الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

709 [ ص: 313 ] حديث ثامن لعبد الرحمن بن القاسم

مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن أسماء بنت عميس - : أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء ، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : مرها فلتغتسل ، ثم أهل .

التالي السابق


هكذا هذا الحديث في الموطأ مرسلا عند جماعة الرواة ، عن مالك ، لم يختلفوا فيه فيما علمت ; إلا أن بعض رواة الموطأ يقول فيه : عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه أن أسماء ، وبعضهم يقول فيه : عن أسماء أنها ولدت ، والقاسم لم يلق أسماء بنت عميس ، فهو مرسل في رواية مالك ، وقد ذكره سليمان بن بلال : حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال . قال : حدثني يحيى بن سعيد . قال : سمعت القاسم بن محمد يحدث عن أبيه ، عن أبي بكر الصديق : أنه خرج حاجا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه امرأته أسماء بنت عميس ، فولدت بالشجرة محمد بن أبي بكر ، فأتى أبو بكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمرها أن تغتسل ، ثم تهل بالحج ، ثم تصنع ما يصنع الناس ; إلا أنها لا تطوف بالبيت .

[ ص: 314 ] وقد روي عن سعيد بن المسيب أيضا من وجوه صحاح ، وهو أيضا مرسل ، ومنهم من يجعل حديث سعيد من قول أبي بكر ، كذلك رواه ابن عيينة ، عن عبد الكريم الجزري ويحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أن أسماء بنت عميس نفست بذي الحليفة محمد بن أبي بكر ، فأمرها أبو بكر أن تغتسل ، ثم تهل ، ورواه ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، ويونس بن يزيد ، وعمرو بن الحارث أنهم أخبروه عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس بن عبد الله بن جعفر ، وكانت عاركا ، أن تغتسل ، ثم تهل بالحج .

. قال ابن شهاب : فلتفعل المرأة في العمرة ما تفعل في الحج ، وروي هذا الحديث متصلا من وجوه من حديث عائشة ، وجابر ، وابن عمر .

أخبرنا عبد الله بن محمد . قال : حدثنا محمد بن بكر . قال : حدثنا أبو داود . قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة . قال : حدثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن تغتسل ، وترحل ، وتهل .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان . قال : حدثنا قاسم بن أصبغ . قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، وأحمد بن زهير . قالا : حدثنا إسحاق بن محمد الفروي . قال : حدثنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن أبا بكر خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أسماء بنت عميس ، حتى إذا كان بذي الحليفة ولدت أسماء محمد بن أبي بكر ، فاستفتى لها أبو بكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : مرها فلتغتسل ، ثم تهل .

[ ص: 315 ] وحدثنا عبد الوارث بن سفيان . قال : حدثنا قاسم بن أصبغ . قال : حدثنا أحمد بن زهير . قال : حدثنا إسحاق بن محمد الفروي . قال : حدثنا عبد الله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة فذكره ; ولهذا الاختلاف في إسناد هذا الحديث أرسله مالك - والله أعلم - فكثيرا ما كان يصنع ذلك ، وقد روى قصة أسماء هذه جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر في الحديث الطويل ، وهو حديث صحيح .

وروى ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحائض والنفساء هذا المعنى ، وهو صحيح مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه ، كلهم يأمر النفساء بالاغتسال على ما في هذا الحديث ، وتهل بحجها ، وعمرتها ، وهي كذلك ، وحكمها حكم الحائض تقضي المناسك كلها غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر .

أخبرنا عبد الله بن محمد . قال : حدثنا محمد بن بكر . قال : حدثنا أبو داود . قال : حدثنا محمد بن عيسى ، وإسماعيل بن إبراهيم أبو معمر . قالا : حدثنا مروان بن شجاع ، عن خصيف ، عن عكرمة ، ومجاهد ، وعطاء ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : النفساء والحائض إذا أتتا على الوقت تغتسلان ، وتحرمان ، وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت .

قال أبو داود : ولم يذكر ابن عيسى عكرمة ومجاهد ، قال : عن عطاء ، عن ابن عباس .

قال أبو عمر :

في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسماء ، وهي نفساء - بالغسل عند الإهلال ، وقوله في الحائض والنفساء أنهما تغتسلان ثم تحرمان - دليل على [ ص: 316 ] تأكيد الغسل للإحرام ; إلا أن جمهور أهل العلم لا يوجبونه ، وهو عند مالك وأصحابه سنة مؤكدة ، لا يرخصون في تركها إلا من عذر بين .

وروى ابن نافع ، عن مالك أنه استحب الأخذ بقول ابن عمر في الاغتسال للإهلال بذي الحليفة ، وبذي طوى لدخول مكة ، وعند الرواح إلى عرفة . قال : ولو تركه تارك من غير عذر لم أر عليه شيئا .

وقال ابن القاسم : لا يترك الرجل ولا المرأة الغسل عند الإحرام إلا من ضرورة . قال : وقال مالك : إن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام ، ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم ، فأرى غسله مجزيا عنه ، قال : وإن اغتسل بالمدينة غدوة ، ثم أقام إلى العشي ، ثم راح إلى ذي الحليفة فأحرم . قال : لا يجزئه الغسل إلا أن يغتسل ويركب من فوره ، أو يأتي ذا الحليفة فيغتسل إذا أراد الإحرام .

. قال أحمد بن المعذل ، عن عبد الملك بن الماجشون : الغسل عند الإحرام لازم ; إلا أنه ليس في تركه ناسيا ولا عامدا دم ولا فدية . قال : وإن ذكره بعد الإهلال فلا أرى عليه غسلا ، ولم أسمع أحدا قاله . قال : فالحائض تغتسل لأنها من أهل الحج ، وكذلك النفساء ، تغتسلان للإحرام والوقوف بعرفة .

وقال ابن نافع ، عن مالك : لا تغتسل الحائض بذي طوى لأنها لا تطوف بالبيت ، وقد روي عن مالك أنها تغتسل كما تغتسل غير الحائض ، وإن لم تطف .

[ ص: 317 ] وذكر ابن خواز منداد - أن مذهب مالك في الغسل للإهلال : أنه سنة . قال : وهو أوكد عنده من غسل الجمعة ، ولا يجوز ترك السنة اختيارا . قال : ومن تركه فقد أساء ، وإحرامه صحيح كمن صلى الجمعة على غير غسل . قال : وقال الشافعي : ينبغي لكل من أراد الإحرام أن يغتسل ، فإن لم يفعل فقد أساء إن تعمد ذلك ، ولا شيء عليه .

قال : وقال أبو حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري : يجزئه الوضوء ، وهو قول إبراهيم ، وقال أهل الظاهر : الغسل عند الإهلال واجب على كل من أراد أن يحرم بالحج طاهرا كان أو غير طاهر ، وقد روي عن الحسن البصري ما يدل على هذا المذهب . قال الحسن : إذا نسي الغسل عند إحرامه فإنه يغتسل إذا ذكر ، وقد روي عن عطاء إيجابه ، وروي عنه أن الوضوء يكفي عنه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث