الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وكيفية مقتله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وكيفية مقتله

كان إبراهيم قد نزل في بني ضبيعة من البصرة ، في دار الحارث بن عيسى ، وكان لا يرى بالنهار ، وكان قدومه إليها بعد أن طاف بلادا كثيرة جدا ، وجرت عليه وعلى أخيه خطوب شديدة هائلة ، وانعقد أسباب هلاكهما في أوقات متعددة ، ثم كان آخر ما استقر أمره بالبصرة في سنة ثلاث [ ص: 373 ] وأربعين ومائة ، بعد منصرف الحجيج .

وقيل : إن أول قدومه إليها كان في مستهل رمضان ، سنة خمس وأربعين ومائة ، بعثه أخوه إليها بعد ظهوره بالمدينة النبوية . قاله الواقدي . قال : وكان يدعو في السر إلى أخيه ، فلما قتل أخوه أظهر الدعوة إلى نفسه ومخالفة المنصور في شوال من هذه السنة . والمشهور أنه قدمها قبل ذلك وأنه أظهر الدعوة في حياة أخيه ، كما قدمنا . والله أعلم .

ولما دخل البصرة أول قدومه إليها نزل عند يحيى بن زياد بن حسان النبطي ، وكان مختفيا عنده هذه المدة كلها ، حتى ظهر في هذه السنة ، وكان أول ظهوره في دار أبي فروة ، وكان أول من بايعه نميلة بن مرة ، وعفو الله بن سفيان ، وعبد الواحد بن زياد ، وعمرو بن سلمة الهجيمي ، وعبيد الله بن يحيى بن حضين الرقاشي ، وندبوا الناس إليه ، فاستجاب له خلق كثير ، فتحول إلى دار أبي مروان في وسط البصرة ، واستفحل أمره ، وبايعه فئام من الناس ، وتفاقم الخطب به ، وبلغ خبره إلى أبي جعفر المنصور ، فازداد غما إلى غمه بأخيه محمد; وذلك لأنه ظهر قبل مقتل أخيه ، كما ذكرنا وإنما كان السبب في تعجيله الظهور بالبصرة كتاب أخيه إليه بذلك ، فامتثل أمره ، ودعا إلى نفسه ، فانتظم أمره بالبصرة ، وكان نائبها للمنصور سفيان بن معاوية ، وكان ممالئا لإبراهيم في الباطن ويبلغه أخباره ، فلا يكترث لها ، ويكذب [ ص: 374 ] بما يخبر به منها ويود أن لو صح أمر إبراهيم ، وقد أمده المنصور بأميرين من أهل خراسان معهما ألفا فارس وراجل ، فأنزلهما عنده ليتقوى بهما على محاربة إبراهيم ، وتحول المنصور من بغداد - وكان قد شرع في عمارتها - إلى الكوفة وجعل كلما اتهم رجلا من أهل الكوفة في أمر إبراهيم ، بعث إليه من يقتله في الليل في منزله ، وكان الفرافصة العجلي قد هم بالوثوب بالكوفة ، فلم يمكنه ذلك لمكان المنصور بها ، وجعل الناس يقصدون البصرة من كل فج عميق لمبايعة إبراهيم ، ويفدون إليها جماعات وفرادى ، وجعل المنصور يرصد لهم المسالح ، فيقتلونهم في الطرقات ، ويأتونه برءوسهم فيصلبها بالكوفة ليتعظ بها الناس ، وأرسل المنصور إلى حرب الراوندي - وكان مرابطا بالجزيرة في ألفي فارس لقتال الخوارج - يستدعيه إلى الكوفة ، فأقبل بمن معه ، فلما اجتاز ببلدة بها أنصار لإبراهيم ، فقالوا له : لا ندعك تجتاز; لأنك إنما طلبك ليحارب إبراهيم . فقال : ويحكم! دعوني . فأبوا فقاتلهم ، فقتل منهم خمسمائة ، وأرسل برءوسهم إلى المنصور ، فقال : هذا أول الفتح . ولما كانت ليلة الاثنين مستهل رمضان من هذه السنة ، خرج إبراهيم في الليل إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسا ، وقدم في هذه الليلة أبو حماد الأبرص في ألفي فارس مدادا لسفيان بن معاوية ، فأنزلهم الأمير [ ص: 375 ] في القصر ، ومال إبراهيم وأصحابه ومن التف عليه وصار إليه إلى دواب أولئك العسكر وأسلحتهم ، فأخذوها جميعا ، فكان هذا أول ما أصاب ، وما أصبح الصباح إلا وقد استظهر جدا ، فصلى بالناس صلاة الصبح في المسجد الجامع ، والتفت الخلائق عليه ما بين ناظر وناصر ، وتحصن سفيان بن معاوية نائب الخليفة بقصر الإمارة ، وجلس عنده الجنود ، فحاصرهم إبراهيم بمن معه ، فطلب سفيان بن معاوية الأمان ، فأعطاه الأمان ، ودخل إبراهيم قصر الإمارة ، فبسطت له حصير ليجلس عليها في مقدم إيوان القصر ، فهبت الريح ، فقلبت الحصير ظهرا لبطن ، فتطير الناس بذلك ، فقال : إنا لا نتطير . وجلس على ظهر الحصير ، وأمر بحبس سفيان بن معاوية مقيدا ، وأراد بذلك أن يبرئ ساحته عند أبي جعفر المنصور ، واستحوذ على ما كان في بيت المال ، فإذا فيه ستمائة ألف ، وقيل : ألفا ألف . فقوي بذلك جدا .

وكان بالبصرة جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي ، وهما ابنا عم الخليفة المنصور ، فركبا في ستمائة فارس ، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا ، فهزم بهؤلاء ستمائة فارس ، وأمن من بقي منهم ، وبعث إبراهيم إلى أهل الأهواز ، فبايعوا له وأطاعوه ، وأرسل إلى نائبها مائتي فارس عليهم المغيرة ، فخرج إليه محمد بن الحصين نائب البلاد في أربعة آلاف ، فهزمه المغيرة ، واستحوذ على البلاد ، وبعث إبراهيم إلى بلاد فارس فأخذها ، وكذلك واسط والمدائن والسواد ، واستفحل أمره جدا ، ولكن لما جاءه نعي أخيه محمد انكسر جدا ، وصلى بالناس يوم العيد وهو مكسور ، [ ص: 376 ] فقال بعضهم : والله لقد رأيت الموت في وجهه وهو يخطب الناس ، فنعى إلى الناس أخاه محمدا ، فازداد الناس حنقا على المنصور ، وأصبح فعسكر بالناس ، واستناب على البصرة نميلة ، وخلف ابنه حسنا معه .

ولما بلغ المنصور خبره تحير في أمره ، وجعل يتأسف على ما فرق من جنده في الممالك ، وكان قد بعث مع ابنه المهدي ثلاثين ألفا إلى الري ، وبعث محمد بن الأشعث إلى إفريقية في أربعين ألفا ، والباقون مع عيسى بن موسى بالحجاز ، ولم يبق معه في معسكره سوى ألفي فارس فكان يأمر بالنيران الكثيرة ، فتوقد ليلا ، فيحسب الناظر أن هناك جنودا كثيرة ، ثم كتب المنصور إلى عيسى بن موسى وهو بالحجاز بعد قتل محمد بن عبد الله بن حسن : إذا قرأت كتابي هذا ، فأقبل من فورك ، ودع كل ما أنت فيه . فلم ينشب أن أقبل إليه ، فقال له : اذهب إلى إبراهيم بالبصرة ولا يهولنك كثرة من معه ، فإنهما جملا بني هاشم المقتولان جميعا ، فابسط يدك ، وثق بما عندك ، وستذكر ما أقول لك ، فكان الأمر كما قال المنصور .

وكتب المنصور إلى ابنه المهدي أن يوجه خازم بن خزيمة في أربعة آلاف إلى الأهواز ، فذهب إليها ، فأخرج منها نائب إبراهيم - وهو المغيرة - وأباحها ثلاثة أيام ، ورجع المغيرة إلى البصرة ، وكذلك بعث إلى كل كورة من هذه الكور التي خلعت يردونهم إلى الطاعة . قالوا : ولزم المنصور موضع مصلاه ، فلا يبرح فيه ليلا ولا نهارا في بذلة ثياب عليه قد اتسخت ، فلم يزل مقيما هناك [ ص: 377 ] بضعا وخمسين يوما ، حتى فتح الله عليه ، وقد قيل له في غبون ذلك : يا أمير المؤمنين ، إن نساءك قد خبثت أنفسهن لغيبتك عنهن . فانتهر القائل ، وقال : ويحك! ليست هذه أيام نساء حتى أرى رأس إبراهيم بين يدي أو يحمل رأسي إليه . وقال بعضهم : دخلت على المنصور وهو مهموم من كثرة ما وقع من الشرور والفتوق والخروق وهو لا يستطيع أن يتابع الكلام من شدة كربه وهمه ، وهو مع ذلك قد أعد لكل أمر ما يسد خلله ، وقد خرجت عن يده البصرة والأهواز وأرض فارس وواسط والمدائن وأرض السواد ، وفي الكوفة عنده مائة ألف سيف مغمدة ، تنتظر به صيحة واحدة ، فيثبون عليه مع إبراهيم ، وهو مع ذلك يعرك النوائب ويمرسها ، ولم تقعد به نفسه ، وهو كما قال الشاعر :


نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما     فصيرته ملكا هماما

وأقبل إبراهيم قاصدا من البصرة إلى الكوفة في مائة ألف مقاتل ، فأرسل إليه المنصور عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا ، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف ، وجاء إبراهيم فنزل في باخمرا في جحافل عظيمة ، فقال له بعض الأمراء : إنك قد اقتربت من المنصور ، فلو أنك سرت إليه بطائفة من جيشك هذا لأخذت بقفاه; فإنه ليس عنده من الجيوش أحد يردون عنه . فقال آخرون منهم : إن الأولى أن نناجز هؤلاء الذين بإزائنا ، ثم هو في قبضتنا . فثناهم [ ص: 378 ] ذلك عن الرأي الأول ، ولو فعلوه لتم لهم الأمر ، ثم قال بعضهم : خندق حول الجيش . فقال آخرون : إن هذا الجيش لا يحتاج إلى خندق حوله . فترك ذلك ، ثم أشار بعضهم بأن يبيت جيش عيسى بن موسى ، فقال إبراهيم : إنى لا أرى ذلك . فتركه ، ثم أشار آخرون بأن يجعل جيشه كراديس ، فإن غلب كردوس ثبت الآخر ، فقال آخرون : إن الأولى أن نقاتل صفوفا; لقوله تعالى : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص [ الصف : 4 ] .

وأقبل الجيشان ، فتصافوا في باخمرا ، وهي على ستة عشر فرسخا من الكوفة فاقتتلوا بها قتالا شديدا ، فانهزم حميد بن قحطبة بمن معه من المقدمة ، فجعل عيسى يناشدهم الله في الرجوع والكرة ، فلا يلوي عليه أحد ، وثبت عيسى بن موسى في مائة رجل من أهله ، فقيل له : لو تنحيت من مكانك هذا لئلا يحطمك جيش إبراهيم . فقال : والله لا أزول عنه حتى يفتح الله لي أو أقتل هاهنا . وكان المنصور قد تقدم إليه بما أخبره به بعض المنجمين; أن الناس يكون لهم جولة مع عيسى بن موسى ، ثم يقومون إليه وتكون العاقبة له ، فاستمر المنهزمون ذاهبين فانتهوا إلى نهر بين جبلين ، فلم يمكنهم خوضه فكروا راجعين بأجمعهم ، فكان أول راجع حميد بن قحطبة الذي كان أول من انهزم ، ثم اجتلدوا هم وأصحاب إبراهيم ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير ، ثم انهزم أصحاب إبراهيم ، وثبت هو في خمسمائة ، وقيل : في أربعمائة . وقيل : في سبعين رجلا . واستظهر عيسى بن موسى وأصحابه ، وقتل إبراهيم في جملة من قتل ، واختلط رأسه مع رءوس أصحابه ، فجعل حميد [ ص: 379 ] يأتي بالرءوس فيعرضها على عيسى بن موسى حتى عرفوا رأس إبراهيم ، فبعثوه مع البشير إلى المنصور ، وكان نيبخت المنجم قد دخل قبل مجيء البشير على المنصور فقال له : يا أمير المؤمنين ، أبشر فإن إبراهيم مقتول . فلم يصدقه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن لم تصدقني فاحبسني ، فإن لم يكن الأمر كما ذكرت لك فاقتلني . فبينا هو عنده إذ جاء البشير بهزيمة إبراهيم ، ولما جيء بالرأس تمثل المنصور ببيت معقر بن حمار البارقي :


فألقت عصاها واستقر بها النوى     كما قر عينا بالإياب المسافر

ويقال : إن المنصور لما نظر إلى الرأس بكى حتى جعلت دموعه تسقط على الرأس ، وقال : والله لقد كنت لهذا كارها ، ولكنك ابتليت بي وابتليت بك . ثم أمر بالرأس ، فنصب للناس بالسوق . وأقطع نيبخت المنجم ألفي جريب .

وذكر صالح مولى المنصور قال : لما جيء برأس إبراهيم جلس المنصور مجلسا عاما ، وجعل الناس يدخلون عليه فيهنئونه ، وينالون من إبراهيم ، [ ص: 380 ] ويقبحون الكلام فيه ابتغاء مرضاة المنصور ، والمنصور واجم متغير اللون لا يتكلم ، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني ، فوقف فسلم ، ثم قال : أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك ، وغفر له ما فرط من حقك . قال : فاصفر لون المنصور ، وأقبل عليه ، وقال : أبا خالد ، مرحبا وأهلا ، هاهنا؟! فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه فجعل كل من جاء يقول كما قال جعفر بن حنظلة .

قال أبو نعيم الفضل بن دكين : كان ذلك في ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة من هذه السنة . يعني سنة خمس وأربعين ومائة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث