الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الأمير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الأمير

أبي على القبي بن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام

المسترشد بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن الإمام

المستظهر بالله أبي العباس أحمد العباسي الهاشمي

فلما كان يوم الخميس ثاني المحرم ، جلس السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وأمراؤه وأهل الحل والعقد في الإيوان الكبير بقلعة الجبل ، وجاء [ ص: 446 ] الخليفة الحاكم بأمر الله راكبا حتى نزل عند الإيوان ، وقد بسط له إلى جانب السلطان ، وذلك بعد ثبوت نسبه ، فقرئ نسبه على الناس ، ثم أقبل عليه الملك الظاهر بيبرس فبايعه وبايعه الناس بعده ، وكان يوما مشهودا .

فلما كان يوم الجمعة ثانيه خطب الخليفة بالناس ، فقال في خطبته : الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنا ظهيرا ، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا ، أحمده على السراء والضراء ، وأستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء ، وأستنصره على دفع الأعداء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء ، وأئمة الاقتداء الأربعة ، وعلى العباس عمه وكاشف غمه أبي السادة الخلفاء الراشدين وأئمة المهديين ، وعلى بقية الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . أيها الناس اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام ، والجهاد محتوم على جميع الأنام ، ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد ، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم ، ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب الجرائم ، فلو شاهدتم أعداء الإسلام لما دخلوا دار السلام ، واستباحوا الدماء والأموال ، وقتلوا الرجال والأطفال ، وهتكوا حرم الخلافة والحريم ، وأذاقوا من استبقوا العذاب الأليم ، فارتفعت الأصوات بالبكاء والعويل ، وعلت الضجات من هول ذلك اليوم الطويل ، فكم من شيخ خضبت شيبته [ ص: 447 ] بدمائه ، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه ، فشمروا عن ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [ التغابن : 16 ] فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء الدين ، والمحاماة عن المسلمين ، وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد ركن الدنيا والدين ، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار ، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار ، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود ، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود ، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة ، وأخلصوا نياتكم تنصروا ، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا ، ولا يروعكم ما جرى ، فالحرب سجال والعاقبة للمتقين ، والدهر يومان ، والأجر للمؤمنين ، جمع الله على الهدى أمركم ، وأعز بالإيمان نصركم ، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . ثم خطب الثانية ، ونزل فصلى .

وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له ، وضربت السكة باسمه . قال أبو شامة : فخطب له بجامع دمشق وسائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم من هذه السنة . وهذا الخليفة هو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس ، ولم يل الخلافة من بني العباس من ليس والده وجده خليفة بعد السفاح والمنصور سوى هذا ، فأما من ليس والده خليفة فكثير ، منهم المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم ، والمعتضد بن طلحة بن المتوكل ، والقادر بن إسحاق بن المقتدر ، والمقتدي بن الذخيرة بن القائم بأمر الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث