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ) فيه متمسك لمن قال : إنه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصل من غير فرق بين الإمام والمؤتم والمنفرد ، وهو الشافعي ومالك وعطاء وأبو داود وأبو بردة ومحمد بن سيرين وإسحاق وداود قالوا : إن المصلي إذا رفع رأسه من الركوع يقول في حال ارتفاعه : سمع الله لمن حمده فإذا استوى قائما ، يقول : ربنا ولك الحمد . وقال الإمام يحيى والثوري والأوزاعي وروي عن مالك أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ويحمد المؤتم . وقال أبو يوسف ومحمد : يجمع بينهما الإمام والمنفرد أيضا ، ولكن يسمع المؤتم

وقال الهادي والقاسم وأبو حنيفة : إنه يقول الإمام والمنفرد سمع الله لمن حمده فقط ، والمأموم ربنا لك الحمد فقط ، وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد ، قال : وبه أقول . انتهى . وهو مروي عن الناصر . احتج القائلون : بأنه يجمع بينهما كل مصل بحديث الباب ولكنه أخص من الدعوى ، لأنه حكاية لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إما كما هو المتبادر ، والغالب ، إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم : { صلوا كما رأيتموني أصلي } يدل على عدم اختصاص ذلك بالإمام . واحتجوا أيضا بما نقله الطحاوي وابن عبد البر من الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما ، وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما فيلحق بهما المؤتم ، لأن الأصل استواء الثلاثة في المشروع في الصلاة إلا ما صرح الشرع باستثنائه

واحتجوا أيضا : بما أخرجه الدارقطني عن بريدة قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 290 ] يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل : سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد } وظاهره عدم الفرق بين كونه منفردا أو إماما أو مأموما ، ولكن سنده ضعيف .

وبما أخرجه أيضا عن أبي هريرة قال : { كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمع الله لمن حمده قال من وراءه : سمع الله لمن حمده } . واحتج القائلون بأنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ببعض هذه الأدلة واحتج القائلون بأن الإمام والمنفرد يقولان : سمع الله لمن حمده فقط والمأموم : ربنا لك الحمد فقط بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ' إنما جعل الإمام ليؤتم به } وفيه { وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا لك الحمد } أخرجه الشيخان ، وأخرجا نحوه من حديث عائشة ، وقد تقدم نحو ذلك في باب التكبير للركوع والسجود من حديث أبي موسى وسيأتي نحوه من حديث أنس .

ويجاب بأن أمر المؤتم بالحمد عند تسميع الإمام لا ينافي فعله له ، كما أنه لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا قال الإمام { ولا الضالين } فقولوا آمين " قراءة المؤتم للفاتحة ، وكذلك أمر المؤتم بالتحميد لا ينافي مشروعيته للإمام كما لا ينافي أمر المؤتم بالتأمين تأمين الإمام وقد استفيد التحميد للإمام والتسميع للمؤتم من أدلة أخرى هي المذكورة سابقا ، والواو في قوله : " ربنا ولك الحمد " ثابتة في أكثر الروايات ، وقد قدمنا أنها زيادة فيكون الأخذ بها أرجح ، لا كما قال النووي : أنه لا ترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى ، وهي عاطفة على مقدر بعد قوله ربنا وهو استجب كما قال ابن دقيق العيد ، أو حمدنك كما قال النووي ، أو الواو زائدة كما قال عمرو بن العلاء ، أو للحال كما قال غيره ، وروي عن أحمد بن حنبل أنه إذا قال : ربنا ، قال : ولك الحمد ، وإذا قال : اللهم ربنا ، قال : لك الحمد

قال ابن القيم : لم يأت في حديث صحيح الجمع بين لفظ اللهم وبين الواو . وأقول : قد ثبت الجمع بينهما في صحيح البخاري في باب : صلاة القاعد من حديث أنس بلفظ وإذا قال : " سمع الله لمن حمده ، فقولوا : " اللهم ربنا ولك الحمد " قد تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخاري . قوله : ( ثم يكبر حين يهوي ) فيه أن التكبير ذكر الهوي فيبتدئ به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجدا . قوله : ( وفي رواية لهم ) يعني البخاري ومسلما وأحمد ، لأن المتفق عليه في اصطلاحه هو ما أخرجه هؤلاء الثلاثة كما تقدم في أول الكتاب لا ما أخرجه الشيخان فقط كما هو اصطلاح غيره . والحديث يدل على مشروعية تكبير النقل ، وقد قدمنا الكلام عليهم مستوفى

[ ص: 291 ] 741 - ( وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد } . متفق عليه ) . الحديث قد سبق شرحه في باب التكبير للركوع والسجود .

وفي الحديث الذي في أول الباب ، وقد احتج به القائلون بأن الإمام والمنفرد يقولان : سمع الله لمن حمده فقط ، والمؤتم يقول : ربنا ولك الحمد فقط . وقد عرفت الجواب عن ذلك

742 - ( وعن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد } . رواه مسلم والنسائي ) . الحديث قد تقدم طرف من شرحه في حديث علي المتقدم في باب ذكر الاستفتاح بين التكبير والقراءة

قوله : ( أهل الثناء والجد ) هو في صحيح مسلم بزيادة : " أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد " قيل

قوله : لا مانع . . . إلخ . وأهل منصوب على النداء أو الاختصاص وهذا هو المشهور وجوز بعضهم رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف والثناء : الوصف الجميل ، والمجد : العظمة والشرف وقد وقع في بعض نسخ مسلم الحمد مكان المجد . قوله : ( لا مانع لما أعطيت ) هذه جملة مستأنفة متضمنة للتفويض والإذعان والاعتراف . قوله : ( ذا الجد ) بفتح الجيم على المشهور ، وروى ابن عبد البر عن البعض الكسر قال ابن جرير : وهو خلاف ما عرفه أهل النقل ولا يعلم من قاله غيره ومعناه بالفتح : الحظ والغنى والعظمة : أي لا ينفعه ذلك وإنما ينفعه العمل الصالح ، وبالكسر : الاجتهاد أي لا ينفعه اجتهاده وإنما ينفعه الرحمة . والحديث يدل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والذكر فيه بهذا . وقد وردت في تطويله أحاديث كثيرة وسيأتي الكلام على ذلك .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث