الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة الإمام وهو جالس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب صلاة الإمام وهو جالس

حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد وصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون

التالي السابق


5 - باب صلاة الإمام وهو جالس

306 303 - ( مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ) قال أبو عمر : لم تختلف رواة الموطأ في سنده ، ورواه سويد بن سعيد عن مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة وهو خطأ لم يتابعه أحد عليه .

( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا ) في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة أفاده ابن حبان ( فصرع ) بضم الصاد وكسر الراء أي سقط عن الفرس ، وللتنيسي ومعن فصرع عنه ، وفي أبي داود وابن خزيمة بسند صحيح عن جابر : " وركب صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة " ، ( فجحش ) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة أي خدش ، وقيل : الجحش فوق الخدش ، وحسبك أنه لم يقدر أن يصلي قائما قاله ابن عبد البر ، والخدش قشر الجلد ( شقه الأيمن ) بأن قشر جلده ، ولعبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري : ساقه الأيمن وليست مصحفة كما زعم بعضهم لموافقة رواية حميد لها ، وإنما هي مفسرة لمحل الخدش من الشق الأيمن لأن الخدش لم يستوعبه ، ( فصلى صلاة من الصلوات ) قال القرطبي : اللام للعهد ظاهرا والمراد الفرض لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلا ، وتعقب بأن في أبي داود وابن خزيمة عن جابر الجزم بأنها فرض ، قال الحافظ : لكن لم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس : فصلى بنا يومئذ - فكأنها نهارية - الظهر أو العصر ، ( وهو قاعد ) قال عياض : يحتمل أنه أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام ، قال الحافظ : وليس كذلك وإنما كانت قدمه منفكة كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي ، وكذا لأبي داود وابن خزيمة عن جابر فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه لا ينافيه " جحش شقه " لاحتمال وقوع الأمرين ( وصلينا وراءه قعودا ) ظاهره يخالف حديث عائشة بعده ، والجمع بينهما أن في رواية أنس اختصارا وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس .

وفي الصحيحين عن حميد عن أنس : " فصلى بهم [ ص: 480 ] جالسا وهم قيام " ، وفيها أيضا اختصار لأنه لم يذكر قوله لهم اجلسوا والجمع بينهما أنهم ابتدءوا الصلاة قياما ، فأومأ إليهم أن يقعدوا فقعدوا ، فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين وجمعتهما عائشة وكذا جابر في مسلم ، وجمع القرطبي باحتمال أن بعضهم قعد من أول الحال وهو ما حكاه أنس ، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس وهو ما حكته عائشة ، وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه صلى الله عليه وسلم لاستلزامه النسخ بالاجتهاد لأن فرض القادر في الأصل القيام ، وجمع آخرون باحتمال تعدد الواقعة وفيه بعد لأن حديث أنس إن كان سابقا لزم النسخ بالاجتهاد ، وإن كان متأخرا لم يحتج إلى إعادة ، إنما جعل الإمام . . . . إلخ ، لأنهم امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودا لقعوده .

وفي حديث جابر ثم أبي داود أنهم دخلوا يعودونه مرتين فصلى بهم فيهما لكن بين أن الأولى كانت نافلة وأقرهم على القيام وهو جالس ، والثانية كانت فريضة وابتدءوا قياما فأشار إليهم بالجلوس ، ونحوه في رواية بشر عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي .

( فلما انصرف ) من الصلاة ( قال : إنما جعل الإمام ) إماما ( ليؤتم ) ليقتدى ( به ) ويتبع ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله ، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال ، قاله البيضاوي وغيره ، قال في الاستذكار : زاد معن في الموطأ عن مالك : " فلا تختلفوا عليه " ، ففيه حجة لقول مالك والثوري وأبي حنيفة وأكثر التابعين بالمدينة والكوفة أن من خالفت نيته نية إمامه بطلت صلاة المأموم ، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال انتهى .

وفي التمهيد روى الزيادة ابن وهب ويحيى بن مالك وأبو علي الحنفي عن مالك عن الزهري عن أنس ، وليست في الموطأ إلا بلاغات مالك وقد رواها معن وأبو قرة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا انتهى .

وثبتت زيادة معن هذه في رواية همام عن أبي هريرة في الصحيحين ، وأفادت أن الأمر بالاتباع يعم جميع المؤمنين ولا يكفي اتباع بعض دون بعض .

( فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله ) أي أجاب الدعاء ( فقولوا ربنا ولك الحمد ) بالواو لجميع الرواة في حديث أنس هذا إلا في رواية شعيب عن الزهري رواه البخاري بدونها ورجح إثباتها باتفاق رواة حديث عائشة وأبي هريرة على ذلك أيضا ، وبأن فيها معنى زائدا لأنها عاطفة على محذوف تقديره : ربنا استجب أو ربنا أطعناك ولك الحمد ، فتشتمل على الدعاء والثناء معا ، ورجح قوم حذفها لأن الأصل عدم التقدير فتصير عاطفة على كلام غير تام ، قال ابن دقيق العيد : والأول أوجه .

وقال النووي : ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها والوجهان جائزان بغير [ ص: 481 ] ترجيح ، وزاد في بعض طرق حديث عائشة عند البخاري وغيره : وإذا سجد فاسجدوا ، ( فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ) ظاهره صحة إمامة الجالس المعذور بمثله وجلوس مأمومه القادر معه لكن الثاني منسوخ قاله الشافعي وغيره .

وقال الباجي : مقتضى سياق الحديث أن معناه إذا صلى جالسا في موضع الجلوس أن يقتدى به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه وصف أفعال الصلاة من أولها فصلا فصلا ، وانتقل إلى الائتمام به في حال الجلوس وهو موضع التشهد فأمر أن يقتدى به فيها ، وأيد بأنه ذكر ذلك عقب الرفع من الركوع ، فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيما له فأمرهم بالجلوس تواضعا ، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر : " إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا " رواه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح ، واستبعد ذلك ابن دقيق العيد بأن سياق طرق الحديث تأباه ، وبأنه لو كان الأمر بالجلوس في الركن لقال : وإذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله : وإذا سجد فاسجدوا ، فلما عدل إلى قوله : وإذا صلى جالسا كان كقوله : وإذا صلى قائما ، والمراد بذلك جميع الصلاة ، ويؤيده قول أنس : وصلينا وراءه قعودا ( أجمعون ) بالواو في جميع طرق حديث أنس تأكيدا لضمير الفاعل في قوله : فصلوا ، وأخطأ من ضعفه فإن المعنى عليه ، واختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة فقال بعضهم أجمعين بالياء نصب على الحال أي جلوسا مجتمعين ، أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب كأنه قيل : أعنيكم أجمعين ، وفيه مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها والتأسي لمن يحصل له منها سقوط ونحوه بما اتفق له صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة وبه الأسوة الحسنة ، وفيه أنه يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره لذلك ، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة ، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم من طريق معن كلاهما عن مالك به .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث