الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1213 حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح جميعا عن الليث بن سعد قال قتيبة حدثنا ليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي قال فقلنا حل ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكي فقال ما شأنك قالت شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجك وعمرتك جميعا فقالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت قال فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة وحدثني محمد بن حاتم وعبد بن حميد قال ابن حاتم حدثنا وقال عبد أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي فذكر بمثل حديث الليث إلى آخره ولم يذكر ما قبل هذا من حديث الليث وحدثني أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ يعني ابن هشام حدثني أبي عن مطر عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن عائشة رضي الله عنها في حجة النبي صلى الله عليه وسلم أهلت بعمرة وساق الحديث بمعنى حديث الليث وزاد في الحديث قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلت بعمرة من التنعيم قال مطر قال أبو الزبير فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم

التالي السابق


قوله في حديث جابر : ( أن عائشة عركت ) هو بفتح العين والراء ومعناه حاضت . يقال : عركت تعرك عروكا كقعدت تقعد قعودا .

قوله : ( أهللنا يوم التروية ) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة ، سبق بيانه ، وفيه دليل لمذهب الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج استحب له أن يحرم يوم التروية ، ولا يقدمه عليه ، وسبقت المسألة ومذاهب العلماء فيها في أوائل كتاب الحج .

[ ص: 320 ] قوله صلى الله عليه وسلم : ( هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج ) هذا الغسل هو الغسل للإحرام ، وقد سبق بيانه ، وأنه يستحب لكل من أراد الإحرام بحج أو عمرة سواء الحائض وغيرها .

قوله : ( حتى إذا طهرت ) بفتح الطاء وضمها ، والفتح أفصح .

قوله : ( حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ، ثم قال : قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) هذا صريح في أن عمرتها لم تبطل ، ولم تخرج منها ، وأن قوله صلى الله عليه وسلم : ( ارفضي عمرتك ودعي عمرتك ) متأول كما سبق بيانه واضحا في أوائل هذا الباب .

قوله : ( حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال : قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة إحداها أن عائشة رضي الله عنها كانت قارنة ولم تبطل عمرتها ، وأن الرفض المذكور متأول كما سبق ، والثانية أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد ، وهو مذهب الشافعي ، والجمهور ، وقال أبو حنيفة وطائفة : يلزمه طوافان وسعيان ، والثالثة أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح ، وموضع الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت ، ولم تسع كما لم تطف فلو لم يكن السعي متوقفا على تقدم الطواف عليه لما أخرته . واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت ، وهو يوم النحر في حجة الوداع ، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضا لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشرة ، ذكره أبو محمد بن حزم في كتاب حجة الوداع .

قوله : ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا حتى إذا هويت الشيء تابعها عليه ) معناه إذا هويت شيئا لا نقص فيه في الدين مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه . وقوله : ( سهلا ) أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفا ميسرا في الخلق كما قال الله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم وفيه حسن معاشرة الأزواج . قال الله تعالى : وعاشروهن بالمعروف لا سيما فيما كان من باب الطاعة والله أعلم .

قوله ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان ) الولدان هم الصبيان ، ففيه [ ص: 321 ] صحة حج الصبي ، والحج به ومذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي ويثاب عليه ، ويترتب عليه حج البالغ إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام ، فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإسلام . وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال : لا يصح له إحرام ولا حج ولا ثواب فيه ، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحج ، قال : وإنما يحتج به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم . كذلك لا تصح صلاته وإنما يؤمر بها لما ذكرناه ، وكذلك عنده سائر العبادات ، والصواب مذهب الجمهور لحديث ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة رفعت صبيا فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث