الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في القبلة

حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة

التالي السابق


- باب ما جاء في القبلة

458 460 - ( مالك ، عن عبد الله بن دينار ) العدوي مولاهم المدني أبي عبد الرحمن مولى ابن عمر ، مات سنة سبع وعشرين ومائة ، ولعبد العزيز بن يحيى ، عن مالك ، عن نافع قال ابن عبد البر : والصحيح عن ابن دينار ( عن عبد الله بن عمر أنه قال : بينما الناس ) المعهودون في الذهن وهم أهل قباء ومن حضر معهم ( بقباء ) بضم القاف والمد والتذكير والصرف على الأشهر ، ويجوز قصره وتأنيثه ، ومنع الصرف موضع معروف ظاهر المدينة . وفيه مجاز الحذف ؛ أي : بمسجد قباء ( في صلاة الصبح ) ولمسلم في صلاة الغداة وهو أحد أسمائها وكره بعضهم تسميتها بذلك . قال الحافظ : وهذا لا يخالف حديث البراء في الصحيحين أنهم كانوا في صلاة العصر ؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة وذلك في حديث البراء ، والآتي إليهم بذلك عباد بن بشر كما رواه ابن منده وغيره ، وقيل عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء ، ورجح أبو عمر الأول . وقيل : عباد بن نصر الأنصاري ، والمحفوظ عباد بن بشر ، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء ، وذلك في حديث ابن عمر ( إذ جاءهم آت ) لم يسم ، وإن نقل ابن طاهر وغيره أنه عباد بن بشر ففيه نظر ؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر ، فإن كان ما نقلوه محفوظا فيحتمل أن عبادا أتى بني حارثة أولا ، في صلاة العصر ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في الصبح ، ومما يدل على تعددهما أن في مسلم عن [ ص: 665 ] أنس : " أن رجلا من بني سلمة مر وهم ركوع في صلاة الفجر " فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة ، وبنو سلمة غير بني حارثة ( فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ) بالتنكير لإرادة البعضية ، فالمراد قوله تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) ( سورة البقرة : الآية 144 ) الآيات ، وفيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا ، انتهى .

وقال الباجي : أضاف النزول إلى الليل على ما بلغه ، ولعله لم يعلم بنزوله قبل ذلك ، أو لعله - صلى الله عليه وسلم - أمر باستقبال الكعبة بالوحي ثم أنزل عليه القرآن من الليلة ، انتهى . ( وقد أمر ) بضم الهمزة مبني للمجهول ( أن ) أي : بأن ( يستقبل ) بكسر الباء ( الكعبة ) وفيه أن ما يؤمر به - صلى الله عليه وسلم - يلزم أمته ، وأن أفعاله يؤتسى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص ( فاستقبلوها ) بفتح الموحدة ؛ رواية الأكثر ؛ أي : فتحول أهل قباء إلى جهة الكعبة ( وكانت وجوههم ) أي : أهل قباء ( إلى الشام ) أي : بيت المقدس ( فاستداروا إلى الكعبة ) فالضمائر لأهل قباء وهو تفسير من الراوي للتحول المذكور ، ويحتمل أن فاعل استقبلوها النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه ، وضمير وجوههم له ولأهل قباء على الاحتمالين .

وفي رواية : فاستقبلوها - بكسر الموحدة - أمر . ويأتي في ضمير " وجوههم " الاحتمالان المذكوران ، وعوده إلى أهل قباء أظهر ، ويرجح رواية الكسر رواية البخاري في التفسير من طريق سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار بلفظ : " وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها " فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن ما بعده أمر لا بقية الخبر الذي قبله ، ووقع بيان كيفية التحويل في حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم قالت فيه : فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام ؛ أي : الركعتين ، هن تسمية الكل باسم البعض ، وتصويره أن الإمام تحول من مكانه إلى مؤخر المسجد ؛ لأن من استقبل القبلة استدبر بيت المقدس ، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ولما تحول الإمام تحولت الرجال . وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة ، فيحتمل أنه وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان الكلام قبل غير حرام ، ويحتمل أنه اغتفر للمصلحة أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت مفترقة .

وفي الحديث أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه ؛ لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة ، مع أن الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم بتلك الصلوات ، واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض لا يلزمه ، وفيه جوار الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لأنهم لما تمادوا على الصلاة ، ولم يقطعوها دل على أنه رجح عندهم التمادي والتحول على القطع والاستئناف ، ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد كذا قيل ، وفيه نظر ، لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نص سابق ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 666 ] كان مترقبا التحول المذكور فلا مانع أن يعلمهم ما صنعوا من التمادي والتحول ، وفيه قبول خبر الواحد ، ووجوب العمل به ، ونسخ ما تقرر بطريق العلم به ؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت قطعية لمشاهدتهم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جهته فتحولوا بخبر الواحد .

وأجيب بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت القطع عندهم بصدق المخبر فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم . وقيل : كان النسخ بخبر الواحد جائز في زمنه - صلى الله عليه وسلم - مطلقا وإنما منع بعده ويحتاج إلى دليل ، وفيه جواز إعلام من ليس في الصلاة من هو فيها ، وأن الكلام لسماع المصلي لا يفسد صلاته ، وأخرجه البخاري هنا عن عبد الله بن يوسف ، وفي التفسير عن قتيبة بن سعيد ، ويحيى بن قزعة ، ومسلم عن قتيبة الثلاثة عن مالك به .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث