الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب دخول الحائض مكة

حدثني يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا قالت فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى التنعيم فاعتمرت فقال هذا مكان عمرتك فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا منها ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا [ ص: 562 ]

التالي السابق


[ ص: 562 ] 74 - باب دخول الحائض مكة

940 924 - ( مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : خرجنا ) معاشر المسلمين ( مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع ) سميت بذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها ، وقال لعلي لا أحج بعد عامي هذا ، ولم يحج بعد الهجرة غيرها ( فأهللنا بعمرة ) أي أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به ابتداء ، وهو إخبار عن حالها وحال من كان مثلها في الإهلال بعمرة ، لا عن فعل جميع الناس ، فلا ينافي قولها المتقدم : فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بالحج ، وقد اختلفت الروايات فيما أحرمت به عائشة اختلافا كثيرا .

( ثم قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ) لمن معه بعد إحرامهم بالحج وقربهم من مكة بسرف ، كما في رواية عائشة ، أو بعد طوافهم بالبيت ، كما في رواية جابر ، ويحتمل كما قال عياض وغيره : أنه قاله مرتين في الموضعين ، وأن العزيمة كانت آخرا لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ( من كان معه هدي ) بإسكان الدال وخفة الياء وبكسرها وشد الياء ، والأولى أفصح وأشهر اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام ، وسوق الهدي سنة لمريد الحج أو العمرة ( فليهلل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل ) بالحاء فيهما ( منهما ) أي الحج والعمرة ( جميعا ) وفيه دلالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه أنه أدخل الحج على العمرة ، لا مجرد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة ، وأحمد وجماعة متمسكين برواية عقيل عن الزهري في الصحيحين : فقال - صلى الله عليه وسلم : " من أحرم بعمرة ، ولم يهد فليحلل ، ومن أحرم بعمرة وأهدى ، فلا يحل حتى ينحر هديه ، ومن أحرم بحج فليتم حجه " وهي ظاهرة في الدلالة لمذهبهم .

وقال مالك والشافعي وجماعة : يحل بتمام العمرة قياسا على الإجماع على من لم يسق هديا ، ولأنه يحل من نسكه ، فوجب أن يحل له كل شيء .

وأجابوا عن هذه الرواية بأن فيها حذفا بينته رواية مالك هذه وتقديره : ومن أحرم بعمرة ، وأهدى فليهلل بالحج ، وحينئذ فلا يحل حتى ينحر هديه ، وهذا التأويل متعين لأن فيه جمعا بين الروايتين ، لأن القصة واحدة ، والمخرج واحد وهو عائشة [ ص: 563 ] ( قالت : فقدمت مكة وأنا حائض ) جملة اسمية وقعت حالا ، وكان ابتداء حيضها بسرف كما صح عنها ، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة ( فلم أطف بالبيت ) لأن الطهارة شرط فيه ، ولأنه في المسجد ولا تدخله الحائض ( ولا بين الصفا والمروة ) لأن شرطه أن يعقب الطواف ، قال الطيبي : عطف على المنفي قبله على تقدير : ولم أسع ، نحو علفتها تبنا وماء باردا ، ويجوز أن يقدر : ولم أطف ، على طريق المجاز لما في الحديث : وطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط ، وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازا في حالة واحدة ، انتهى .

أي لأن حقيقة الطواف الشرعي لم توجد لأنها الطواف بالبيت ، وأجيب أيضا بأنه سمي السعي طوافا على حقيقته اللغوية ، فالطواف لغة : المشي ( فشكوت ذلك إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) لما دخل عليها وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ فقلت : لا أصلي ، كما في رواية عنها في الصحيح : كنت بذلك عن الحيض ، وهي من لطيف الكنايات .

وفي مسلم عن جابر : أن دخوله عليها وشكواها كان يوم التروية ( فقال : انقضي ) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة ( رأسك ) أي حلي ضفر شعره ( وامتشطي ) أي سرحيه بالمشط ( وأهلي بالحج ودعي ) : اتركي ( العمرة ) ظاهره أنه أمرها أن تجعل عمرتها حجا .

ولذا قالت : يرجع الناس بحج وعمرة ، وأرجع بحج ، فأعمرها من التنعيم ، واستشكل إذ العمرة لا ترتفض كالحج .

وقال مالك : ليس العمل على هذا الحديث قديما ، ولا حديثا .

قال ابن عبد البر : ليس العلم عليه في رفض العمرة وجعلها حجا ، بخلاف جعل الحج عمرة فإنه وقع للصحابة ، واختلف في جوازه من بعدهم ، وأجاب جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى : دعي عمرتك : اتركي التحلل منها ; أدخلي عليها الحج فتصير قارنة ، ويؤيده قوله في رواية مسلم : وأمسكي عن العمرة ، أي عن أعمالها ، وإنما قالت : وأرجع بحج لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين .

ولمسلم أيضا : " فقال لها - صلى الله عليه وسلم : طوافك يسعك لحجك وعمرتك " فهذا صريح في أنها قارنة ، وتعقب بأن قوله : انقضي رأسك ، وامتشطي ظاهر في إبطال العمرة ، لأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديته إلى نتف الشعر ، وأجيب بجوازهما للمحرم وحيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة بغير عذر ، أو كان ذلك لأذى برأسها ، فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عجرة الحلاق لأذى برأسه ، أو نقض رأسها لأجل الغسل لتهل بالحج ، ولا سيما إن كانت تلبدت فتحتاج إلى نقض الضفر ، ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ، ثم تضفره كما كان ، أو أعادت الشكوى بعد رمي جمرة العقبة ، فأباح لها الامتشاط حينئذ .

قال المازري : وهو تعسف بعيد من لفظ الحديث ، وكان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة [ ص: 564 ] استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة .

قال الخطابي : وهذا لا يعلم وجهه .

( قالت ) عائشة : ( فعلت ) بسكون اللام ، ما ذكر من النقض والامتشاط والإهلال بالحج وترك العمرة ، وبظاهره استدل الحنفية على أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهل بالحج مفردا كما صنعت عائشة بأنها تركتها وحجت مفردة ، ويقويه ما لأحمد عن عطاء عنها : وأرجع بحجة ليس معها عمرة ، ورد بأن في رواية عطاء عنها ضعفا .

وفي مسلم في حديث جابر : " أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت ، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم : أهلي بالحج ، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت ، فقال : قد حللت من حجك وعمرتك ، قالت : يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت ، قال : فأعمرها من التنعيم " فهذا صريح في أنها كانت قارنة وإنما أعمرها من التنعيم تطيبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة .

وفي رواية لمسلم : " وكان - صلى الله عليه وسلم - رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه " ( فلما قضينا الحج ) : أتممناه ، أي وطهرت .

وفي مسلم عن مجاهد عنها : أنها طهرت بعرفة .

وعن القاسم عنها : وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى .

وله عنه أيضا : فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى ، فتطهرت ثم طفنا بالبيت .

فاتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر .

وجمع بين رواية مجاهد والقاسم بأنها ما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى .

وقول ابن حزم : " حاضت يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة ، وطهرت يوم السبت عاشره " ، إنما أخذه من روايات مسلم المذكورة .

( أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ) أخي ( عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى التنعيم ) بفتح الفوقية وسكون النون ، وكسر المهملة ، مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة ، كما نقله الفاكهي .

وقال المحب الطبري : أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل ، وليس بطرف الحل بل بينهما نحو ميل ، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوز .

قال الحافظ : وأراد بالنسبة إلى بقية الجهات .

وروى الفاكهي عن عبيد بن عمير : إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له : ناعم ، والذي على اليسار يقال له : منعم ، والوادي نعمان ، أي بفتح النون .

وروى الأزرقي عن ابن جريج : رأيت عطاء يصف الموضع الذي أحرمت منه عائشة ، فأشار إلى الموضع الذي وراء الأكمة ، وهو المسجد الخرب .

ونقل الفاكهي عن ابن جريج وغيره : أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم ، وهو الذي أحرمت منه عائشة ، وقيل : هو المسجد الأبعد عن الأكمة الحمراء ، ورجحه المحب الطبري ، وقال الفاكهي : لا أعلم ذلك إلا أني سمعت ابن أبي عمير يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم ( فاعتمرت فقال ) صلى الله عليه وسلم ( هذا ) الاعتمار وفي [ ص: 565 ] رواية : هذه ، أي العمرة ( مكان ) بالرفع خبر ، وبالنصب على الظرفية ، وعامله المحذوف وهو الخبر ، أي كائنة أو مجعولة مكان ( عمرتك ) قال عياض : والرفع أوجه عندي ، إذ لم يرد به الظرف إنما أراد عوض عمرتك ، فمن قال : كانت قارنة ، قال : مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة ، وحينئذ فتكون عمرتها من التنعيم تطوعا ، لا عن فرض ، لكنه أراد تطييب نفسها بذلك .

ومن قال : كانت مفردة ، قال : مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها ، ولم تتمكن من الإتيان بها للحيض .

وقال السهيلي : الوجه النصب على الظرف ، لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى ، لكن إن جعلت - مكان - بمعنى - عوض أو بدل - مجازا ، أي هذه بدل عمرتك ، جاز الرفع حينئذ .

( فطاف الذين أهلوا بالعمرة ) وحدها ( بالبيت ، و ) سعوا ، أو طافوا بين ( الصفا والمروة ، ثم أحلوا ) منها بالحلق أو التقصير ( ثم طافوا طوافا آخر ) للإفاضة .

ووقع لبعض رواة البخاري طوافا واحدا ، والصواب الأول قاله عياض .

( بعد أن رجعوا من منى لحجهم ) يوم النحر ( وأما الذين كانوا أهلوا بالحج ) مفردا ( أو جمعوا الحج والعمرة ، فإنما طافوا طوافا واحدا ) لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد ، لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج ، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور .

وقال الحنفية : لا بد للقارن من طوافين وسعيين ، لأن القران هو الجمع بين العبادتين فلا يتحقق إلا بالإتيان بأفعال كل منهما ، والطواف والسعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخل في العبادات .

وحكي عن العمرين وعلي وابنه الحسن وابن مسعود ، ولا يصح ذلك عن واحد منهم .

وحديث علي وابن عمر أنهما جمعا بين حجة وعمرة معا ، وطافا لهما طوافين ، وسعيا لهما سعيين ، وقال كل منهما : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع ، وابن مسعود وعمران بن حصين نحوه ، رواها كلها الدارقطني ، لا يصح الاحتجاج بها لما في أسانيد كل منها من الضعف ، وفي أسانيد حديث ابن عمر الحسن بن عمارة ، وهو متروك ، والمروي عنه في الموطأ والصحيحين والسنن من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد ، وقال البيهقي : إن ثبت أنه طاف طوافين حمل على طواف القدوم والإفاضة .

وقال ابن حزم : لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلا .

وقد روى سعيد بن منصور عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد " ، وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ في رفعه والصواب أنه موقوف ؛ لأن أيوب والليث وموسى بن عقبة وغير واحد رووه عن نافع عن ابن عمر ، موقوفا ، وتعقب بأن الدراوردي صدوق ، وليس ما رواه مخالفا لرواية غيره ، فلا مانع من أن الحديث عند نافع على الوجهين ، [ ص: 566 ] وحديث عائشة ظاهر في الدلالة على الوحدة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث