الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

حكاية غريبة

ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه " المنتظم " أن المأمون بلغه أن رجلا يأتي كل يوم إلى قبور البرامكة فيبكي عليهم ويندبهم ، فبعث من جاءه به ، فدخل عليه وقد يئس من الحياة ، فقال له : ويحك! ما يحملك على صنيعك هذا؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنهم أسدوا إلى معروفا وخيرا كثيرا ، ولي خبر طويل . فقال : قل . قال : أنا المنذر بن المغيرة من أهل دمشق ، كنت في نعمة عظيمة ، فزالت عني حتى أفضى بي الحال إلى أن بعت داري ، ولم يبق لي شيء فأشار بعض أصحابي علي بقصد البرامكة فأتيت بغداد ومعي نيف وعشرون امرأة وصبيا ، فأنزلتهن في مسجد ثم قصدت مسجدا أصلي فيه ، فإذا فيه جماعة لم أر أحسن منهم ، فجلست [ ص: 659 ] إليهم ، فجعلت أدير في نفسي كلاما أطلب به منهم قوتا للعيال ، فيمنعني من ذلك ذل السؤال ، فبينا أنا كذلك إذا بخادم قد أقبل فاستدعاهم ، فقاموا كلهم وقمت معهم ، فدخلوا دارا عظيمة ، فإذا الوزير يحيى بن خالد فيها ، فجلسوا حوله ، فعقد عقد ابنته عائشة على ابن عم له ، ونثروا علينا سحيق المسك وبنادق العنبر ، ثم جاءت الخدم إلى كل واحد من الجماعة بصينية من فضة فيها ألف دينار ، ومعها فتات المسك ، فأخذها القوم ونهضوا ، وبقيت بين يدي الصينية التي وضعوها لي ، وأنا أهاب أن آخذها من عظمتها عندي ، فقال لي بعض الحاضرين : ألا تأخذها وتقوم ؟ فمددت يدي ، فأخذتها فأفرغت ذهبها في جيبي وأخذت الصينية تحت إبطي وقمت وأنا خائف أن تؤخذ مني ، فجعلت أتلفت والوزير ينظر إلي وأنا لا أشعر ، فلما بلغت الستارة أمرهم فردوني ، فيئست من المال ، فلما رجعت قال لي : ما شأنك؟ فقصصت عليه خبري ، فبكى ثم قال لأولاده : خذوا هذا فضموه إليكم . فجاءني خادم ، فأخذ مني الذهب والصينية ، وأقمت عندهم عشرة أيام من ولد إلى ولد وخاطري كله عند عيالي ، ولا يمكنني الانصراف ، فلما انقضت العشرة جاءني خادم فقال : ألا تذهب إلى أهلك؟ فقلت : بلى والله . فقام يمشي أمامي ولم يعطني الذهب ، فقلت : يا ليت هذا كان قبل هذا . فسار يمشي أمامي إلى دار لم أر أحسن منها ، فإذا [ ص: 660 ] عيالي يتمرغون في الذهب والحرير فيها ، وقد وصل إليهم مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار ، وكتاب فيه تمليك الدار بما فيها ، وبقريتين جليلتين لهم ، فكنت مع البرامكة في أطيب عيش ، فلما أصيبوا أخذ مني عمرو بن مسعدة القريتين ، وألزمني بخراجهما ، فكلما لحقتني فاقة قصدت دورهم وقبورهم فبكيت عليهم . فأمر المأمون برد القريتين عليه وخراجهما . فبكى الشيخ بكاء شديدا ، فقال له المأمون : ألم أستأنف بك جميلا ؟ قال : بلى ، ولكن هو من بركة البرامكة . فقال المأمون : امض مصاحبا فإن الوفاء مبارك ، وحسن العهد من الإيمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث