الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز وإن لم يبين لمن ذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز وإن لم يبين لمن ذلك

2605 حدثنا محمد بن سلام أخبرنا مخلد بن يزيد أخبرنا ابن جريج قال أخبرني يعلى أنه سمع عكرمة يقول أنبأنا ابن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها فقال يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها أينفعها شيء إن تصدقت به عنها قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها

التالي السابق


قوله : ( باب إذا وقف شيئا قبل أن يدفعه إلى غيره فهو جائز ) أي صحيح وهو قول الجمهور ، وعن مالك لا يتم الوقف إلا بالقبض ، وبه قال محمد بن الحسن والشافعي في قول ، واحتج الطحاوي للصحة بأن الوقف شبيه بالعتق لاشتراكهما في أنهما تمليك لله تعالى فينفذ بالقول المجرد عن القبض ، ويفارق الهبة في أنها تمليك لآدمي فلا تتم إلا بقبضه ، واستدل البخاري في ذلك بقصة عمر فقال : لأن عمر أوقف وقال : " لا جناح على من وليه أن يأكل " ولم يخص إن وليه عمر أو غيره ، وفي وجه الدلالة منه غموض ، وقد تعقب بأن غاية ما ذكر عن عمر هو أن كل من ولي الوقف أبيح له التناول ، وقد تقدم ذلك في الترجمة التي قبلها ، [ ص: 452 ] ولا يلزم من ذلك أن كل أحد يسوغ له أن يتولى الوقف المذكور ، بل الوقف لا بد له من متول ، فيحتمل أن يكون صاحبه ويحتمل أن يكون غيره فليس في قصة عمر ما يعين أحد الاحتمالين ، والذي يظهر أن مراده أن عمر لما وقف ثم شرط لم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراجه عن يده فكان تقريره لذلك دالا على صحة الوقف وإن لم يقبضه الموقوف عليه ، وأما ما زعمه ابن التين من أن عمر دفع الوقف لحفصة فمردود كما سأوضحه في " باب الوقف كيف يكتب " إن شاء الله تعالى .

( تنبيه ) : قوله : " أوقف " كذا ثبت للأكثر وهي لغة نادرة ، والفصيح المشهور " وقف " بغير ألف ، ووهم من زعم أن أوقف لحن ، قال ابن التين قد ضرب على الألف في بعض النسخ ، وإسقاطها صواب ، قال : ولا يقال : أوقف إلا لمن فعل شيئا ثم نزع عنه .

قوله : ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة : أرى أن تجعلها في الأقربين ) الحديث تقدم موصولا قريبا ، وهذا لفظ إسحاق بن أبي طلحة ، قال الداودي : ما استدل به البخاري على صحة الوقف قبل القبض من قصة عمر وأبي طلحة حمل الشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه ، ودفع للظاهر عن وجهه ، لأنه هو روى أن عمر دفع الوقف لابنته ، وأن أبا طلحة دفع صدقته إلى أبي بن كعب وحسان ، وأجاب ابن التين بأن البخاري إنما أراد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرج عن أبي طلحة ملكه بمجرد قوله : " هي لله صدقة " ولهذا يقول مالك : إن الصدقة تلزم بالقول وإن كان يقول إنها لا تتم إلا بالقبض ، نعم استدلاله بقصة عمر معترض ، وانتقاد الداودي صحيح انتهى ، وقد قدمت توجيهه ، وأما ابن بطال فنازع في الاستدلال بقصة أبي طلحة بأنه يحتمل أن تكون خرجت من يده ويحتمل أنها استمرت فلا دلالة فيها ، وأجاب ابن المنير بأن أبا طلحة أطلق صدقة أرضه وفوض إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مصرفها ، فلما قال له " أرى أن تجعلها في الأقربين " ففوض له قسمتها بينهم صار كأنه أقرها في يده بعد أن مضت الصدقة .

قلت : وسيأتي التصريح بأن أبا طلحة هو الذي تولى قسمتها وبذلك يتم الجواب ، وقد باشر أبو طلحة تعيين مصرفها تفصيلا ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان عين له جهة المصرف لكنه أجمل فاقتصر على الأقربين ، فلما لم يمكن أبا طلحة أن يعم بها الأقربين لانتشارهم اقتصر على بعضهم فخص بها من اختار منهم .

قوله : ( باب إذا قال داري صدقة لله ولم يبين للفقراء أو غيرهم فهو جائز ، ويعطيها للأقربين أو حيث أراد ) أي تتم الصدقة قبل تعيين جهة مصرفها ثم يعين بعد ذلك فيما شاء .

قوله : ( قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة إلخ ) هو من سياق إسحاق بن أبي طلحة أيضا ، وقوله [ ص: 453 ] : ( فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ) هو من تفقه المصنف . وقوله : ( وقال بعضهم لا يجوز حتى يبين لمن ) أي حتى يعين ، وسيأتي بيانه في الباب الذي يليه .

قوله : ( باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز ، وإن لم يبين لمن ذلك ) فهذه الترجمة أخص من التي قبلها ، لأن الأولى فيما إذا لم يعين المتصدق عنه ولا المتصدق عليه ، وهذه فيما إذا عين المتصدق عنه فقط ، قال ابن بطال : ذهب مالك إلى صحة الوقف وإن لم يعين مصرفه ، ووافقه أبو يوسف ومحمد والشافعي في قول ، قال ابن القصار : وجهه أنه إذا قال : وقف أو صدقة فإنما أراد به البر والقربة ، وأولى الناس ببره أقاربه ولا سيما إذا كانوا فقراء ، وهو كمن أوصى بثلث ماله ولم يعين مصرفه فإنه يصح ويصرف في الفقراء . والقول الآخر للشافعي أن الوقف لا يصح حتى يعين جهة مصرفه وإلا فهو باق على ملكه ، وقال بعض الشافعية : إن قال وقفته وأطلق فهو محل الخلاف ، وإن قال وقفته لله خرج عن ملكه جزما ، ودليله قصة أبي طلحة .

قوله : ( حدثنا محمد ) كذا للأكثر غير منسوب ، وفي رواية أبي ذر وابن شبويه " حدثنا محمد بن سلام " .

قوله : ( أخبرني يعلى ) هو ابن مسلم سماه عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج عنه ، وهو مكي أصله من البصرة ، ووهم الطرقي في زعمه أنه ابن حكيم ، وليس ليعلى بن مسلم عن عكرمة في البخاري سوى هذا الموضع ، ورجال الإسناد ما بين مكي وبصري .

قوله : ( أن سعد بن عبادة ) هو الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج ، وسيأتي بعد أبواب من هذا الوجه " أن سعد بن عبادة أخي بني ساعدة " وبنو ساعدة بطن من الخزرج شهير .

قوله ( توفيت أمه وهو غائب عنها ) هي عمرة بنت مسعود ، وقيل سعد بن قيس بن عمرو أنصارية خزرجية ، ذكر ابن سعد أنها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس والنبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة دومة الجندل وابنها سعد بن عبادة معه ، قالا فلما رجعوا جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى على قبرها ، وعلى هذا فهذا الحديث مرسل صحابي لأن ابن عباس كان حينئذ مع أبويه بمكة ; والذي يظهر أنه سمعه من سعد بن عبادة كما سأبينه بعد ثلاثة أبواب .

[ ص: 454 ] قوله : ( المخراف ) بكسر أوله وسكون المعجمة وآخره فاء أي المكان المثمر ، سمي بذلك لما يخرف منه أي يجني من الثمرة ، تقول شجرة مخراف ومثمار قاله الخطابي ، ووقع في رواية عبد الرزاق " المخرف " بغير ألف وهو اسم الحائط المذكور ، والحائط البستان .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث