الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب السابع والعشرون في الأحباس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 422 ] الباب السابع والعشرون

فـي

الأحبـــاس

وهي كثيرة الفروع ، مختلطة الشروط ، متباينة المقاصد ، فينبغي لكاتبها أن يكون حسن التصرف في وقائعها ، عارفا بفروعها وقواعدها ، وأنا أذكر منها ما يكون عونا على غيره : هذا ما وقف وحبس وأبل وسبل وحرم وتصدق فلان بن فلان ، وأشهد على نفسه ، وقفا صحيحا شرعيا تقرب به وأوقفه إلى الله تعالى رغبة فيما لديه ، وذخيرة له إلى يوم العرض عليه ، يوم يجزي الله المتصدقين ، ولا يضيع أجر المحسنين ، وهو جميع الدار التي في يده وملكه وتصرفه التي عرفها وأحاط بها علما وخبرة ، وتوصف وتحدد ، على أولاده لصلبه ، وهم فلان وفلان وفلان المراهقين ، وعلى من يحدث الله له من ولد غيرهم ذكرا كان أو أنثى للذكر مثل حظ الأنثيين ، أيام حياتهم ، ثم من بعدهم على أولادهم ، وأولاد أولادهم ، وإن سفلوا الذكور والإناث من ولد الظهر والبطن ، أبدا ما تناسلوا ، ودائما ما تعاقبوا طبقة بعد طبقة ، ونسلا بعد نسل ، الأقرب فالأقرب ، تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى أو على إن مات من هؤلاء الموقوف عليهم أولا ، وممن يحدثه الله تعالى له ، انتقل نصيب المتوفى منهم لأولاده وأولاد أولاده وإن سفلوا للذكر مثل حظ الأنثيين ، طبقة بعد طبقة ، ونسلا بعد نسل ، تحجب الطبقة العليا منهم الطبقة السفلى ، فإن لم يكن للمتوفى ولد انتقل نصيبه لإخوته أشقائه الذين هم في درجته ، الداخلين معه في هذا الوقف بينهم ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، فإن [ ص: 423 ] يكن أحد من الإخوة موجودا ، وكان لهم أولاد ، انتقل نصيب المتوفى لهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، ثم من بعدهم لأولادهم وأولاد أولادهم طبقة بعد طبقة ، ونسلا بعد نسل ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، فإن لم يوجد أحد من أولاد هذا الواقف ولا من أولاد أولادهم وانقرضوا ، كان ذلك وقفا على المسجونين والمعتقلين ، وفي سجون الحكام وولاة أمور المسلمين ، بالبلد الفلاني وأعمالهم وظواهرهما ، المنسوب ذلك إليهما ، من الرجال والنساء والصبيان ، يقوم الناظر بذلك عليهم ، ويوصله إليهم ، على ما يراه من مساواة ، ونقصان ، وحرمان ، من صرفه نقدا أو خبزا أو ماء أو ثريدا أو كسوة ، أو وفاء دين ، أو مطبخة عليه أو قصاص ، أو غير ذلك ، فإن تعذر الصرف إلى المسجونين بالمواضع المذكورة صرف ذلك في فكاك المسلمين من يد العدو الكافر المخذول على اختلاف أجناسهم من الفرنج ، والنشر ، والروم ، والأرمن ، والسليس ، والكرج ، وغير ذلك مما قرب من بلاد العدو المخذول وما بعد منها ، يستفك الناس من ذلك أسرى المسلمين ، الرجال منهم والنساء والصبيان والأطفال ، على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وبلادهم ، على ما يراه . الناظر في افتكاك رقبة كاملة ، أو المشاركة فيها إلى أن يستغرف صرف الريع في خلاصهم ، واحدا كان أو أكثر ، وله أن يسير ما يتحمل من الربع في كل وقت وأوان ، على يد من يراه ممن يثق به ويرتضيه من التجار وغيرهم إلى بلاد العدو الكافر المخذول ; ليصرف ما يتسلم من ريع الوقف في فكاك الأسرى على ما عين أعلاه .

وإن حضر من يسعى في فكاك أسير واحد أو أكثر ، وتبين للناظر صحة أمر من يسعى في خلاصه ، صرف له الناظر من ريع هذا الوقف ما يراه ، ويؤدي إليه اجتهاده ، فإن تعذر صرف ذلك إلى الأسرى ، صرف ذلك إلى الفقراء والمساكين المسلمين أينما كانوا وحيث ما وجدوا من الديار المصرية ، على ما يراه الناظر في [ ص: 424 ] ذلك ، ومتى أمكن الصرف إلى الجهة المعذرة صرف إليها ، يجري ذلك كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، وعلى الناظر في هذا الوقف يؤجره لمن شاء من طويل المدة وقصيرها ، بما يراه من الأجرة المعجلة أو المؤجلة ، بأجرة المثل فما فوقها ، ولا يتعجل أجرة ، ولا يدخل عقدا في عقد ، إلا أن يجد لمخالفته ذلك مصلحة ظاهرة ، أو غبطة وافرة ، ويستغل بأجره الاستغلال الشرعي ، وما حصل من ريعه بدا منه بعمارته ومرمته وإصلاحه وما فيه بقاب عينه ، ثم ما فضل بعد تصرفه لمستحقيه على ما شرح أعلاه ، وجعل الواقف النظر في هذا الوقف والولاية عليه لفلان ، وتذكر شروط الناظر من تشديد وتسهيل ، فإن تعذر النظر من فلان بسبب من الأسباب كان النظر في ذلك لحاكم المسلمين بالبلد الفلاني ، ومتى عاد إمكان النظر إلى مستحقه ، نظر دون الحاكم ، ولكل ناظر في هذا الوقف أن يستنيب عنه في ذلك من هو أهل له وعلى كل ناظر في هذا الوقف أن يتعاهد إثباته عند الحكام ، ويحفظه بتواتر الشهادات واتصال الأحكام ، وله أن يصرف من الوقت كلفة إثباته على ما جرت به العادة : وقف فلان المبدأ باسمه ، جميع ذلك على الجهات المعينة ، والشروط المبينة ، على ما شرح أعلاه ، وقفا صحيحا شرعيا مؤبدا ، دائما سرمدا ، وصدقة موقوفة لا تباع ولا توهب ولا تملك ولا ترهن ولا تتلف بوجه تلف ، قائمة على أصولها ، محفوظة على شروطها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، وقبل جميع هذا الوقف لما شرح فيه الموقوف عليه ذلك لنفسه ، قبولا شرعيا ، وتسلم الموقوف عليه الدار المذكورة بإذن الواقف له في ذلك ، وصارت بيده وقبضه وحوزه وملكه بعد النظر والمعرفة والإحاطة به علما وخبرة ، فقد تم هذا الوقف ووجب ، وأخرجه هذا الواقف عن يده ، وأبانه عن حيازته ، وسلمه [ ص: 425 ] لمستحقه ، وصار بيده وقفا عليه ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر إخراجه من أهله ، فحرام على من غيره أو بدله بعد ما سمعه ، ( فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ) وتؤرخ ، وذكر القبول إنما يذكر إذا كان الموقوف عليه معينا ، وتفاصيل الأوقاف لا تتناهى ، وهذا القدر منبه على ما يقال في غيره فليقتصر عليه .

فـرع

وقع في النـزاع بين فقهاء العصر ، وهو بعيد الغور ، ينبغي الوقوف عليه ، وهو إذا قيل : فمن مات منه فنصيبه لأهل طبقته ، وقد تقدم قبل هذا الشرط ذكر الواقف ، فيبقى الضمير دائرا بين طبقة الواقف والموقوف عليه [ . . . . . ] ابن الأخ وابن العم ; لأنه مع ابن عمه ، الجميع أولاد عم ، وهو مع أخيه الكل إخوة ، فكلا الجهتين طبقة واحدة ، فينبغي أن يبين ذلك ، فيقال : من إخوته ، أو يقال : الأقرب فالأقرب ، فيتعين الأخ ، فإنه وإن كان في الطبقة وابن العم كذلك ، إلا أن الأخ أقرب ، فإن قال : الأقرب فالأقرب فافترقا بالتسوية بين الشقيقين وأخ الأب ، فإن حجب الشقيق له ليس بالقرب بل بالقوة ، فإن قال : طبقة وسكت فأب بعضهم بالأخ دون ابن العم ، قال : لأنه حمل للفظ على أثر موارده ، وبعض الفقهاء يتوهم أنه إذا قيل في طبقته ، فلا احتمال فيه ، وليس كما قال لما بينت لك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث