الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ولا يقنت في صلاة غيره ) خلافا للشافعي رحمه الله تعالىفي الفجر ، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه { أنه عليه الصلاة والسلام قنت في صلاة الفجر شهرا ثم تركه }( فإن قنت الإمام في صلاة الفجر يسكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يتابعه ) لأنه تبع لإمامه ، والقنوت مجتهد فيه ، ولهما أنه منسوخ ، ولا متابعة فيه ، ثم قيل : يقف دائما ليتابعه فيما تجب متابعته ، وقيل : يقعد تحقيقا للمخالفة ; لأن الساكت شريك الداعي ، والأول أظهر ، ودلت المسألة على جواز الاقتداء بالشفعوية ، وعلى المتابعة في قراءة القنوت في الوتر . وإذا علم المقتدى منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه الاقتداء به ، والمختار في القنوت الإخفاء لأنه دعاء ، والله أعلم .

التالي السابق


الحديث السادس بعد المائة : روى ابن مسعود { أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الفجر شهرا ، ثم تركه } ، قلت : استدل به المصنف للشافعي علينا في وجوب القنوت في الفجر ، وهو غير مطابق ، فإنه قال : ولا يقنت في غير الوتر ، خلافا للشافعي في الفجر ، [ ص: 144 ] لما روى ابن مسعود { أنه عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهرا ، ثم تركه } ، ولا يصلح أن يكون حجة لمذهبنا أيضا ، لأن ترك القنوت في الفجر لا يلزم منه تركه في باقي الصلوات ، نعم يصلح أن يكون حجة لنا في دعوى نسخ حديثهم ، ولا يبعد أن يكون سقط من النسخة خلافا للشافعي ، { لأنه عليه السلام كان يقنت في الفجر } ، ولنا أنه منسوخ ، لما روى ابن مسعود { أنه عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهرا ثم تركه }.

وبالجملة ، فالحديث رواه البزار في " مسنده " والطبراني في " معجمه " وابن أبي شيبة في " مصنفه " والطحاوي في " الآثار " كلهم من حديث شريك القاضي عن أبي حمزة ميمون القصاب عن إبراهيم عن علقمة عن عبيد الله ، قال : { لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبح إلا شهرا ، ثم تركه ، لم يقنت قبله ، ولا بعده }. انتهى .

وفي لفظ للطحاوي : { قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا ، يدعو على عصية وذكوان ، فلما ظهر عليهم ترك القنوت } ، وهو معلول بأبي حمزة القصاب ، قال ابن حبان في " كتاب الضعفاء " : كان فاحش الخطأ ، كثير الوهم ، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين انتهى .

وقال البيهقي في " كتاب المعرفة " : واستدل بعضهم على نسخ القنوت في الفجر ، بحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح ، قال : اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام } ، وفي آخره : { ثم بلغنا أنه ترك ذلك ، لما نزلت { ليس لك من الأمر شيء } }الآية ، قال : ولعل آخر الحديث من قول من هو دون أبي هريرة ، فقد أخرج البخاري في " صحيحه " عن { أبي هريرة ، قال : لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح ، بعدما يقول : سمع الله لمن حمده ، فيدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار } ، وأبو هريرة أسلم في غزوة خيبر ، وهو بعد نزول الآية بكثير ، لأنها نزلت في أحد ، وكان أبو هريرة يقنت في حياته عليه السلام ، وبعد وفاته ، قال : والدليل على أن الآية نزلت يوم أحد ما أخبرنا ، وأسند عن عمر بن حمزة عن سالم عن [ ص: 145 ] ابن عمر ، قال : { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح يوم أحد ، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية ، قال : سمع الله لمن حمده ، اللهم العن أبا سفيان وصفوان بن أمية والحارث بن هشام ، فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } } ، وأخرجه البخاري في " صحيحه " عن الزهري عن سالم به ، لم يقل فيه : يوم أحد .

قال : ويدل عليه أيضا ما أخرجه مسلم في " صحيحه " عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشج ، فجعل يسلت الدم عن وجهه ، وهو يقول : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ، وهو يدعوهم إلى الله ، فأنزل الله تعالى { ليس لك من الأمر شيء }الآية } ، أو يكون المراد بقوله : { ثم ترك ذلك }يعني الدعاء على أولئك القوم " فقد { دعا النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على من قتل من ببئر معونة } ، وهي بعد أحد ، فدل على أن الآية لم تحمل على نسخ القنوت جملة انتهى كلام البيهقي .

أحاديث الباب : أخرج ابن ماجه في " سننه " عن محمد بن يعلى ثنا عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت في صلاة الصبح }. انتهى . وأخرجه الدارقطني في " سننه " .

وقال محمد بن يعلى : وعنبسة وعبد الله بن نافع كلهم ضعفاء ، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة انتهى .

وأعله العقيلي في " كتابه " بعنبسة ، ونقل عن البخاري ، أنه قال : تركوه .

{ حديث آخر } : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن هياج عن عنبسة عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، قال الدارقطني : وصفية هذه لم تدرك النبي صلى الله عليه وسلم .

{ حديث آخر } : أخرجه ابن حبان عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد ، وأبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقنت في صلاة الصبح ، إلا أن يدعو لقوم ، أو على قوم }. انتهى .

{ حديث آخر } : رواه الخطيب البغدادي في " كتابه في القنوت " من حديث محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا [ ص: 146 ] يقنت ، إلا إذا دعى لقوم ، أو دعى على قوم }انتهى . قال صاحب " التنقيح " : وسند هذين الحديثين صحيح ، وهما نص في أن القنوت مختص بالنازلة ، والله أعلم .

{ حديث آخر } : رواه الطبراني في " معجمه الأوسط " عن محمد بن جابر السحيمي عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن { عبد الله بن مسعود ، قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فما رأيت أحدا منهم قانتا في صلاة إلا في الوتر }. انتهى .

وأعله العقيلي في " كتابه " بمحمد بن جابر ، وقال : لا يتابع عليه ، وضعه عن جماعة من غير توثيق .

{ حديث آخر } : أخرجه ابن عدي في " الكامل " عن بشر بن حرب { عن ابن عمر أنه ذكر القنوت ، فقال : والله إنه لبدعة ، ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير شهر واحد }. انتهى . وأعله ببشر بن حرب ، ثم قال : وهو عندي لا بأس به ، ولا أعرف له حديثا منكرا ، وضعفه عن النسائي وابن معين .

{ حديث آخر } : أخرجه الترمذي والنسائي . وابن ماجه عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق الأشجعي عن أبيه ، قال : { صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت ، وصليت خلف أبي بكر ، فلم يقنت ، وصليت خلف عثمان ، فلم يقنت ، وصليت خلف علي ، فلم يقنت ، ثم قال : يا بني إنها بدعة }. انتهى . واسم أبي مالك ، سعد بن طارق بن الأشيم ، قال البخاري : طارق بن أشيم ، له صحبة ، وكذلك قال ابن سعد ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، ولفظه ولفظ ابن ماجه عن { أبي مالك ، قال : قلت لأبي : يا أبت ، إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بالكوفة ، نحوا من خمس سنين ، أكانوا يقنتون في الفجر ؟ قال : أي بني ، محدث }. انتهى .

وقد وثق أبا مالك ، الإمام أحمد بن حنبل وابن معين والعجلي وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، يكتب حديثه . وقال النسائي : ليس به بأس ، [ ص: 147 ] وذكره ابن حبان في " كتاب الثقات " .

وقد أخرج مسلم في " صحيحه " حديثين عن أبي مالك عن أبيه ، وقال البيهقي : لم يحفظ طارق بن أشيم القنوت عمن صلى خلفه ، فرآه محدثا ، وقد حفظه غيره ، فالحكم لمن حفظ دون من لم يحفظ .

وقال غيره : ليس في هذا الحديث دليل على أنهم ما قنتوا قط ، بل اتفق أن طارقا صلى خلف كل منهم ، وأخذ بما رأى ، ومن المعلوم أنهم كانوا يقنتون في النوازل ، وهذا الحديث يدل على أنهم ما كانوا يحافظون على قنوت راتب ، والله أعلم . الآثار : أخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن أبي بكر وعمر وعثمان ، أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر ، وأخرج عن علي أنه لما قنت في الصبح أنكر الناس عليه ذلك ، فقال : إنما استنصرنا على عدونا ، وأخرج أيضا عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير أنهم كانوا لا يقنتون في صلاة الفجر ، وأخرج عن ابن عمر أنه قال في " قنوت الفجر " : ما شهدت ، ولا علمت . انتهى .

وروى محمد بن الحسن في " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر بن الخطاب سنين في السفر والحضر ، فلم يره قانتا في الفجر ، حتى فارقه ، قال إبراهيم : وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي ، قنت يدعو على معاوية حين حاربه ، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية ، قنت يدعو على علي . انتهى .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس ، قال : القنوت في الصبح بدعة ، وضعفه . ومن أحاديث الخصوم : ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك ، قال : { ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا }انتهى ومن طريق عبد الرزاق ، رواه الدارقطني في " سننه " . وإسحاق بن راهويه في " مسنده " ، ولفظه عن الربيع بن أنس ، قال : { قال رجل لأنس بن مالك : أقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعوا على حي من أحياء العرب ؟ قال : فزجره أنس ، وقال : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا }.

قال [ ص: 148 ] إسحاق : وقوله : { ثم تركه }يعني ترك تسمية القوم في الدعاء " انتهى .

ورواه الحاكم أبو عبد الله في " كتاب الأربعين " له ، وفي " الخلاصة " للنووي ، صححه الحاكم في " كتاب المستدرك " ، فليراجع ، وقال : حديث صحيح ، ورواته كلهم ثقات .

وعن الحاكم رواه البيهقي في " المعرفة " بسنده ومتنه ، وسكت عنه : وقال : وله شواهد عن أنس ذكرناها في " السنن " .

وقال صاحب " التنقيح على التحقيق " : هذا الحديث أجود أحاديثهم ، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي ، وله طرق في " كتاب القنوت " لأبي موسى المديني ، قال : وإن صح ، فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل ، أو على أنه ما زال يطول في الصلاة ، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة ، والقيام ، والخشوع ، والسكوت ، وغير ذلك ، قال الله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله } ، وقال : { أمن هو قانت آناء الليل } ، وقال : { ومن يقنت منكن لله } ، وقال : { يا مريم اقنتي لربك } ، وقال : { وقوموا لله قانتين } ، وقال : { كل له قانتون } ، وفي الحديث : { أفضل الصلاة طول القنوت }. انتهى كلامه . وضعفه ابن الجوزي في " كتاب التحقيق " ، وفي " العلل المتناهية " ، فقال : هذا حديث لا يصح ، فإن أبا جعفر الرازي ، واسمه " عيسى بن ماهان " ، قال ابن المديني : كان يخلط .

وقال يحيى : كان يخطئ ، وقال أحمد بن حنبل : ليس بالقوي في الحديث ، وقال أبو زرعة : كان يهم كثيرا ، وقال ابن حبان : كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير . انتهى . ورواه الطحاوي في " شرح الآثار " . وسكت عنه ، إلا أنه قال : وهو معارض بما روي عن أنس ، { أنه عليه السلام إنما قنت شهرا يدعو على أحياء من العرب ، ثم تركه }. انتهى .

قلت : ويعارض أيضا بما رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا شيبان بن فروخ ثنا غالب بن فرقد الطحان ، قال : كنت عند أنس بن مالك شهرين ، فلم يقنت في صلاة الغداة انتهى .

وروى محمد بن الحسن في " كتاب الآثار " أخبرنا محمد أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي ، قال : { لم ير النبي صلى الله عليه وسلم قانتا في الفجر حتى فارق الدنيا }. انتهى . قال الحازمي في " كتابه الناسخ والمنسوخ " : اختلف الناس في قنوت الفجر ، [ ص: 149 ] فذهب إليه أكثر الصحابة . والتابعين ، فمن بعدهم من علماء الأمصار ، إلى يومنا ، فروي ذلك عن الخلفاء الأربعة . وغيرهم من الصحابة ، مثل : عمار بن ياسر وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وأبي هريرة والبراء بن عازب وأنس بن مالك وسهيل بن سعد الساعدي ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة ، ومن المخضرمين : أبو رجاء العطاردي وسويد بن غفلة وأبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب والحسن ومحمد بن سيرين وأبان بن عثمان وقتادة وطاوس وعبيد بن عمير والربيع بن خثيم وأيوب السختياني وعبيدة السلماني وعروة بن الزبير وزياد بن عثمان وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمر بن عبد العزيز وحميد الطويل .

وذكر جماعة من الفقهاء ، ثم قال : وخالفهم طائفة من الفقهاء ، وأهل العلم فمنعوه ، وزعموا أنه منسوخ ، محتجين بأحاديث : منها : حديث أبي حمزة القصاب عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : { لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شهرا ، لم يقنت قبله ولا بعده } ، وقال : تابعه أبان بن أبي عياش عن إبراهيم ، فقال في حديثه : { لم يقنت في الفجر قط }. ورواه محمد بن جابر اليمامي عن حماد عن إبراهيم ، وقال في حديثه : { ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الصلوات إلا في الوتر ، كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلها ، يدعو على المشركين }. ومنها حديث أم سلمة : رواه محمد بن يعلى زنبور عن عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة ، قالت : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القنوت في صلاة الصبح }.

ومنها حديث ابن عمر أنه ذكر القنوت ، فقال : إنه لبدعة ، ما قنت غير شهر واحد ، ثم تركه ، رواه بشر بن حرب عنه ، قال : وأجاب القائلون به عن حديث ابن مسعود ، بأنه معلول بأبي حمزة ، كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه .

وقال أحمد : متروك الحديث ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وقال البخاري : ليس بالقوي ، وقال السعدي وإسحاق بن راهويه : ليس بشيء .

وقال النسائي : ليس بثقة ، وأبان بن أبي عياش ، فقد قيل فيه أكثر مما قيل في أبي حمزة ومحمد بن جابر ، فقد ضعفه يحيى بن معين وعمرو بن علي الفلاس وأبو حاتم . وغيرهم ، وقد روي من عدة طرق ، كلها واهية لا يجوز الاحتجاج بها ، ومثل هذا لا يمكن أن يكون رافعا لحكم ثابت [ ص: 150 ] بطرق صحاح .

وأما حديث أم سلمة : فمعلول أيضا ، قال ابن أبي حاتم : قال أبي . ويحيى بن معين : كان عنبسة بن عبد الرحمن يضع الحديث ، وعبد الله بن نافع ضعيف جدا ، ضعفه ابن المديني ويحيى وأبو حاتم والساجي وغيرهم .

وقال الدارقطني : عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت } ، مرسل ; لأن نافعا لم يلق أم سلمة ، ولا يصح سماعه منها ، ومحمد بن يعلى زنبور ، وعبد الله بن نافع وعنبسة ، كلهم ضعفاء .

وأما حديث ابن عمر : فمعلول أيضا ; لأن بشر بن حرب ، ويقال له : أبو عمرو الندبي مطعون فيه ، قال البخاري : رأيت ابن المديني يضعفه . وكان يحيى القطان لا يروي عنه .

وقال أحمد : ليس بقوي ، وقال إسحاق : متروك ، ليس بشيء ، وقال السعدي : لا يحمل حديثه ، وقال النسائي وابن أبي حاتم : ضعيف ، قالوا : وعلى تقدير صحة هذا الحديث ، فيكون المراد بالبدعة هاهنا القنوت قبل الركوع ; لأنه روي عنه في " الصحيح " من طرق إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت بعد الركوع ، فدل على أنه إنما أنكر القنوت قبل الركوع ، أو يكون ابن عمر نسي ، بدليل ما أخبرنا ، وأسند عن ابن سيرين أن سعيد بن المسيب ذكر له قول ابن عمر في " القنوت " ، فقال : أما إنه قد قنت مع أبيه ، ولكنه نسي ، قال : وروي عنه أنه كان يقول : كبرنا ونسينا ، ائتوا سعيد بن المسيب فاسألوه ، قالوا : وعلى تقدير صحة هذه الأخبار ، فهي محمولة على دعائه عليه السلام على أولئك القوم . ويبقى ما عداه من الثناء والدعاء ، وهذا أولى ; لأن فيه الجمع بين الأحاديث . قال : والدليل على أن المراد بالنهي عن القنوت في حديث أم سلمة ، فإنه بدعة في حديث ابن عمر ، القنوت قبل الركوع ، لا الذي بعد الركوع ، ما أخبرنا وأسند من طريق الطبراني ثنا إسحاق الديري ثنا عبد الرزاق عن أبي جعفر الرازي عن عاصم عن أنس ، قال : { قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبح بعد الركوع ، يدعو على أحياء من العرب ، وكان قنوته قبل ذلك ، وبعده قبل الركوع }. انتهى .

وقال : إسناده متصل ، ورواته ثقات ، وأبو جعفر الرازي ، قال فيه ابن المديني : ثقة ، وكذلك قال ابن معين ، وقال أبو حاتم : صدوق ثقة .

وقال أحمد : صالح الحديث ، وأخرج حديثه في " مسنده " ، ثم أخرج من طريق أحمد بن حنبل ثنا أبو معاوية ثنا عاصم الأحول { عن أنس ، قال : سألته عن القنوت ، أقبل الركوع ، أو بعده ؟ فقال : قبل [ ص: 151 ] الركوع ، قال : قلت : فإنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع ، فقال : كذبوا ، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على أناس ، قتلوا أناسا من أصحابه ، يقال لهم : القراء }انتهى .

هكذا أخرجه البخاري ، ومسلم . وفي حديثهم : { إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا } ، ألا تراه فصل بين القنوت المنزول والقنوت الملزوم ، ثم لم يطلق اللفظ حتى أكده بقوله : بعد الركوع ، فدل على مشروعية القنوت بعد الانتهاء عن الدعاء على الأعداء ، قال : فإن قيل : فقوله في الحديث : ثم تركه ، ليس فيه دلالة على النسخ ، لأنه يجوز أن يكون تركه ، وعاد إليه ، قلنا : هذا مدفوع بما أخبرنا ، وأسند من طريق أبي يعلى الموصلي بسنده عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الله بن كعب عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول : سمع الله لمن حمده ، يدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار من قريش ، فأنزل الله تعالى : { ليس لك من الأمر شيء } ، فما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على أحد بعد }. انتهى .

وقال : حديث غريب من هذا الوجه ، ويؤكده ما أخرجه البخاري ومسلم عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدعو على أحد ، أو لأحد ، قنت بعد الركوع ، وربما قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين . اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، يجهر بذلك } ، حتى كان يقول في بعض صلاة الفجر : { اللهم العن فلانا ، وفلانا ، لأحياء من العرب ، حتى أنزل الله تعالى { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم } }الآية ، قال . وأخرج أبو داود في " المراسيل " عن معاوية بن صالح عن عبد القاهر عن خالد بن أبي عمران ، قال : { بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر ، إذ جاءه جبرائيل عليه السلام ، فأومأ إليه أن اسكن ، فسكت ، فقال : يا محمد ، إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ، وإنما بعثك رحمة { ليس لك من الأمر شيء }الآية ، ثم علمه القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونؤمن بك ، ونخضع لك ، ونخلع ، ونترك من يكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ، ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، ونرجو رحمتك ونخاف عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق }. انتهى .

ثم ساق من طريق الدارقطني : حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبيد الله بن موسى ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت [ ص: 152 ] شهرا يدعو عليهم ، ثم ترك ، وأما في الصبح ، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا }انتهى . قال : فهذه الأخبار كلها دالة على أن المتروك هو الدعاء على الكفار ، والله أعلم انتهى .

وقال ابن الجوزي في " التحقيق " : أحاديث الشافعية على أربعة أقسام : منها ما هو مطلق ، { وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت } ، وهذا لا نزاع فيه ; لأنه ثبت أنه قنت . والثاني : مقيد بأنه قنت في صلاة الصبح ، فنحمله على فعله شهرا بأدلتنا .

الثالث : ما روي عن البراء بن عازب { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب } ، رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد ، وقال أحمد : لا يروى { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في المغرب } ، إلا في هذا الحديث .

والرابع : ما هو صريح في حجتهم ، نحو ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك ، قال : { ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا } ، ومن طريق عبد الرزاق ، رواه أحمد في " مسنده " ، والدارقطني في " سننه " .

قال : وقد أورد الخطيب في " كتابه " الذي صنفه في القنوت أحاديث ، أظهر فيها تعصبه : فمنها : ما أخرجه عن دينار بن عبد الله ، خادم أنس بن مالك ، عن أنس ، قال : { ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات }. انتهى .

قال : وسكوته عن القدح في هذا الحديث ، واحتجاجه به ، وقاحة عظيمة ، وعصبية باردة ، وقلة دين ; لأنه يعلم أنه باطل ، قال ابن حبان : دينار يروي عن أنس آثارا موضوعة ، لا يحل ذكرها في الكتب ، إلا على سبيل القدح فيه ، فواعجبا للخطيب ، أما سمع في الصحيح : { من حدث عني حديثا ، وهو يرى أنه كذب ، فهو أحد الكاذبين }؟ ، وهل مثله إلا كمثل من أنفق نبهرجا ودلسه ؟ ، فإن أكثر الناس لا يعرفون الصحيح من السقيم ، وإنما يظهر ذلك للنقاد ، فإذا أورد الحديث محدث ، واحتج به حافظ لم يقع في النفوس إلا أنه صحيح ، ولكنها عصبية ، ومن نظر في " كتابه " الذي صنفه في القنوت ، و " كتابه " الذي صنفه في الجهر ، ومسألة الغيم ، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها ، اطلع على فرط عصبيته ، وقلة دينه ، ثم ذكر له أحاديث أخرى ، كلها عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت في الصبح حتى مات } ، وطعن في أسانيدها .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث