الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الطيب في الحج

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وحدثني عن مالك عن حميد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحنين وعلى الأعرابي قميص وبه أثر صفرة فقال يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انزع قميصك واغسل هذه الصفرة عنك وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك

التالي السابق


728 722 - ( مالك عن حميد بن قيس ) المكي ( عن عطاء بن أبي رباح ) المكي التابعي فهو [ ص: 352 ] مرسل ، وصله البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه .

( أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، قال الحافظ : لم أقف على اسمه لكن في تفسير الطرطوشي أن اسمه عطاء بن أمية .

قال ابن فتحون : إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى راوي الخبر ، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه ، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدا .

وقول شيخنا ابن الملقن : يجوز أنه عمرو بن سواد لأن في الشفاء عنه : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق فقال : ورس ورس حط حط ، وغشيني بقضيب في بطني فأوجعني " الحديث ، لكن عمرو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب ابن وهب ، معترض ، فأما أولا فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة حتى يفسر صاحبها بها .

وأما ثانيا ففي الاستدراك غفلة عظيمة لأن من يقول : أتيت النبي لا يتخيل أنه صاحب صاحب مالك بل إن ثبت فهو آخر اتفاقا في الاسم واسم الأب ولم يثبت لأنه انقلب على شيخنا ، وإنما الذي في الشفاء سواد بن عمرو ، وقيل : سوادة بن عمرو ، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في مصنفه والبغوي في معجمه ، ( وهو بحنين ) أي منصرف من غزوتها ، والموضع الذي لقيه فيه هو الجعرانة قاله ابن عبد البر .

وفي الصحيحين وغيرهما : " أن يعلى قال لعمر : أرني النبي صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه ، قال : فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب ؟ فسكت صلى الله عليه وسلم فجاءه الوحي وأشار عمر إلى يعلى فجاء يعلى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله محمر الوجه وهو يغط ثم سري عنه " .

( وعلى الأعرابي قميص ) ، وفي رواية : وعليه جبة ( وبه أثر صفرة ) من زعفران ( فقال : يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع ؟ ) في عمرتي ( فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بعد سكوته حتى نزل عليه الوحي ثم سري عنه فقال : أين الذي سأل عن العمرة ؟ فأتي به فقال : ( انزع قميصك ، واغسل هذه الصفرة ) ، ولمسلم : اخلع هذه الجبة ، واغسل هذا الزعفران ، ( عنك ) ، زاد الصحيحان : ثلاث مرات ، قال عياض وغيره : يحتمل أنه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فيكون نصا في تكرار الغسل ، ويحتمل أنه من كلام الصحابي وأنه صلى الله عليه وسلم أعاد لفظ اغسل مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه .

( وافعل في عمرتك ما تفعل ) ، وفي رواية : واصنع في عمرتك ما تصنع ( في حجك ) مطابقة لقوله : أن اصنع ، وفيه أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك .

قال ابن العربي : كأنهم كانوا [ ص: 353 ] في الجاهلية يخلقون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا ويتساهلون في العمرة ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد .

وقال ابن المنير : قوله " واصنع " معناه " اترك " لأن المراد ما يجتنبه المحرم فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل .

قال : وقول ابن بطال أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة فيه نظر ، لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال ، فإن في الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده ، ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج .

وقال الباجي : المأمور به غير نزع الثوب وغسل الخلوق لأنه صرح له بهما فلم تبق إلا الفدية .

قال الحافظ : ولا وجه لهذا الحصر بل المأمور به الغسل والنزع .

ففي مسلم والنسائي فقال : ما كنت صانعا في حجك ؟ قال : أنزع عني هذه الثياب ، وأغسل عني هذه الخلوق ، فقال : ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك .

وفيه منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسله من الثوب والبدن وهو قول مالك ومن وافقه .

وأجاب الجمهور بأن هذه القصة كانت بالجعرانة سنة ثمان باتفاق ، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف ، وإنما يؤخذ بالآخر من الأمر وسبق أجوبة عن حديث عائشة ، وفيه أيضا أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه .

وقال مالك : إن طال ذلك عليه لزمه .

وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية تجب مطلقا ، وإن المحرم إذا صار عليه مخيط نزعه ولا يمزقه ولا يشقه وهو قول الجمهور ، خلافا لقول النخعي يشقه ، والشعبي يمزقه ، قالا : ولا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيا لرأسه ، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما .

وعن علي والحسن وأبي قلابة نحوه ، ورد بما رواه أبو داود اخلع عنك الجبة فخلعها من قبل رأسه .

وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال وتمزيق الثوب إضاعة له فلا يجوز ، وفيه أن المفتي أو الحاكم إذا لم يعلم الحكم يمسك حتى يتبين ، وأن بعض الأحكام بينت بالوحي وإن لم تكن مما يتلى ، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحي ، ولا دلالة فيه على منع اجتهاده لاحتمال أنه لم يظهر له الحكم ، أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد ، ولا يلزم معرفة الحكم بطريق منع ما سواه من طرق معرفته .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث