الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

حدثني يحيى عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي فلما فرغ من صلاته لحقه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده وهو يريد أن يخرج من باب المسجد فقال إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها قال أبي فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك ثم قلت يا رسول الله السورة التي وعدتني قال كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة قال فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت

التالي السابق


187 185 - ( مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ) المدني ( أن أبا سعيد ) قال ابن عبد البر : هو تابعي مدني لا يوقف له على اسم ، وفي تهذيب المزي : أنه روى عن أبي هريرة والحسن البصري ، ولم يذكر لهما ثالثا ، مع أن من الرواة عن مالك من قال عن العلاء بن عبد الرحمن أن أبا سعيد مولى عامر أخبره أنه سمع أبي بن كعب يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ناداه ، أخرجه الحاكم .

قال الحافظ : ووهم ابن الأثير حيث ظن أن أبا سعيد هو ابن المعلى ، فإنه صحابي أنصاري مدني ، وهذا تابعي مكي من موالي قريش كما قال .

( مولى عامر بن كريز ) بضم الكاف ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي صحابي من مسلمة الفتح ، وعاش حتى قدم البصرة على ابنه عبد الله ، وله صحبة لما كان أميرا عليها من جهة عثمان ، وقد اختلف فيه على العلاء فأخرجه الترمذي من طريق الدراوردي ، والنسائي من طريق روح بن القاسم ، وأحمد من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم ، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة كلهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بن كعب الحديث .

وأخرجه الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر ، والحاكم من طريق شعبة ، كلاهما عن العلاء عن أبيه عن أبي ، ورجح الترمذي أنه من مسند أبي هريرة انتهى .

ولكن حيث صحت الطريق عن أبي بن كعب أيضا فأي مانع من كونهما جميعا رويا الحديث ؟ ( أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى أبي بن كعب وهو يصلي ) وفي حديث أبي هريرة : خرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فقال : " أي أبي " فالتفت فلم [ ص: 318 ] يجبه ثم صلى فخفف .

( فلما فرغ من صلاته لحقه ) زاد في رواية أبي هريرة فقال : سلام عليك يا رسول الله قال : " ويحك ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني ؟ أوليس تجد فيما أوحى الله إلي أن استجيبوا لله وللرسول ( سورة الأنفال : الآية 24 ) الآية ، فقلت : بلى يا رسول الله لا أعود إن شاء الله .

( فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على يده ) للتأنيس وتأكيد الود ، وهذا يستحسن من الكبير للصغير .

( وهو يريد أن يخرج من باب المسجد فقال : إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ) أي تعلم من حالها ما لم تكن تعلمه قبل ذلك ، وإلا فقد كان عالما بالسورة وحافظا لها ، وعبر بأرجو على معنى التسليم لأمر الله والإقرار بقدرته ، وأنه وإن كان يعلم ذلك يسيرا إلا أنه لا يقطع بتمامه إلا أن يعلمه الله بذلك ، قاله الباجي .

وقال غيره : قال العلماء : الرجاء من الله ومن نبيه واقع ، وفي حديث أبي هريرة : أتحب أن أعلمك سورة ( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ) زاد في رواية أبي هريرة : ولا في الزبور ( ولا في القرآن مثلها ) قال ابن عبد البر : يعني في جمعها لمعاني الخير ؛ لأن فيها الثناء على الله بالحمد الذي هو له حقيقة ، لأن كل خير منه ، وإن حمد غيره ، فإليه يعود الحمد ، وفيها التعظيم له ، وأنه الرب للعالم أجمع ، ومالك الدنيا والآخرة ، المعبود المستعان ، وفيها الدعاء إلى الهدى ومجانبة من ضل ، والدعاء باب العبادة ، فهي أجمع سورة للخير ، وقيل : معناه تجزي في الصلاة دون غيرها عنها ، وليس هذا بتأويل مجمع عليه .

وقال الباجي : ذكر بعض شيوخنا أن معنى ذلك أنها تجزي عن غيرها في الصلاة ، ولا يجزي عنها غيرها ، وسائر السور يجزي بعضها عن بعض ، وهي سورة قسمها الله تعالى بينه وبين عبده ، ويحتمل أن تكون هذه التي تختص بها ، ولها مع ذلك صفات تختص بها من أنها السبع المثاني ، وغير ذلك من كثرة ثواب أو حسنة ، وأيده السيوطي بما أخرجه عبد بن حميد عن ابن عباس رفعه : " فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن " ولم يرد في سورة مثل ذلك ، وإنما ورد أن : " قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن " وفي : " قل يا أيها الكافرون أنها ربع القرآن " انتهى وفيه نظر .

فقد روى البيهقي في الشعب عن أبي هريرة يرفعه : " من قرأ يس مرة فكأنما قرأ القرآن عشر مرات " وقد أورده هو في جامعيه .

وقال ابن التين : معناه أن ثوابها أعظم من غيرها ، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض ، وقد منع ذلك الأشعري وجماعة ؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها .

وأجيب بأن معنى التفاضل أن ثواب بعضه أعظم من ثواب [ ص: 319 ] بعض ، فالتفاضل إنما هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة ، ويؤيد التفضيل قوله تعالى : نأت بخير منها أو مثلها ( سورة البقرة : الآية 106 ) وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : بخير منها أي في المنفعة والرفعة ، وفي هذا رد على من قال فيه تقديم وتأخير ، والتقدير نأت منها بخير وهو كقوله : من جاء بالحسنة فله خير منها ( سورة النمل : الآية 89 ) لكن قوله في الآية أو مثلها يرجح الأول فهو المعتمد .

( قال أبي ) هذا يشعر بأن أبا سعيد حمل الحديث عن أبي ( فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك ) قال الداودي : إبطاؤه خوفا على النبي - صلى الله عليه وسلم - من النسيان ( ثم قلت : يا رسول الله ) علمني ( السورة التي وعدتني ، قال : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال ) أبي : ( فقرأت ) عليه ( الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها ) قال ابن عبد البر : استدل به بعض أصحابنا على أن البسملة ليست منها ولا حجة فيه ؛ لأن الحمد لله رب العالمين اسم لها كما يقال : قرأت يس وغيرها من أسماء السورة انتهى .

وتعقب بأنها تسمى سورة الحمد ولا تسمى الحمد لله رب العالمين ، وأجيب بأن هذا الحديث يرد هذا التعقب ورد بقوله : ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي هذه السورة ) وقد قرأها أبي بلا بسملة على المتبادر الظاهر منه ، فثبت المدعى لا سيما مع قوله - صلى الله عليه وسلم - ( وهي السبع المثاني ) المذكورة في قوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني ( سورة الحجر : الآية 87 ) فالمراد السبع الآي ؛ لأنها سبع آيات سميت مثاني ؛ لأنها تثنى في كل ركعة ، أي تعاد أو لأنها يثنى بها على الله ، أو لأنها استثنيت لهذه الأمة ولم تنزل على من قبلها .

وروى النسائي والطبري والحاكم بإسناد صحيح ، عن ابن عباس أن السبع المثاني هي السبع الطول أي السور من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة .

وفي لفظ الطبري : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف .

قال الراوي : وذكر السابعة فنسيتها .

وفي رواية صحيحة عند ابن أبي حاتم عن مجاهد وسعيد بن جبير أنها يونس .

وعند الحاكم أنها الكهف ، وزاد قيل له : ما المثاني ؟ قال : تثنى فيهن القصص ، وقيل غير ذلك في تفسيرها .

ورجح ابن جرير القول الأول لصحة الخبر فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا معدل عنه .

وقال ابن عبد البر : وهو الصحيح والأثبت عن ابن عباس .

وقد روى الطبري بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قرأ فاتحة الكتاب ثم قال : ولقد آتيناك سبعا من المثاني [ ص: 320 ] فقال : هي فاتحة الكتاب .

وبإسنادين جيدين عن عمر ثم عن علي : السبع المثاني فاتحة الكتاب ، زاد عن عمر : تثنى في كل ركعة .

ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية : السبع المثاني الفاتحة ، قلت للربيع : إنهم يقولون إنها السبع الطول قال : لقد أنزلت هذه الآية وما أنزل من الطول شيء .

( والقرآن العظيم الذي أعطيت ) مبتدأ وخبر أي هو الذي أعطيته فهو معطوف على قوله : وهي السبع وليس معطوفا على السبع ; لأن الفاتحة ليست هي القرآن العظيم وإن جاز إطلاقه عليها ؛ لأنها منه ، لكنها ليست هي القرآن كله .

وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أخرى عن أبي هريرة الحديث بلفظ والقرآن العظيم الذي أعطيتموه أي هو الذي أعطيتموه فيكون هذا هو الخبر ، ذكره الحافظ .

وقال ابن عبد البر : معناه عندي هي السبع المثاني ، وخرج والقرآن العظيم على معنى التلاوة اهـ .

لكن فيه أنه قال : الذي أعطيت ، فلا يكون مجرد تلاوة فتعين أنه من عطف الجمل ، وعلم أنه لا حاجة لقول الباجي إنما قيل لها القرآن العظيم على معنى التخصيص لها بهذا الاسم ، وإن كان كل شيء من القرآن عظيما ، كما يقال : الكعبة بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله ، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم لها اهـ .

وقد روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : " كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه " وفي رواية : " فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقلت : إني كنت أصلي فقال : ألم يقل الله : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ( سورة الأنفال : الآية 24 ) ثم قال : " لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد " ، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج ، قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟ قال : " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " وجمع البيهقي فإن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى ، ويتعين المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما كما رأيته .

وفي الحديث من الفوائد استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها ، وإجراء لفظ العموم على جميع مقتضاه ، وأن الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلا على الخاص ؛ لأنه حرم الكلام في الصلاة على العموم ، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة قاله الخطابي .

وقال ابن عبد البر : الإجماع على تحريم الكلام في الصلاة يدل على خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وكذا قال القاضي عبد الوهاب وأبو الوليد أن إجابته فيها فرض يعصي المرء بتركه ، وأنه حكم مختص به .

وصرح جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية ، وبحث فيه الحافظ لاحتمال أن إجابته واجبة مطلقا ، سواء كان المخاطب مصليا أو غير مصل ، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج ، فليس في الحديث ما يستلزمه ، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة ، وإلى [ ص: 321 ] ذلك جنح بعضهم ، وهل يختص هذا الحكم بالنداء أو يشمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل ؟ فيه بحث وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث