الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بناء الرافقة المدينة المشهورة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بناء الرافقة المدينة المشهورة

وفيها أمر المنصور ولده المهدي ببناء الرافقة على منوال بناء بغداد ، ففعل ذلك هذه السنة المباركة .

وفيها أمر المنصور ببناء سور ، وعمل خندق حول الكوفة ، وأخذ ما غرم على ذلك من أموال أهلها; من كل إنسان من ذوي اليسار أربعين درهما . وكان قد فرضها أولا خمسة دراهم ، وجبيت أربعين أربعين ، فقال في ذلك بعضهم :

[ ص: 436 ]

يا لقومي ما لقينا من أمير المؤمنينا     قسم الخمسة فينا
وجبانا الأربعينا

وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسد السلمي .

وفيها طلب ملك الروم الصلح من أبي جعفر المنصور على أن يحمل إلى المنصور الجزية .

وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة ، وغرمه أموالا كثيرة .

وفيها عزل محمد بن سليمان بن علي عن إمرة الكوفة ، فقيل : لأمور بلغته عنه في تعاطي منكرات وأمور لا تليق بالعمال . وقيل : لقتله عبد الكريم بن أبي العوجاء . وقد كان ابن أبي العوجاء هذا زنديقا ، يقال : إنه لما أمر بضرب عنقه اعترف على نفسه بوضع أربعة آلاف حديث يحل فيها الحرام ، ويحرم فيها الحلال ، ويصوم الناس في يوم الفطر ، ويفطرهم في أيام الصيام ، فأراد المنصور أن يجعل قتله له ذنبا ، فعزله به ، وأراد أن يقيده منه ، فقال له عيسى بن علي : يا أمير المؤمنين ، لا تعزله بهذا ، فإنه إنما قتله على الزندقة ، ومتى عزلته بهذا شكرته العامة وذموك . فتركه حينا ، ثم عزله عن الكوفة بعد ذلك ، وولى عليها عمرو بن زهير .

وفيها عزل المنصور عن المدينة الحسن بن زيد ، وولى عليها عمه عبد الصمد بن علي ، وجعل معه فليح بن سليمان مشرفا عليه .

[ ص: 437 ] وعلى إمرة مكة محمد بن إبراهيم بن محمد ، وعلى الكوفة عمرو بن زهير ، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية ، وعلى مصر محمد بن سعيد ، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم .

وفيها توفي صفوان بن عمرو ، وعثمان بن أبي العاتكة الدمشقيان ، وعثمان بن عطاء ، ومسعر بن كدام .

وحماد الراوية

، وهو ابن أبي ليلى ميسرة - ويقال : سابور - بن المبارك بن عبيد الديلمي الكوفي ، مولى مكنف بن زيد الخيل الطائي ، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها ولغاتها ، وهو الذي جمع السبع المعلقات الطوال ، وإنما سمي الراوية; لكثرة روايته الشعر عن العرب ، اختبره الوليد بن يزيد بن عبد الملك أمير المؤمنين فأنشدهم تسعا وعشرين قصيدة على حروف المعجم ، كل قصيدة نحو من مائة بيت ، وزعم أنه لا يسمى شاعر من شعراء العرب إلا أنشد له ما لا [ ص: 438 ] يحفظه غيره ، فأطلق له مائة ألف درهم .

وذكر أبو محمد الحريري في كتابه " درة الغواص " ، أن هشام بن عبد الملك استدعاه من العراق من نائبه يوسف بن عمر ، فلما دخل عليه إذا هو في دار قوراء مرخمة بالرخام والذهب ، وإذا عنده جاريتان حسناوان جدا ، فاستنشده شيئا فأنشده ، فقال له : سل حاجتك . فقال : كائنة ما كانت يا أمير المؤمنين؟ فقال : وما هي؟ قال : تطلق لي إحدى هاتين الجاريتين . فقال : هما لك وما عليهما . وأخلاه في بعض داره ، وأطلق له ألف درهم . هذا ملخص الحكاية ، والظاهر أن هذا الخليفة إنما هو الوليد بن يزيد ، فإنه ذكر أنه شرب معه ، وهشام لم يكن يشرب ، ولم يكن نائبه على العراق يوسف بن عمر ، وإنما كان خالد بن عبد الله القسري ، وبعده يوسف بن عمر . وكانت وفاة حماد في هذه السنة عن ستين سنة .

قال ابن خلكان وقيل : إنه أدرك أول خلافة المهدي في سنة ثمان وخمسين . فالله أعلم .

وفيها قتل حماد عجرد على الزندقة ، وهو حماد بن عمر بن يوسف بن كليب الكوفي ، ويقال : إنه واسطي . مولى بني سواءة ، وكان شاعرا ماجنا ظريفا خليعا ، لكنه كان متهما على الإسلام ، وقد أدرك الدولتين الأموية [ ص: 439 ] والعباسية ، ولكنه ما اشتهر إلا في أيام بني العباس ، وكان بينه وبين بشار بن برد مهاجاة كثيرة ، ولما قتل بشار على الزندقة أيضا ، دفن معه في قبره ، وقيل : إن حماد عجرد مات سنة ثمان وخمسين . وقيل : سنة إحدى وستين ومائة . فالله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث