الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده في الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 103 - 104 ] ( ولا يقعي ، ولا يفترش ذراعيه ) لقول أبي ذر رضي الله عنه { نهاني خليلي عن ثلاث : أن أنقر نقر الديك ، وأن أقعي إقعاء الكلب ، وأن افترش افتراش الثعلب }والإقعاء : أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ركبتيه نصبا ، هو الصحيح ( ولا يرد السلام بلسانه ) لأنه كلام ( ولا بيده ) لأنه سلام معنى ، [ ص: 105 ] حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته .

التالي السابق


قوله : ولا يرد السلام بلسانه ، ولا بيده ، لأنه كلام معنى ، حتى لو صافح بنية التسليم تبطل صلاته ، قلت : أجاز الباقون رد السلام بالإشارة ، ولنا حديث جيد ، أخرجه أبو داود في " سننه " عن ابن إسحاق عن يعقوب عن عتبة عن أبي غطفان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أشار في الصلاة إشارة تفهم أو تفقه فقد قطع الصلاة }. انتهى .

وأعله ابن الجوزي في " التحقيق " بابن إسحاق ، وأبو غطفان مجهول ، وتعقبه " صاحب التنقيح " ، فقال : أبو غطفان . هو ابن طريف ، ويقال : ابن مالك المري ، قال عباس الدوري : سمعت يحيى بن معين يقول فيه : ثقة ، وقال النسائي في " الكنى " : أبو غطفان ثقة ، قيل : اسمه سعد ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرج له مسلم في " صحيحه " ، وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : سئل أحمد عن حديث { من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد الصلاة }؟ فقال : لا يثبت إسناده ، ليس بشيء ، وقال البيهقي : قال الدارقطني : قال لنا ابن أبي داود : أبو غطفان مجهول . انتهى .

أحاديث الخصوم : أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن نابل صاحب العباء عن عبد الله بن عمر عن { صهيب ، قال : مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فرد علي إشارة ، وقال : لا أعلم إلا أنه ، [ ص: 104 ] قال : إشارة بإصبعه }. انتهى . وصححه الترمذي .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود والترمذي عن هشام بن سعد عن نافع عن { ابن عمر ، قال : قلت لبلال : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه في الصلاة ؟ قال : كان يشير بيده }انتهى . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

{ حديث آخر } : أخرجه ابن خزيمة ، ثم ابن حبان في " صحيحيهما " ، والدارقطني في " سننه " عن عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة }انتهى .

ورواه أبو داود في " سننه " ، قال النووي : إسناده على شرط مسلم ، قال ابن حبان : اختصر عبد الرزاق من الحديث : { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضعف قدم أبا بكر يصلي بالناس } ، وأدخله في " باب من كان يشير بإصبعيه في الصلاة " ، وأوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أشار بيده في التشهد ، وليس كذلك ، وقال غير ابن حبان : إنما كانت إشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر قبل دخوله في الصلاة ، فلا حجة فيه وقد يجاب عن هذه الأحاديث بأنه كان قبل نسخ الكلام في الصلاة ، يؤيده حديث { ابن مسعود : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ، فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي ، سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، ولم يقل : فأشار إلينا } ، وكذا حديث جابر { أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي } ، فلو كان الرد بالإشارة جائزا لفعله ، وأجيب عن هذا : بأن أحاديث الإشارة لو لم تكن بعد نسخه لرد باللفظ إذ الرد باللفظ واجب ، إلا لمانع ، كالصلاة ، فلما رد بالإشارة ، علم أنه ممنوع من الكلام ، قالوا : وأما حديث ابن مسعود وجابر ، فالمراد بنفي الرد فيه الرد بالكلام ، بدليل لفظ ابن حبان في حديث ابن مسعود ، { وقد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة } ، والله أعلم .

الحديث الرابع والتسعون : روي { عن أبي ذر أنه قال : نهاني خليلي عن ثلاث : [ ص: 105 ] عن نقر الديك وأن أقعي إقعاء الكلب وأن أفترش افتراش الثعلب } ، وفي بعض النسخ : { افتراش السبع } ، قلت : غريب من حديث أبي ذر ، وأخرجه أحمد في " مسنده " عن { أبي هريرة ، قال : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث : عن نقرة كنقرة الديك ، وإقعاء ، كإقعاء الكلب ، والتفات كالتفات الثعلب ، }انتهى ، والمصنف احتج به على حكمين : أحدهما : كراهية الإقعاء . والآخر : كراهة الافتراش ، وليس في حديث أحمد ذكر الافتراش ، لكنه في حديث عائشة في " الصحيح " ، وفيه : { وكان ينهى عن عقبة الشيطان ، وأن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع }.

وفي النهي عن الإقعاء أحاديث : منها عن الحارث عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا علي ، لا تقع إقعاء الكلب }. انتهى .

أخرجه الترمذي وابن ماجه . ومنها عن العلاء عن { أنس قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : إذا رفعت رأسك من السجود ، فلا تقع ، كما يقعي الكلب ، ضع أليتيك بين قدميك ، والزق ظهر قدميك بالأرض }انتهى . أخرجه ابن ماجه .

ومنها عن الحسن عن سمرة قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإقعاء في الصلاة }. انتهى . رواه الحاكم في " المستدرك " ، وقال : حديث صحيح على شرط البخاري ، ولم يخرجاه .

وقد تقدم في " أول الكتاب " تصحيح الحاكم لسماع الحسن من سمرة ، وروى البيهقي فيه أحاديث ضعيفة ، قال النووي في " الخلاصة " : قال الحافظ : [ ص: 106 ] ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح ، إلا حديث عائشة ، قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير ، إلى أن قال : وكان ينهى عن عقبة الشيطان ، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع ، وكان يختم الصلاة بالتسليم } ، أخرجه مسلم ، ولكن أخرج مسلم عن { طاوس ، قال : قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين ، قال : هي السنة ، فقلنا له : إنا نراه جفاء بالرجل ، فقال : بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم }. انتهى .

وروى البيهقي عن ابن عمر وابن الزبير ، وابن عباس أنهم ، كانوا يقعون ، والجواب عن ذلك : أن الإقعاء على ضربين : أحدهما : مستحب . والآخر : منهي عنه أن يضع أليتيه ويديه على الأرض ، وينصب ساقيه ، والمستحب أن يضع أليتيه على عقبيه ، وركبتاه في الأرض ، فهذا الذي رواه ابن عباس ، وفعلته العبادلة ، نص الشافعي على استحبابه بين السجدتين ، وقد بسطناه في " شرح المهذب " ، وهو من المهمات ، وقد غلط فيه جماعة لتوهمهم أن الإقعاء نوع واحد ، وأن الأحاديث فيه متعارضة ، حتى ادعى بعضهم أن حديث ابن عباس منسوخ ، وهذا غلط فاحش ، فإنه لم يتعذر الجمع ، ولا تاريخ ، فكيف يصح النسخ ؟ . انتهى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث