الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 191 - 193 ] باب سجود السهو ( يسجد للسهو في الزيادة والنقصان سجدتين بعد السلام ، ثم يتشهد ، ثم يسلم ) وعند الشافعي رحمه الله : يسجد قبل السلام ، لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام سجد للسهو قبل السلام } [ ص: 194 ] ولنا قوله عليه الصلاة والسلام : { لكل سهو سجدتان بعد السلام } [ ص: 195 ] وروي { أنه عليه الصلاة والسلام سجد سجدتي السهو بعد السلام } [ ص: 196 ] فتعارضت روايتا فعله ، فبقي التمسك بقوله سالما ، ولأن سجود السهو مما [ ص: 197 ] لا يتكرر فيؤخر عن السلام ، حتى لو سها عن السلام ينجبر به ، وهذا الخلاف في الأولوية ، ويأتي بتسليمتين ، هو الصحيح ، صرفا للسلام المذكور إلى ما هو المعهود ، ويأتي بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام والدعاء في قعدة السهو ، هو الصحيح ; لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة .

التالي السابق


باب سجود السهو

الحديث الثامن والعشرون بعد المائة : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل السلام } ، قلت : أخرجه الأئمة الستة في " كتبهم " عن عبد الله ابن بحينة ، واللفظ للبخاري { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ، فقام في الركعتين الأوليين ، ولم يجلس ، فقام الناس معه ، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس ، فسجد سجدتين قبل أن يسلم }. انتهى . [ ص: 194 ]

الحديث التاسع والعشرون بعد المائة : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لكل سهو سجدتان بعد السلام } ، قلت : أخرجه أبو داود وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عبد الله الكلاعي عن زهير بن سالم العنسي عن عبد الرحمن بن جبير عن نفير عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لكل سهو سجدتان بعد السلام }انتهى .

وفي رواية لأبي داود عن أبيه عن ثوبان ، والاختلاف فيه من الرواة ، عن ابن عياش ، قال البيهقي في " المعرفة " : انفرد به إسماعيل بن عياش ، وليس بالقوي انتهى .

ورواه أحمد في " مسنده " . وعبد الرزاق في " مصنفه " . والطبراني في " معجمه " .

أحاديث الباب : أخرج الجماعة إلا الترمذي عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم عن علقمة ، قال : قال عبد الله بن مسعود : { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد ، أو نقص ، فلما سلم ، قيل له : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت ، كذا وكذا ، قال : فثنى رجله ، واستقبل القبلة ، وسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبهتكم به ، ولكني إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحر الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتين } ، وذكره أبو داود بلفظ البخاري ، ولفظ ابن ماجه فيه ، بالواو ، ولفظه : ويسلم ، ويسجد سجدتين . وأما النسائي ، فلم يذكر فيه : وإذا شك أحدكم ، إلى آخره ، بالجملة .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود ، والنسائي عن عبد الله بن مسافع أن مصعب بن شيبة أخبره عن عتبة بن محمد بن الحارث عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من شك في صلاته ، فليسجد سجدتين بعدما يسلم }انتهى .

ورواه أحمد في " مسنده " ، قيل : وابن خزيمة في " صحيحه " ، ورواه البيهقي ، وقال : إسناده [ ص: 195 ] لا بأس به ، وعقبة بن محمد ، ويقال عتبة ذكره ابن حبان في " الثقات " ، ومصعب بن شيبة ، وإن أخرج له مسلم في " صحيحه " ، ووثقه ابن معين ، فقد ضعفه أحمد وأبو حاتم والدارقطني .

الحديث الثلاثون بعد المائة : روي { أنه عليه السلام سجد سجدتي السهو بعد السلام } ، قلت : أخرجه الأئمة الستة في " كتبهم " عن عبد الله ، قال : { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ ، قالوا : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعدما سلم }انتهى .

ولم يقل مسلم : بعدما سلم ، ولكنه أخرج عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتين بعد السلام ، والكلام . انتهى .

أحاديث الباب : منها حديث ذي اليدين ، أخرجه البخاري ، ومسلم عن أبي هريرة ، قال : { صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ، فسلم في ركعتين ، فقام ذو اليدين ، فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ، أم نسيت ؟ إلى أن قال : فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ، ثم سجد سجدتين ، وهو جالس بعد التسليم ، }وحديث عمران بن حصين أخرجه مسلم عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر ، فسلم في ثلاث ركعات ، فقام رجل يقال له : الخرباق فذكر له صنيعه ، فقال : أصدق هذا ؟ ، فقالوا : نعم ، فصلى ركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم }. انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الرحمن السعودي عن { زياد بن علاقة ، قال : صلى بنا المغيرة بن شعبة ، فنهض في الركعتين ، فسبح به من خلفه ، فأشار إليهم : قوموا ، فلما فرغ من صلاته وسلم ، سجد سجدتي السهو ، فلما انصرف ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع كما صنعت }انتهى . سكت عنه أبو داود .

وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، قال المنذري في " مختصره " . والمسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، واستشهد به البخاري ، وتكلم فيه غير واحد ، قال النووي في " الخلاصة " : وروى الحاكم في " المستدرك " نحوه من حديث [ ص: 196 ] سعد بن أبي وقاص ، ومثله من حديث عقبة ، قال في كل منهما : صحيح ، على شرط الشيخين .

{ حديث آخر } : رواه الطبراني في " معجمه الصغير " حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر بن السرح ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس ، قال : سمعت أبي عبد الله يحدث عن أبيه محمد ، قال : { صليت خلف أنس بن مالك صلاة ، فسها فيها ، فسجد بعد السلام ، ثم التفت إلينا ، وقال : أما إني ، لم أصنع إلا كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع }. انتهى .

{ حديث آخر } : روى ابن سعد في " الطبقات في ترجمة ابن الزبير " ، فقال : أخبرنا عارم بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا عسل بن سفيان عن { عطاء بن أبي رباح ، قال : صليت مع ابن الزبير المغرب ، فسلم في ركعتين ، ثم قام ، فسبح به القوم ، ثم قام ، فصلى بهم الركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، قال : فأتيت ابن عباس من فوري ، فأخبرته ، فقال : لله أبوك ما ماط عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم }. انتهى .

قوله : في الكتاب : فتعارضت روايتا فعله ، فبقي التمسك بقوله " يعني حديث ثوبان المتقدم " : لكل سهو سجدتان ، وهذا فيه نظر ; لأن الأحاديث قد وردت في السجود قبل السلام ، من قوله صلى الله عليه وسلم . منها ما أخرجه مسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر كم صلى ، ثلاثا أم أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم ليسجد سجدتين ، قبل أن يسلم }.

وأخرج الأئمة الستة في " كتبهم " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : { إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان ، فلبس عليه ، حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك ، فليسجد سجدتين ، وهو جالس } ، زاد فيه أبو داود وابن ماجه ، وهو : قبل التسليم ، وفي لفظ : قبل أن يسلم ، ثم ليسلم ، وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي عبيدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا كنت في صلاة ، فشككت ، في ثلاث ، أو أربع ، وأكبر ظنك على أربع ، تشهدت ، ثم سجدت سجدتين ، [ ص: 197 ] وأنت جالس قبل أن تسلم ، ثم تشهدت أيضا ، ثم تسلم ، }انتهى .

وأخرج الترمذي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا سها أحدكم في صلاته ، فلم يدر ، واحدة صلى ، أم ثنتين ، فليبن على واحدة ، فإن لم يدر ، ثنتين صلى ، أو ثلاثا ، فليبن على ثنتين ، فإن لم يدر ، ثلاثا صلى ، أو أربعا ، فليبن على ثلاث ، ويسجد سجدتين ، قبل أن يسلم ، }انتهى . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . انتهى .

قال الحازمي في " كتابه الناسخ والمنسوخ " : اختلف الناس في هذه المسألة على أربعة أقوال ، فطائفة : رأت السجدة بعد السلام ، عملا بحديث ذي اليدين ، وهو مذهب أبي حنيفة . وقال به من الصحابة : علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن الزبير ، ومن التابعين : الحسن وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح . وأهل الكوفة ، وذهب طائفة [ ص: 198 ] إلى أن السجود قبل السلام ، أخذا بحديث ابن بحينة ، وزعموا أن حديث ذي اليدين منسوخ ، وحديث ابن بحينة ، رواه البخاري ومسلم ، وأخذا بحديث الخدري ، رواه مسلم { : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر كم صلى ، ثلاثا ، أو أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم }. انتهى .

وبحديث معاوية ، ثم أخرج عن يحيى بن أيوب ثنا ابن عجلان ، أن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان حدثه عن أبيه { أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم ، فنسي فقام ، وعليه جلوس ، فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع }. انتهى .

وهذا رواه النسائي في " سننه " من حديث الليث بن سعد عن محمد بن عجلان به بلفظ : ثم سجد سجدتين ، وهو جالس ، بعد أن أتم الصلاة ، وقال الحازمي : وتابع يحيى بن أيوب عليه ابن لهيعة . وبكر بن الأشج عن ابن عجلان ، ثم أسند عن الشافعي ، ثنا طريف بن حارث عن معمر عن الزهري ، قال : { سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتي السهو ، قبل السلام ، وبعده ، وآخر الأمرين ، قبل السلام ، }ثم أكده الشافعي بحديث معاوية المذكور ، قال : وصحبة معاوية متأخرة ، قال الحازمي : وطريق الإنصاف أن يقول : إن أحاديث السجود قبل السلام ، وبعده كلها ثابتة صحيحة ، وفيها نوع تعارض ، ولم يثبت ، تقدم بعضها على بعض ، برواية صحيحة ، وحديث الزهري هذا منقطع ، فلا يدل على النسخ ، ولا يعارض بالأحاديث الثابتة ، والأولى حمل الأحاديث على التوسع ، وجواز الأمرين .

المذهب الثالث : أن السهو إذا كان في الزيادة كان السجود بعد السلام ، أخذا بحديث ابن بحينة ، وإليه ذهب مالك بن أنس . القول الرابع : أنه إذا نهض من ثنتين ، سجدهما قبل السلام أخذا بحديث ذي اليدين ، وإذا كان في النقصان كان قبل السلام ، أخذا بحديث ابن بحينة ، وكذا إذا شك ، فرجع إلى اليقين ، أخذا بحديث أبي سعيد ، وإذا سلم من ثنتين سجد بعد السلام ، أخذا بحديث أبي هريرة ، وكذا إذا شك ، وكان ممن يرجع إلى التحري ، أخذا بحديث ابن مسعود ، وإليه ذهب أحمد ، فإنه احتياط ، ففعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، أو قاله في نظير كل واقعة عنه . انتهى .

وقال البيهقي في " المعرفة " : عن الزهري ، أنه ادعى نسخ السجود بعد السلام ، رواه الشافعي ، ثنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري ، فذكره ، ثم أكده بحديث معاوية ، { أنه عليه السلام سجد فيما قبل [ ص: 199 ] السلام } ، وبحديث أبي هريرة ، كما أخبرنا ، وساق من طريق الدارقطني بسنده عن عكرمة عن عمار عن يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا صلى أحدكم ، فلم يدر ، أزاد ، أم نقص ، فليسجد سجدتين ، وهو جالس ، ثم يسلم } ، قال أبو هريرة : ومعاوية متأخر الإسلام ، إلا أن بعض أصحابنا ، زعم أن قول الزهري : منقطع ، وأحاديث السجود : قبل وبعد ثابتة قولا وفعلا ، وتقديم بعضها على بعض غير معلوم برواية صحيحة ، والله أعلم انتهى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث