الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وحدثني مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها

التالي السابق


1833 1786 - ( مالك عن سعيد بن أبي سعيد ) كيسان ( المقبري ) - بضم الباء ، وفتحها - ( عن أبي هريرة ) كذا لمعظم رواة الموطأ ، وهو المشهور عن مالك ، ورواه بشر بن عمر الزهراني عند أبي داود ، والترمذي ، وغيرهما ، وإسحاق بن محمد القروي عند الدارقطني ، والوليد بن مسلم [ ص: 621 ] عند الإسماعيلي ، الثلاثة عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ، وكذا اختلف على ابن أبي ذئب فرواه الشيخان من طريق يحيى القطان عنه عن سعيد عن أبيه ، ورواه ابن ماجه من طريق شبابة عنه عن سعيد عن أبي هريرة ، ورواه مسلم ، وأبو داود من رواية الليث بن سعد عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ، ورواه أحمد عن يحيى بن أبي كثير ، وأبو داود ، وابن خزيمة ، والحاكم ، وابن حبان عن سهيل بن أبي صالح كلاهما عن سعيد عن أبي هريرة ، وصوب الدارقطني رواية إسقاط عن أبيه لاتفاق مالك ، وابن كثير ، وسهيل على إسقاطه ، وانتقد على الشيخين إخراجهما رواية ابن أبي ذئب ، وعلى مسلم إخراجه رواية الليث بإثبات عن أبيه ، وأجيب بأن هذا اختلاف لا يقدح ، فإن سماع سعيد من أبي هريرة صحيح معروف ، فلعله سمعه من أبي هريرة نفسه فحدث به عن الوجهين ، وبهذا جزم ابن حبان ، فقال : سمع هذا الخبر سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، وسمعه من أبيه عن أبي هريرة ، فالطريقان جميعا محفوظان اهـ .

ويؤيده أن سعيدا ليس بمدلس ، فالحديث صحيح متصل على كل حال : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ) : يوم القيامة وقيد بذلك ؛ لأن الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشرع ، فينتفع به ، وينقاد له ، أو أن الوصف ذكر لتأكيد التحريم ؛ لأنه تعريض بأنها إذا سافرت بلا محرم خالفت شرط الإيمان بالله ، واليوم الآخر المقتضي الموقوف عندما نهيت عنه ، أو خرج مخرج الغالب ، ولم يقصد به إخراج الكافرة كتابية ، أو حربية كما قال به بعض العلماء تمسكا بالمفهوم .

( تسافر ) هكذا الرواية بدون أن ، نظير قولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، فتسمع موضعه رفع على الابتداء ، وتسافر موضعه رفع على الفاعلية ، فيجوز رفعه ونصبه بإضمار أن ، قاله الولي العراقي ، ( مسيرة ) مصدر ميمي بمعنى السير ، بمعيشة ؛ بمعنى العيش ، وليست التاء فيه للمرة .

( يوم وليلة إلا مع ذي محرم ) ، بفتح الميم - أي : حرام ( منها ) بنسب ، أو صهر أو رضاع ، إلا أن مالكا كره تنزيها سفرها مع ابن زوجها لفساد الزمان ، وحداثة الحرمة ، ولأن الداعي إلى النفرة عن امرأة الأب ، ليس كالداعي إلى النفرة عن سائر المحارم ، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليه النفوس من النفرة عن محارم النسب ، وعلله الباجي بعداوة المرأة لربيبها ، وعدم شفقته عليها ، وصوب غيره التعليل الأول ، زاد الشيخان من حديث أبي سعيد : أو زوج ، وفي معناه السيد ، ولو لم يرد ذكر الزوج ، لقيس على المحرم قياسا جليا ، ولفظ امرأة عام في جميع النساء .

ونقل عياض عن بعضهم ، لا عن الباجي ، كما زعم أنه في الشابة ، أما الكبيرة التي لا تشتهى ، فتسافر في [ ص: 622 ] كل الأسفار بلا زوج ولا محرم ، قال ابن دقيق العيد : وهو تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى ، وقال القرطبي : فيه بعد ؛ لأن الخلوة بها حرام ، وما لا يطلع عليه من جسدها غالبا عورة ، فالمظنة موجودة فيها ، والعموم صالح لها ، فينبغي أن لا تخرج منه .

وقال النووي : المرأة مظنة الطمع فيها ، ومظنة الشهوة ، ولو كبيرة ، وقد قالوا : لكل ساقطة لاقطة ، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز ، وغيرها ، لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وحيائه ، ونحو ذلك اه .

وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين وغيرهما : " أن تسافر فوق ثلاثة أيام فصاعدا " ، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين ، وأبي داود : " لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم " ، وفي رواية الليث المذكورة لحديث أبي هريرة : " تسافر مسيرة ليلة " ، وفي رواية أحمد : يوم ، وفي أبي داود بريد بدل يوم ، وفي رواية يومين ، وفي أخرى إطلاق السفر من غير تقييد ، فجمع ابن عبد البر ، والبيهقي ، وعياض ، وغيرهم ، وعزاه النووي للعلماء بأن هذا الاختلاف بحسب اختلاف السائلين ، فسئل مرة عن سفرها ليلة ، فقال : لا ، وأخرى عن سفرها يوما ، فقال : لا ، وهكذا في جميعها ، وليس فيه تحديد ، قال الأبي : والمراد أنها إذا كانت جوابا لسائلين ، فلا مفهوم لأحدها ، وبالجملة فالفقه جمع أحاديث الباب ، فحق الناظر أن يستحضر جميعها ، وينظر أخصها فينيط الحكم به ، وأخصها باعتبار ترتب الحكم عليه يوم ؛ لأنه إذا امتنع فيه امتنع فيما هو أكثر ، ثم أخص من يوم وصف السفر المذكور في جميعها ، فيمنع في أقل ما يصدق عليه اسم السفر ، ثم أخص من اسم السفر الخلوة بها ، فلا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد ، وإن قل الزمن لعدم الأمن لا سيما مع فساد الزمن ، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب ، وقد اتقى بعض السلف الخلوة بالبهيمة ، وقال : شيطان مغوي ، وأنثى حاضرة اه .

وقال القاضي عياض : يمكن الجمع بينها بأن اليوم المذكور بمعنى اليوم والليلة المجموعين ؛ لأن اليوم من الليل ، والليل من اليوم ، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها في هذا السفر في السير ، والرجوع ، فأشار مرة لمسافة السفر ومرة لمدة المغيب ، وهكذا في ذكر الثلاث ، فقد يكون اليوم الوسط بين السير والرجوع الذي تقضي فيه حاجتها ، حيث سافرت له فتتفق الأحاديث ، وقد يكون هذا كله تمثيلا بأقل الأعداد ، إذ الواحد أول العدد ، والاثنان أول الكثير وأقله ، والثلاثة أقل الجمع ، فكأنه أشار أن مثل هذا في قلة الزمان لا يحل لها السفر فيه مع غير ذي محرم فكيف بما زاد ؟ وبهذا قال في الحديث الآخر : ثلاثة أيام فصاعدا اه .

واستدل بالحديث لأبي حنيفة ، وأحمد ، ومن وافقهما على أن المحرم ، أو الزوج شرط في استطاعة المرأة للحج ، فإنه حرم عليها السفر إلا مع أحدهما ، والحج من جملة الأسفار ، فيكون حراما عليها فلا يجب .

وقال مالك ، والشافعي [ ص: 623 ] في المشهور عنهما ، وطائفة لا يشترط المحرم ، قال في المدونة : من لا ولي لها تحج مع من تثق به من رجال ونساء ، واختلف هل مراده مجموع الصنفين ، أو مع جماعة من أحدهما ؟ وأكثر ما نقل عنه اشتراط النساء .

وقال الشافعي : تحج مع امرأة حرة مسلمة ثقة ، واعترضه الخطابي بأنها لا تكون ذا محرم منها ، فإباحة الخروج معها في سفر الحج خلاف السنة ، ومحل الخلاف في حج الفرض ، فأما التطوع فلا تخرج إلا مع محرم أو زوج ، وأجابوا عن الحديث بحمله على حج التطوع ، لا الفرض قياسا على الإجماع في الكافرة ، إذا أسلمت بدار الحرب ، فيجب عليها الهجرة منها ، وإن بلا محرم ، والجامع بينهما وجوب الحج والهجرة .

وتعقبه المازري ، وغيره بأن إقامتها في دار الكفر حرام ؛ لأنها تخشى على دينها ونفسها ، ولا كذلك تأخير الحج للخلاف في فوريته ، وتراخيه ، قال القرطبي : وسبب هذا الخلاف مخالفة ظواهر الأحاديث لظاهر قوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ( سورة آل عمران : الآية 97 ) ؛ لأن ظاهره الاستطاعة بالبدن ، فيجب على كل قادر عليه ببدنه ، ومن لم تجد محرما قادرة ببدنها فيجب عليها ، فلما تعارضت هذه الظواهر اختلف العلماء في تأويل ذلك ، فجمع أبو حنيفة ومن وافقه بأن جعل الحديث مبينا للاستطاعة في حق المرأة ، ورأى مالك ، وموافقوه أن الاستطاعة الأمنية بنفسها في حق الرجال والنساء ، وأن الأحاديث المذكورة لم تتعرض للأسفار الواجبة ، وقد أجيب أيضا بحمل الأخبار على ما إذا لم تكن الطريق أمنا .

قال القرطبي : يمكن أن المنع إنما خرج لما يؤدي إليه من الخلوة ، وانكشاف عوراتهن غالبا ، فإذا أمن ذلك بحيث يكون في الرفقة نساء تنحاش إليهن كما قال مالك والشافعي ، قال الباجي : وهذا عندي في الانفراد والعدد اليسير ، فأما في القوافل العظيمة ، فهي كالبلاد يصح فيها سفرها دون نساء ، ودون محرم ، انتهى .

ولم يذكر الجمهور هذا القيد عملا بإطلاق الحديث ، وهو الراجح ، ومحل هذا كله ما لم تدع ضرورة كوجود امرأة أجنبية منقطعة مثلا ، فله أن يصحبها بل يجب عليه إذا خاف عليها لو تركها ، قال النووي : وهذا مما لا خلاف فيه ، ويدل عليه حديث عائشة في قصة الإفك ، وفي الحديث فوائد أخر لا نطيل بذكرها .

وأخرجه مسلم عن يحيى ، وأبو داود عن القعنبي والنفيلي ، الثلاثة عن مالك به يدون عن أبيه ، قال المازري على الأصح ، وكذا ذكره ابن مسعود الدمشقي ، وكذا رواه معظم رواة الموطأ ، انتهى . وفي كثير من نسخ مسلم من طريق مالك المذكورة عن أبيه ، واقتصر عليه خلف الواسطي في الأطراف ، وللحديث طرق كثيرة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث